يستشهدون لتورق الحياة من جديد

يستشهدون لتورق الحياة من جديد

وهبة رومي

بنفس العهد الذي قطعه الشهداء الذين سقطوا على الأرض الطاهرة، التي عانى شعبها الأمرّين، قطع المقاتلان؛ خبات وبروسك عهدهما بأن يحرّرا هذه الأرض السورية، وما تبقى منها بروح المقاومة، متحدّين الظلم. وفي إحدى أيّام الشتاء القاسية، حيث كان الجو مظلماً وكئيباً، والأمطار تهطل بغزارة، هكذا قد  كان خبات وبروسك يقاتلان، بسلاحهما الخفيف الذي كانا يمسكونها بأيدٍ متجمّدة من الصقيع الذي قد امتدّ إلى جسدهما، وانتهى بشفتيهما اللتَين تجمّدَتا هما الأخريَين اللتَين قد بدا لونهما زرقاوَين من شدة البرد، والأسنان التي قد كانت تصطكّ ليس خوفاً، وإنّما تحدّياً لذاك البرد الذي قد شن هو الآخر هجومه عليهما، ليزداد التحدّي والصبر.

أمّا تلك العيون التي قد كانت وكأنّها عيون صقور متأهبة ومستعدّة على الرغم من ألم المنظر وصراع الجسد مع الطبيعة القاسية و الغاضبة في ذلك اليوم. إلّا أنّه قد دار حديث قصير بينهم، وذلك بسؤال خبات لبروسك:

–           هل سنستطيع تحرير كوباني وبقية المناطق الأخرى من قبضة داعش

فابتسم بروسك ابتسامة عريضة، وأجاب بكل ثقة:

–           سنقضي عليهم بالتأكيد، ونشهد الانتصار بأنفسنا

وبهذه الروح المقاومة استمرّ بروسك وخبات بالنضال حتى تحرير مدينة كوباني بالكامل، وسط فرحة غمرت جميع المقاتلين، وفي هذه الأثناء قد هنّأ بروسك وخبات بعضهما البعض بهذا النصر الذي لطالما حاربوا لأجله وسط عناق حار.

وبعد فترة وجيزة، انتقل خبات إلى غرفة العمليات العسكرية، أمّا بروسك أصبح قياديّاً في الجبهات.

وهكذا استمرت المقاومة من كوباني إلى تل أبيض إلى منبج، حتّى وصلت إلى الرقة، بنفس الحماس وروح المقاومة وصل المقاتلون إلى الرقة التي قد كانوا يتوعّدون بتحريرها وأهلها من الظلم الذي مورس عليهم تحت مخالب داعش الذي لا يعرف الرحمة.

وقد كان خبات وبروسك من بين هؤلاء المقاتلين الذين انضموا إلى حملة الرقة، وخلال اشتداد الحرب ابتعد خبات وبروسك عن بعضهما البعض ما يقارب حوالي ٥ أشهر، ولا يعرفون شيئاً عن بعضهم، وكل واحد منهم يحارب في مكان بعيد عن الآخرـ فبروسك قد كان يحارب ليلاً، أمّا في النهار فكان منشغلاً باستقبال الأهالي النازحين الذين كانوا يهربون من مكان تواجد داعش، ويلجأ إلى حسب قول الأهالي النازحين، لأنّهم الأكثر أمانا لهم، وهم الملجأ الوحيد الذي لطالما انتظروه بفارغ الصبر ليحتموا بهم، ويبدؤوا حياة جديدة بلا داعش.

وهكذا مضت عدّة أيّام وبروسك بقي مستمراً بإنقاذ الأطفال الذين كانت أمّهاتهم تحتضنهم وتركض بهم، وهنّ منهكات من الركض، حافيات الأقدام، والشيوخ الذين انهارت أجسادهم أرضاً من الخوف والذعر فور وصولهم، والجرحى الذين هربوا ودماؤهم تندمج قطراتها بالرياح والتراب، أملاً منهم أن يستقرّوا بمكان آمن، ويتوقف عن ذاك الجسد الجريح الذي أوشك على فقدان الروح التي تسكنه  من شدة النزف.

هكذا كان بروسك كالملاك المنقذ الذي قد كان يتحرّك بسرعة؛ خوفاً من أن يفقد أحد اللاجئين، لذا فقد كان يخاطر بنفسه لينقذهم إلى النقطة الأكثر أماناً، إلى نقطة قوات سوريا الديمقراطية.

أمّا خبات الذي قد كان منسقا في غرفة العمليات العسكرية في الجبهات، وأثناء عمله رأى من بعيد فرقة قادمة نحوه، وأثناء مجيء الفرقة واقترابها، وإذ من بينهم بروسك؛ المسؤول الرسمي عن هذه الفرقة، وصديق خبات الذي قد كان معه في حملة كوباني.

هذا وقد تفاجؤوا برؤيتهم بعضهم، ولم تسعهم الفرحة محتضنين بعضهم البعض، ومن خلال العناق أو الترحيب ببعضهم دار حديث قصير فيما بينهم، فقال خبات لبروسك: هل تذكر أثناء حملة كوباني قلت لك: إنّنا سنكون حيثما يكون داعش، وسنكون نحن المنتصرين.

فردّ عليه خبات وقال: نعم هذا صحيح. وإذ بدقائق معدودة، وأحد المقاتلين ينادي على الجهاز اللاسلكي أنّ سيارة مفخخة تتّجه نحونا، لنسرع إليها، ونتصدى لها، ليكون الكلّ مستعدّاً، وهكذا ودّع بروسك خبات بسرعة قائلاً له: لا تنسَ، فكما حرّرنا كوباني فسنحرر الرقة أيضاً،  وباقي الأراضي السورية من قبضة داعش.

ومع اقتراب السيارة المفخخة من نقطة قوات سوريا الديمقراطية وجّه بروسك فرقته إليهم مسرعين، وإذْ بدقائق معدودة، وانفجرت السيارة المفخخة، وأصدرت صوتاً قويّاً بالتزامن مع وصول بروسك وفرقته إلى تلك السيارة، للتصدّي لها. فتوقّف خبات في مكانه لدقائق داعياً ألا يصيب رفاقه مكروهاً. وما لبث قليلاً إلّا ونادى أحد المقاتلين على الجهاز اللاسلكي (القبضة) بأنّ هناك عدداً من المقاتلين سقطوا جرحى، وواحد آخر سقط شهيداً.

تفاجأ خبات، وركضَ مُسرعاً في شوارع الرقة متّجهاً نحو مكان الانفجار، وإذ بجثة بروسك ملقاة على الأرض، نعم بروسك المقاتل الشجاع سقط شهيداً على أرض الرقة التي ارتوت من دمه ودماء المقاتلين من قبله.

جلس خبات على ركبتيه راكعاً أمام جثة بروسك، وهو يبكي بحرقة لفقدانه رفيق دربه الذي لطالما أعطاه الأمل بأن يواصلا المضي قُدُماً في هذا الدرب سويّاً، إلى أن حان موعد النصر، ويشهداه هما الاثنان منتصرين.

هكذا بقي خبات يبكي أمام جثة صديقه بروسك، محتضراً الذكريات والصور الجميلة واللحظات الصعبة التي قد عاشاها سويّاً، وتلك اللحظة التي لم تكن بقديمة، بل كانت قبل دقائق من استشهاده حين قال له: لا تنسَ يا خبات، إنّنا سنمضي ونكافح ولن نستسلم حتى ننتصر، وبهذه الكلمات التي قالها بروسك، واستحضرها خبات قطع وعده لبروسك وهو بين أحضان صديقه يبكي ويقول: لن أنساك يا بروسك، سأمضي وأكافح، ولن استسلم حتى ننتصر، فلتُرِح قلبك يا بروسك، ولترحل بسلام  وأنت مطمئن، سأنتقم لك ولكل الشهداء ولكل الأهالي الأبرياء وسنحرّر أرضنا من داعش.

ومثل هذا العهد وعلى هذه الطريق قطع الآلاف من المقاتلين وعدهم لرفاقهم الشهداء بأن يحرّروا أرضهم من الظلم، وينتقموا لرفاق دربهم الذين حلموا بالنصر، وسقطوا شهداء طاهرين على أرض تستحق الفداء، وهكذا ستتحرّر بلادي  بأكملها، بعهد خبات وبروسك الذي لن يفنى .. وسيبقى خالداً…

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password