من هو “مام جلال” الذي اثبت حضوره السياسي في كردستان والساحة العراقية؟

مركز الأخبار- يعتبر جلال طالباني الذي يطلق عليه الأكراد والعراقيون عموماً اسم “مام جلال” (العم جلال)، واحدا من السياسيين المخضرمين ذوي الباع الطويل في المجال السياسي في تاريخ العراق المعاصر، ومنذ بدء نشاطه السياسي المبكر في كردستان العراق باعتباره أحد أبناء القومية الكردية، ثاني أكبر قومية في العراق بعد العرب، عاصر الرئيس العراقي الراحل أزمنة مختلفة في العراق، ملكية وجمهورية.

رحل المام جلال الطالباني تاركاً ورائه ميراثاً نضالياً كبيراً، بعد أن تولى رئاسة العراق ليصبح أول رئيس غير عربي يدير دفة الحكم ولفترتين رئاسيتين على التوالي، قبل أن يتركها في سنواتها الأخيرة نتيجة المرض.

النشأة

ولد جلال حسام الدين نور الله نوري الطالباني في 12 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1933 في قرية كلكان على سفح جبل كوسرت والمطلة على بحيرة دوكان. لأسرة دينية. أمضى عدة سنوات من طفولته في تلك القرية.

وبعد أن أصبح والده مرشداَ للتكية الطالبانية في قضاء كويسنجق التابع لمدينة هولير، درس فيها جلال الطالباني المرحلة الابتدائية، وأكمل دراسته فيها بتفوق، حيث ظهرت عليه علامات الاجتهاد والذكاء منذ الطفولة، حتى أنه ألقى كلمة في يوم الاحتفال بعيد نورز عام 1945 نالت إعجاب المشاركين وأظهرت مدى تعلقه بقوميته الكردية، كون  الاحتفالات بعيد نوروز لم تكن مسموحة.

قيادة الطلبة

أسس جلال الطالباني عام 1946 مع عدد من زملائه التلاميذ وبإرشاد أحد معلميه جمعية تعليمية سرية أطلقت عليها تسمية KPK أي جمعية تقدم القراءة، وانتخب مام جلال سكرتيراً لها، وكان هدف الجمعية تشجيع التلاميذ على القراءة.

وتأثر المام جلال بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تأسس في 16 آب عام 1946 وانخرط في تنظيم العمل الطلابي ضمن الحزب، وبعد فترة من ممارسته العمل السياسي نشرت له صحيفة (رزكاري) التي كانت تصدر بشكل سري عن الحزب أول مقال له تحت اسم مستعار هو (آكر).

الانضمام للحزب الديمقراطي الكردستاني

وفي عام 1947 أصبح عضواً رسمياً في الحزب الديمقراطي الكردستاني، رغم أنه كان في الـ 14 من العمر، وفي عام 1948 دخل المرحلة الدراسية المتوسطة في كويسنجق، وشارك كممثل لطلبة كويسنجق في المؤتمر الأول لطلبة العراق الذي أقيم في ساحة السباع بالعاصمة العراقية بغداد في نيسان عام 1948.

وتولى عام 1949 منصب عضو اللجنة المحلية للحزب الديمقراطي في قضاء كويسنجق، وفي صيف عام 1951 اعتقل من قبل السلطات العراقية وتم نفيه إلى الموصل مع عدد من أعضاء الحزب وهناك استمر بنضاله السياسي، وبعد أن تم الإفراج عنه قصد كركوك لمتابعة دراسته وهناك أصبح مسؤولاً عن تنظيمات الحزب في كركوك.

تولي منصب السكرتير العام لاتحاد طلبة كردستان

وفي عام 1953 دخل كلية الحقوق في بغداد، وفي كانون الثاني من عام 1953 شارك في المؤتمر الثالث للحزب الديمقراطي الكردستاني وانتخب عضواً للجنة المركزية وفي شباط من عام 1953 أشرف على عقد أول مؤتمر لاتحاد طلبة كردستان وفي ذلك المؤتمر انتخب سكرتيراً عاماً لاتحاد طلبة كردستان وصدر له كراس بعنوان (ضرورة وجود اتحاد طلبة كردستان) وفي نفس العام شارك في تأسيس شبيبة الديمقراطي الكردستاني وأصبح سكرتيراً عاماً للشبيبة في الفترة ما بين 1953- 1955، حيث انتخب عام 1954 كعضو في المكتب السياسي للحزب.

الهروب من الاعتقال والعودة لاحقاً

واضطر مام جلال لترك الدراسة في كلية الحقوق عندما كان في السنة الرابعة عام 1956 هرباً من الاعتقال بسبب نشاطه في اتحاد الطلبة الكردستاني. وفي عام 1957 سافر إلى سوريا والاتحاد السوفياتي.

وفي تموز 1958، بعد الإطاحة بالملكية الهاشمية العراقية، عاد الطالباني إلى كلية الحقوق وتابع عمله كصحفي ومحرراً لمجلتي خبات وكردستان، وبعد تخرجه عام 1959 استدعى لتأدية الخدمة العسكرية في الجيش العراقي حيث خدم في وحدتي المدفعية والمدرعات، وكان قائداً لوحدة المدرعات، ورغم ذلك انتخب في نفس العام عضواً للجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني والمكتب السياسي في بغداد.

وفي عام 1961 أصبح رئيس تحرير صحيفة (كردستان)، وألقى في ليلة نوروز من نفس العام خطاباً في العاصمة بغداد، وهذا ما دفع حكومة عبد الكريم قاسم لتوجيه مجموعة تهم إليه وإصدار قرار باعتقال، لذلك توارى عن الأنظار وعاد إلى السليمانية.

قيادة الكفاح المسلح والعمل الدبلوماسي

وعندما اندلعت الانتفاضة ضد حكومة عبد الكريم قاسم في أيلول عام 1961 كان مام جلال مسؤلاً عن القوات العسكرية في السليمانية وكركوك، واستمر في النضال العسكري حتى عام 1963 حينما حصل الانقلاب العسكري في العراق ضد حكومة عبد الكريم قاسم وحينها تولى مام جلال رئاسة الوفد الكردي للتفاوض مع الحكومة الجديدة التي أبدت في البداية موافقتها لإجراء حوار لإقرار حل سلمي للقضية الكردية.

خلافات مع قيادة الديمقراطي الكردستاني

وفي نفس العام سافر إلى مصر، الجزائر، فرنسا، ألمانيا، روسيا، تشيكوسلوفاكيا والنسما، للقيام بالأعمال الدبلوماسية، وسعى لكسب التأييد للقضية الكردية، وعاد إلى البلاد عام 1964 ليعود مجدداً لقيادة القوات العسكرية ولكن بدأت الخلافات تظهر بينه وبين مصطفى البرزاني في نفس العام، فانفضم إلى المجموعة التي انفصلت عن الحزب وشكلت عام 1966 المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني.

ولكن المكسب السياسي انحل عام 1970 بعد أن اتفق الحزب الديمقراطي الكردستاني مع الحكومة المركزية في بغداد والتي كان يقودها حزب البعث الذي تولى سلطة البلاد بعد الانقلاب العسكري عام 1968، حيث وقع الديمقراطي في آذار نفس العام اتفاق سلام مع حزب البعث.

تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني

وفي عام 1972 سافر إلى خارج العراق وبقي لفترة في مصر ولبنان وسوريا وعقب اتفاق الجزائر بين العراق وإيران في آذار عام 1975 الذي أنهى الدعم الإيراني للحزب الديمقراطي والتي انهار بعدها الحزب الديمقراطي وفشلت ثورته، أسس جلال طلباني الاتحاد الوطني الكردستاني في الأول من حزيران عام 1975 بالعاصمة السورية دمشق مع مجموعة من المثقفين والأدباء بينهم عادل مراد، فؤاد معصوم، عمر شيخ موسى وكمال خوشناو، وأصبح سكرتيراً للحزب.

وفي عام 1976 بدأ تنظيم المعارضة المسلحة داخل العراق، وخلال الثمانينات قاد المعارضة الكردية للحكومة العراقية من قواعد داخل العراق إلى أن قام صدام حسين بارتكاب مجازر بحق الكرد والتي تعرف بالأنفال عام  1988 واستخدامه السلاح الكيماوي في حلبجة.

مام جلال ومساعي تحقيق الوحدة الوطنية الكردية

وسعى مام جلال دائماً لتحقيق الوحدة الكردية، حيث كان له دور في تحقيق مصالحة بين حزب البارتي الذي كان أول حزب يتأسس في روج آفا في أعوام الخمسينيات من القرن الماضي، وبين طبقة البكوات والآغوات، وذلك في سبيل تقوية الحركة السياسية الكردية في روج آفا.

كما التقى جلال الطالباني، بقائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان عدة مرات في العاصمة السورية دمشق، بدأها أعوام الثمانينيات، تابعها بلقاء عام 1991 وفي عام 1993 لعب دوراً مهماً في عملية وقف إطلاق النار التي تمت في جنوب شرق تركيا والتي كانت تعتبر مرحلة مهمة في تاريخ القضية الكردية الحديث. وفي هذا السياق التقى بقائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان، أعقبه ذلك لقاء آخر بينهما عام 1996.

وفي تشرين الثاني من عام 2011 استقبل مام جلال وفداً من جنوب شرق تركيا ضم الرئيسين المشتركين لحزب السلام والديمقراطية صلاح الدين ديمرتاش وكولتان كيشاناك، إضافة إلى رئيسي مؤتمر المجتمع الديمقراطي آيسل توغلوك وأحمد تورك، وتناول اللقاء مساعي عقد المؤتمر الوطني الكردستاني وآخر المستجدات في كردستان.

وفي عام 2014 وجه قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان رسالة إلى مام جلال بخصوص مساعي عقد المؤتمر القومي الكردستاني. وسلم وفد إمرالي المؤلف من البرلمانية المستقلة عن مدينة آمد ليلى زانا وعضو البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي سري سريان أوندر، في الـ 23 من تموز عام 2014 الرسالة لجلال الطالباني.

وقال أوجلان في الرسالة “نحن الكرد نحتاج إلى النضال الدبلوماسي الذي قامت سيادتكم بإدارته بيننا وبين جيراننا، كما يحث هذا النضال جميع الأطراف السياسية في أجزاء كردستان الأربعة على العمل معاً من أجل تحقيق مستقبل متحرر لشعبنا.. أتمنى الإسراع في عقد المؤتمر القومي الكردستاني من أجل تحديد الاستراتيجية والموقف المشترك”.

وفي آذار عام 2015 أرسل أوجلان من جزيرة إمرالي رسالة أخرى إلى مام جلال نظراً لحنكته السياسية، تمحورت حول الأوضاع في كردستان بشكل عام وفي روج آفا وإقليم كردستان بشكل خاص والحرب ضد داعش، ودعته للعب الدور في عقد المؤتمر القومي الكردستاني وتوحيد الصف الكردي.

الرئيسة المشتركة للمؤتمر الوطني الكردستاني KNK نيلوفر كوج التي كانت ضمن الوفد الذي سلم الرسالة لطالباني قالت “الرئيس طالباني له جهد كبير في تحضير أعمال انعقاد المؤتمر لهذا تم تسليم رسالة قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان إلى سيادته”. وأضافت “عندما تحدثنا عن أوجلان أدمعت عينا الطالباني”.

وفي 25 تشرين الأول من عام 2015 استقبل مام جلال وفداً من روج آفا ضم ممثلين عن حركة المجتمع الديمقراطي، وأكد على ضرورة تحقيق الوحدة الكردية. حيث يعتبر مام جلال من أحد الداعمين لثورة روج آفا من خلال مواقفه وتصريحاته.

الإدارة المشتركة في باشور

وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991 أقام كلاً من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إقليم  كردستان وكان شبه مستقل بفضل حظر الطيران الذي فرض التحالف الغربي في أجواء الإقليم، ونظمت انتخابات في إقليم جنوب كردستان وتشكلت عام 1992 إدارة مشتركة للحزبين، غير أن التوتر بينهما أدى إلى مواجهة عسكرية بينهما عام 1996، انتهت بتوقيع البارزاني والطالباني اتفاقية سلام في واشنطن عام 1998، بعد جهود أميركية حثيثة وتدخل بريطاني.

مام جلال أول رئيس غير عربي للعراق

وعقب إسقاط نظام صدام حسين عام 2003 وتشكيل مجلس الحكم والانتخابات الانتقالية، انتخب جلال طلباني رئيساً للعراق عام 2005، وانتخب البرلمان العراقي في تشرين الثاني 2010 الطالباني مرة أخرى لرئاسة الجمهورية بعد حصوله على غالبية الأصوات.

المرض يبعد مام جلال عن دفة القيادة

وعانى الطالباني في السنوات الأخيرة من حياته من مشاكل صحية، حيث أدخل إلى مدينة الحسين الطبية في الأردن في 25 شباط 2007 بعد وعكة صحية أصابته، وأجريت له عملية جراحية للقلب في الولايات المتحدة في آب 2008، وفي نهاية عام 2012 غادر العراق للعلاج في ألمانيا من جلطة أصيب بها ودخل على إثرها في غيبوبة، ومكث هناك نحو عام ونصف حتى عاد للعراق في تموز 2014.

وخلفه فؤاد معصوم الذي انتخبه البرلمان يوم 24 تموز 2014 رئيساً لجمهورية العراق بـ211 صوتاً من أصل 275.

رحيل مام جلال …

ورحل مام جلال يوم الثلاثاء 3 تشرين الأول 2017 في إحدى مستشفيات ألمانيا عن عمر ناهز 84 عاماً، وذلك بعد نحو 10 سنوات من المعاناة مع المرض، وبعد رحلات علاجية قادته إلى الولايات المتحدة وألمانيا، تاركاً خلفه ميراثاً نضالياً كبيراً سيخلده التاريخ.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password