تدمر.. المدينة العالميّة

رستم عبدو

 

أدلتِ الحربُ الدائرة منذ اندلاعها في سوريا بظلالها على العديد من المواقع والأوابد التاريخيّة والأثرية، التي أصبحت جزءاً من هذا الصِّراع. فقد أشارت صحيفة  فوكس الألمانية إلى هذا الواقع الأليم حين ذكرت أنّ: “الإنسانية على وشك أن تفقدَ آلاف السنين من تراثها الثقافي”.

من بين تلك المواقع نذكرُ مدينةَ تدمر الأثرية المُدرجة على قائمة التراث العالمي، والتي تُعدُّ من أبرز الواجهات السياحية في سوريا، وإحدى أهمّ معالم الجذب السياحي فيها قبيل الحرب، إلى جانب كونها تشكّل متحفاً في الهواء الطلق نظراً لغناها بالأوابد الحضارية والتاريخية التي ما تزال معالمها شامخة.

بدأت هذه المدينةُ الأثرية تواجه خطرَ الحرب منذ الرابع من شباط عام 2012م،عندما قامت الدولة بالتمركز في المدينة الأثرية، وبالتحديد في سفوح قلعتها وأيضاً بالقرب من المدافن البرجية، ثم قيامها بعد ذلك بشقّ الطرقات وإقامة السواتر الترابية ضمن محيط منطقتها الأثرية، وبالتالي استخدامها لأغراض عسكرية كما تقول الرابطة الأمريكية للعلوم المتقدمة AAAS.

في الشهر الثالث من عام 2013 ونتيجةً للقصف العشوائي بين القوّة المتصارعة، تعرّضت العديدُ من معالم المدينة الأثرية في تدمر، كقوس النصر وبعض من أعمدة الشارع المستقيم  وتيجانها وأجزاء من المسرح والسّور والحمامات وسور متحف تدمر، لأضرارٍ طفيفة، كما تعرّضت المدينة في تلك الفترة لأعمال حفرٍ غير شرعية،و سرقة بعض اللقى الأثرية كما جرى في منطقة وادي القبور ودار الضيافة والمسرح.

بلغ عددُ القطع الأثرية التدمريّة المصادرة بين عامي 2012 و 2014 أكثر من 125 قطعة تمثّلت بالشواهد الجنائزية، وبعض العملات النقدية .. هذا إلى جانب عشرات القطع الأخرى المنهوبة من مدافن وقطّاعات أثريّة متفرقة والتي لم يتم السيطرة عليها واستعادتها بعدُ.

في 20 أيار من عام 2015 سيطرَ تنظيمُ الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة تدمر، بعد معارك ضارية مع النظام تعرّضت خلالها بعض الأعمدة والتيجان في المدينة الأثرية لأضرارٍ مباشرة.

قام التنظيمُ في 23/08/2015 بتفجير معبد” بعل شمين” بالكامل بعد تفخيخه, وللتذكير فإنّ معبد بعل شمين أي( سيد العالم)، يعود تاريخ بنائه للقرن الثاني الميلادي ويتكوّن من باحات ذات أروقة معمّدة، وحرمٍ يحوي مذبح دُوِّنت عليه كتابة باليونانية والتدمرية. تحوّل الحرمُ في العهد البيزنطي إلى كنيسة بعد أن جرت عليه بعض التعديلات.

كما قام تنظيم الدولة (داعش) بإلحاق أضرارٍ فادحة بمعبد” بِل” حيث قام بتدمير المبنى الرئيسي للمعبد، وصفٍّ من الأعمدة الواقعة في جوارها كما تؤكد وكالة التدريب والبحث في الأمم المتحدة (يونيتار). يعود تاريخ المعبد إلى الربع الأول من القرن الأول الميلادي، وله شكل مستطيل مكوّن من ساحة يتوسّطها الحرم، يجاورها المذبح وحجرة المائدة، وتحيط بالساحة أروقة من جوانبها الأربعة.

كذلك تمكّن التنظيمُ من تدمير تمثال “أسد أثينا” عند مدخل متحف تدمر، و قام أيضاً بتفجير ثلاثة مدافن برجية، وهي (مدفن جمباليك – مدفن بِل- مدفن كيتوت) من بين عشرات المدافن كما أوضحت الصور الجوية التي تم التقاطها في 02/09/2015 من قبل منظمة أسور للتوثيق، التي تتخذ من مدينة بوسطن الأمريكية مقراً لها. هذه المدافنُ يعودُ تاريخ بنائها إلى الفترة الواقعة بين منتصف القرن الأول وبدايات القرن الثاني الميلادي.

كانت تسمى هذه المدافن بالبيوت الأبديّة، وهي على شكل أبراج عالية تصل في بعض الأحيان إلى ارتفاع 20م مكوّنة من عدّة طوابق تحوي عدة غرف مزخرفة توضع بداخلها توابيت الموتى، وكانت هذه المدافن تقع في خارج المدينة القديمة.

وفي ديسمبر من عام 2016 سيطر التنظيم مجدداً على تدمر، وقام خلال شهر كانون الأول من 2017بتدمير التترابيلون الأثري؛ وهو عبارة عن 16 عمودا, كما قام بتدمير أجزاء من واجهة المسرح الروماني, قبل أن يستعيد النظام المدينة مرة أخرى ليُقدر إجمالي الأضرار الحاصلة في المدينة الأثرية بنسبة تتراوح ما بين 15-20% .

 

تدمر أو تدمرتا- تدمرتو كما جاءت في النقوش الآرامية، وبالميرا كما أطلق عليها الرومان، تقع في وسط سوريا وتبعد عن مدينة دمشق حوالي 250 كم. تكمن أهميتها في موقعها الاستراتيجي التي احتلّتها عبر العصور، فقد شكّلت خلالَ مراحل معينة من تاريخها معبراً ومحطة استراحة لمرور القوافل التجارية القادمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

وَرَد ذكرُ تدمر في الرُقم المسمارية الآشورية والبابلية العائدة إلى بدايات الألف الثاني قبل الميلاد، كما وَرَد ذكرها في رقيّم لـ ماري يعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، كذلك وَرَد ذكرها في الحوليّات الآشورية العائدة للقرن الحادي عشر قبل الميلاد.

أولى آثار الاستيطان في الموقع يعود إلى أواخر العصر الحجري القديم الأدنى، إلا أنّ بداية الاستيطان الفعلي في الموقع كان خلال النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، والتي استمرّت حتى بدايات عصر الحديد  1200 ق.م.

خضعت تدمر للسيطرة الرومانية خلال القرن الأول قبل الميلاد، وذلك بعد اندثار الدولة السلوقية، وبدأ ازدهارها مع انتشار السّيطرة الرومانية فيها، حيث تحوّلت خلال فترة زمنية قصيرة إلى واحدة من أهم وأغنى مدن الشرق القديم، فقد وصلت مساحة تدمر خلال القرون الميلادية الثلاثة الأولى إلى حدود 12 كم، لتغدو بذلك من أهم مدن التجارة والقوافل في العالم القديم.

اتخذت تدمر مظهرَ مدينة يونانية – رومانية من خلال تجديد وبناء المعابد والمسارح والأسواق والحمامات والأكورا  والمدافن البرجية والشوارع، ولعلّ أبرزها الشارع المستقيم إلى جانب ظهور المنحوتات والنقوش بكثرة.

بعد موت الإمبراطور الروماني “سبتيموس سفيروس “عام 211م ضَعُف موقفُ الرومان في الشرق مع بروز وتعاظم القوة الساسانية البارثية التي بدأت تسيطر على مناطق واسعة من ميزوبوتاميا، ومن ضمنها طريق التجارة الدولية، مما أفقد تدمر مكانتها كقوة رئيسية.

في عام 267م استطاع ملكُ تدمر أذينة من دحر الساسانيين وإعادة الأمور إلى نصابها، لكنه قُتِل بعد ذلك على يد ابن أخيه، وتولّت أرملته زنوبيا السّلطة من بعده  كوصيّة على العرش ،والتي حاولت بدورها التمرّد على الرومان وتأسيس كيان خاص بها، إلا أنّها فشلت في ذلك ،إذ تمكّن الرومان بقيادة أورليان من القضاء عليها وعلى مملكتها عام 273م.

خلالَ الفترة البيزنطية (القرن الرابع والخامس والسادس قبل الميلاد) تحوّلت تدمرُ إلى مركزٍ لمواقع وحاميات الحدود على الفرات.

في عام 635 م أصبحت تدمر في عُهدة الدولة الإسلامية، واستطاعت أن تلعبَ دوراً مهمّاً خلال القرنيين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، أي عندما كانت تابعة لأمراء حمصَ من آل شيركو ودولتهم الأيوبية. قام الأيوبيون في تدمر خلال تلك الفترة ببناء قلعتها الشهيرة ،والتي تنسب في هذه الأيام إلى الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي كان قد أقام فيها لفترة محدودة خلال القرن السادس عشر الميلادي.

قدّمت تدمرُ للبشرية منجزاتٍ حضارية هامّة في العديد من الميادين، وجسدّت على مدى قرون صلة الوصل بين الشرق والغرب، إلى أن باتت بحق من أمّهات المدن الحاضنة للقوافل التجارية، ولا سيما خلال العصر الروماني. وها هي اليوم- ونتيجة لهذه الصراعات الدامية- تتعرض لتدميرٍ مُمنهج على يد الظلاميين وأعداء التراث الإنساني، في محاولة منهم لإزالة معالمها الحضارية وحرمان شعبها من تاريخها وطمس ماضيها ومحو جذورها الثقافية.

 

المراجع

–           أسعد, خالد: تدمر صفحات من التاريخ. مجلة مهد الحضارة. منشورات المديرية العامة للآثار مـ 15-16 عام 2012

–           أسعد, خالد ودهمان, ربيع: ترميم محراب الحرم لمعبد بعل شمين في تدمر. مجلة الحوليات الأثرية السورية م 19. عام 1969

–           الحلو, عبدالله: صراع الممالك في التاريخ السوري ما بين العصر السومري وسقوط المملكة التدمرية. دار بيسان, بيروت لبنان ط1 1999.

–           سيريغ, هنري: تدمر والشرق بحث في مصادر الحضارة التدمرية. ترجمة: جورج حداد. مجلة الحوليات الأثرية السورية م 1 عام 1951

–           ويتمر, جون : تدمر دروس من التاريخ. ترجمة: عدنان البني. مجلة الحوليات الأثرية السورية م 10 عام 1960

–           تقارير المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا 01/03/2014

هذه الدراسة خاصة بمنتدى الفرات للدراسات، في حال نسخ البحث أو مشاركته يرجى ذكر المصدر.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password