ممن حكموا رحبة الميادين

ممن حكموا رحبة الميادين

جاسم العبيد

رحبة الميادين عريقة في التاريخ بنيت في القرن العشرين قبل الميلاد وبانيها نينوس بن بلوس باني نينوى، وقد ورد اسمها في التوراة في الإصحاح 36 سفر التكوين (ظهر من عائلة سملة في رحبوت النهر من حكم دمشق.)

اجتاحت جيوش الآشوريون المدن الآرامية وأحرقتها بعد تدميرها في رحبة الميادين وجبل البشري وأماكن أخرى في عام 858 قبل الميلاد، على يد الملك الآشوري تيكولتا نينورتا.  وبقيت مدمّرة حتى العهد العباسي حيث اقتطعها مالك بن طوق التغلبي العتابي الذي جده عمرو بن كلثوم من الخليفة هارون الرشيد، وبقي فيها 37 سنة أميراً عليها، ومن بعده ابنه أحمد ثم توالى على حكمها  أحمد بن محكان من بني مرة من قبيلة تميم ثم صالح بن مرداس مؤسس الدولة المرداسية من حلب إلى الحلة (بابل في العراق)  ثمّ حكمها الحمدانيون.

ثم حكمها الأكراد الأيوبيون لمدة مئة سنة جاء في كتاب (النزهة للإدريسي ترجمة جوبير المجلد السابع ص145)  في عام 1127 م تسلم جاولي أخ عزالدين مسعود البرسقي إمارة الرحبة وبقرار من السلطان عماد الدين زنكي .

وفي عام 1149 م كان قطب الدين مودود زنكي والياً على الرحبة وكانت عامرة ويذكر الإدريسي في نزهته أنّ الرحبة كانت عامرة ومحاطة بأسوار من الآجر الطيني ومزيّنة بعمارات وأسواق متنوعة .

تسلم أسد الدين شيركوه إمارة الرحبة عام 567هجري بعد مقتل عماد الدين زنكي ثم استلم ولده نورالدين محمود الشهيد الزنكي وأخضع البلاد لحكمه من الشام إلى الجزيرة.

وكان تقياً وعمّر البلاد بالمدارس، واهتمّ بأمر الرحبة واتخذهّا مقراً له، وبسبب انشغاله بحروب الإفرنج والصليبيين، فقد عهد أسد الدين شيركوه بإدارة الرحبة إلى أحد قادة جيشه ويدعى يوسف الملاح الحلبي. ولمّا كثرت الحوادث التي توالت على مدينة الرحبة (الميادين اليوم ) دبّ فيها الخراب، ولم تعد صالحة للسكن وقد نزح قسم من سكانها فقام شيركوه محمد شيركوه بعام589 هجري باستحداث بلدة جديدة جوار القلعة، وإذا داهمها خطر أو عدو لجؤوا إلى القلعة، وأغلقوا بابها وأصبحت المدينة الجديدة محطة للقوافل الشامية والعراقية.

وحينما قدمت جيوش الغزاة من المغول والتتر انتقل سكان الرحبة إلى داخل القلعة، وتحصّنوا فيها من خطر الغزاة, وتولّى الأشرف بن الملك العادل الأيوبي إمارة الرحبة عام 646 هجري.

وجاء في كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين أنّ نور الدين محمود زنكي قد أقطع أسد الدين شيركوه إمارة الرحبة وحمص وتدمر وماكسين (تل عجاجة)، وحين خرج السلطان نور الدين زنكي أخذ قلعة شيزر خرج بصحبته رئيس ديوان السلطان أبو غانم فأمره نورالدين بكتابة منشور بإطلاق المظالم ورفعها عن حلب ودمشق وحمص وحرّان وسنجار والرحبة وأعزاز وتل باشر وعداد العرب ونسخته مايلي:

من كتاب أبي الفداء – المختصر المجلد الرابع ص142

بسم الله الرحمن الرحيم

(هذا ما تقرّب به نورالدين محمود إلى الله سبحانه وتعالى صافحاً عنه سامحاً من أخذ المال لمن علم به ضعف من الرعايا ومضمون الكتاب طويل وفيه جباية الأموال المطلوبة من حلب وتل باشر وأهل الرحبة (10000 ) عشرة آلاف دينار عن عداد العرب الرحل…الخ.)

وفي عام 582 هجري بعد وفاة نورالدين الشهيد استولى صلاح الدين الأيوبي على البلاد المصرية والشامية ثم رتّب السلطان نوابه في البلاد وحكم البلاد بالسوية وخفض الضرائب واقتصر على الرسوم التي يبيحها الشرع الإسلامي، وفي عام 586 هجري تداعت جيوش المسلمين ولبت نداء صلاح الدين لتطهير أرض المسلمين من الإفرنج، فكان أول جيش يصل إليه هو جيش الرحبة بقيادة أسد الدين شيركوه الثاني.

اقتطع صلاح الدين الرحبة وحمص إلى ابن عمه نورالدين محمد بن شيركوه وكان مدمناً، وتوفّي بين أقداحه إلّا أنّ الرحبة بقيت بيد عائلته حتى عام 1264م عندما عيّن السلطان بيبرس المصري حاكمه الخاص على الرحبة.

وفي عام 1313م قام (خربنده) مع جماعة المغول بمحاصرة الرحبة وبغارات داخل سورية، فتجمع ولاة المدن السورية المختلفة مع جيوشهم في ضواحي حماة وتغلغل جواسيسهم حتى (عرض والسخنة).

وحينما تفشّى الجوع ومرض الطاعون في معسكر خربنده تراجع تاركاً وراءه آلات الحصار فقام المدافعون بنقلها إلى داخل حصن الرحبة (أبو الفداء- المختصر).

وفي عام 1315 م توفي في دمشق ابن الأركشي حاكم الرحبة في الوقت الذي كان خربنده يحاصرها, ويكتب خليل الظاهري في كتابه الزبدة: (في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، أنّ الرحبة مدينة لطيفة ولها قلعة وإقليم به عدة قرى وهي من  تابعية حلب).

ويقول حاجي خليفة في كتابه: (جيهانامه – القسطنطينية 1145هجري    ص444(

إن القوافل القادمة من بغداد إلى الشام تبتعد عن حصن الرحبة كما يخبرنا المؤلفون الأوروبيون.

ويكتب تافارنييه الفرنسي في كتابه – الرحلات – باريس عام 1676 في المجلد 1 ص 285 : ( أن مشيد رابة) أي مشهد الرحبة ويقصد (عين أباغ أو عين علي) غير بعيد عن الفرات، يقع على تلة في أسفله عين  غزيرة تملأ بركة ماءً وكان هناك سور عال تتخلّله عدة أبراج مستطيلة الشكل، تحيط به أكواخ بيضاء حيث احتفظ الأهالي بماشيتهم, وهي تبعد 9 كم عن الميادين.

وجاء في كتاب (أنباء الغمر):

ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب بن شادي أخت الناصر والعادل تزوجت أولاً بالأمير سعد الدين مسعود بن الأمير معين الدين أنر، فلمّا مات تزوجها الملك المظفر صاحب أربيل (هولير) فبقيت بأربيل دهراً معه، فلمّا مات قدمت إلى دمشق وخدمتها العالمة أمة اللطيف بنت الناصح بن الحنبلي، فأحبّتها وحصل لها من جهتها على أموال عظيمة، وأشارت عليها ببناء المدرسة بسفح قاسيون على كتف نهر يزيد المتفرع عن نهر بردى، فبنتها وأوقفتها على الناصح والحنابلة، وتوفيت بدمشق سنة ثلاث وأربعين وستمائة في دار العقيقي التي صيرت المدرسة الظاهرية، ودفنت بمدرستها تحت القبو ولقيت العالمة بعدها شدائد من الحبس ثلاث سنين بالقلعة والمصادرة.

ثم تزوج ربيعة الأشرف صاحب حمص بن المنصور وسافر بها إلى الرحبة فتوفيت هناك سنة ثلاث وخمسون وست مئة هجريّاً.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password