دعائم القبيلة – البيت في وادي الفرات والجزيرة

دعائم القبيلة – البيت في وادي الفرات والجزيرة

جاسم العبيد

البيت أصل القبيلة ومكونها الأساسي الذي تُبنى عليه لتتفرّع الأُسر والعوائل، ثم الفخذ والعشيرة، وإلى الآن يطلق (البيت) على الكثير من مواطن ما بين النهرين؛ دجلة والفرات عرباً وكرداً وسريانَ على الفخذ0

فيقال (بيت الجربا- بيت المسلط – بيت الهفل – بيت الدقوري – بيت الحسيني – بيت النقيب- بيت السعدون – بيت اسحق- بيت القادري- بيت الملحم – بيت غرزي – بيت المحاميد-).

والبيت هو الأسرة الذي يبدأ بالزوج والزوجة وما يتولد منهما وما يتبعهما بعلاقة الارتباط العائلي للتكاتف على المعيشة وهذا أمر طبيعي ولا يسع هذا البيت أكثر من هؤلاء فإن تزوج أحد الأولاد كون بيتاً جديداً لكنه يظل مرتبطا بالبيت الأول اسماً واحتراما وطاعة.

ذلك ربما يهدّد الأخطار البيت الجديد، وتنتابه الآلام من نواحٍ مختلفة، فهنا يحس بضرورة التكاتف مع الأصل أي البيت الأول، إذ لا يسَعَه أن يميل إلى من هو أبعد منه، وإنما يعتضد بمن هو أقرب إليه برعايته وموافقته في السراء والضراء في كافة مطالبه.

من هنا راعو درجة هذا التكاتف وقوته بالنظر لقوة القرابة ودرجتها، وهذا صار أساسا مهما في الإرث الإسلاميّ، والتضامن في الغالب يكون إلى حدّ خمسة بطون أو أظهر كما نراه اليوم، فإن تجاوز الخمسة فلا يهم الواحد أمر الآخر، وإنّما المهم حينئذ ما يخص الكل، ويتعلّق بالجميع، فيقلُّ التكاتف على الأمور الشخصية والمالية الفردية، إلى أن يكون هناك خطر عام يهدد كيان الجميع أو قريباً من ذلك، كأن يكون من نوع (من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته).

ومن البيت الأول نشأت الرئاسة على عدة بيوت، إلى أن شملت الفخذ أو العشيرة أو القبيلة وهكذا الإمارة، وعلى هذا الأساس صاروا يقولون: (الحلال بخمسة) و(الدم بخمسة) ويترتب عليها الوسكة (الوسقة) والأخذ بالثأر وما ماثل.

تتألف الجماعة من عدة عشائر بأن تكتسب ضخامة وسعة في تكونها.

وحينئذ يقال لها: القبيلة.

وقد يتساهل في التعبير فتسمى العشيرة باسم القبيلة، وهذه لا تفرق عن العشيرة إلّا في الحمائل (الرئاسة العامة)، بأن تكون الحمائل منقادة لرئيس القبيلة، كما في قبيلة العكيدات على شط الفرات، فهي موزعة على عدة عشائر من (البوجامل – البوجمال – زامل – زمال) والحلفاء أي العشائر الأخرى المتحالفة مع العكيدات والمجاورة لها من بوخابور – بوسرايا- مشاهدة – بوليل – مجاودة – مطاردة- قرعان – الخ0

فحمائل العكيدات أي بيت الرئاسة العام هم الهفل، وبرز منهم الشيخ عبود الجدعان؛ الهفل الذي امتلك شخصية نادرة في العفة والحكمة والشجاعة والوعي وامتلك الفهم والدراية التامة في قيادة القبيلة في المعمورة، وفي الحياة الاجتماعية للقبيلة وفي الحياة المدنية والدولة.

وقد يصح التعبير إذا قلنا: إنّ القبيلة عشيرة موسعة وبالغة حداً كبيراً من التفرع والتشعّب، فهي لا تختلف في حكمها عن العشيرة، وحينئذ تكون الكلمة واحدة وإن كانت كل عشيرة تدار داخلياً من قبل رئيسها وشيخها، فالرؤساء هنا بمنزلة رؤساء الأفخاذ في العشيرة.

وهذه لا تكون المسؤولية العامة فيها إلا في المطالب العظمى، والحالات الشاذة فهم متناصرون فيما بينهم، وكذا رئيس القبيلة هو واسطة التفاهم مع الدولة والحكومة دون رؤساء العشائر، أو تتدخل الحكومة لحلّ النزاع بين فريق وفريق آخر في العشائر المتخالفة، ممّن هم تحت سلطة رئيس القبيلة، فيتفاهم معه أو يتفاهم مع رؤساء العشائر المتخالفين.

إنّ هذه الحالة ضئيلة العلاقة، فليست كالفخذ في شدة ارتباطه، ولا كالعشيرة في تكاتف أفخاذها، وإنّما هي سلطة عامة، وغالبها اسمي وتنفذ الأوامر على أيدي الرؤساء على العشائر فهي أشبه بالإدارة العامة للولاية، أو اللواء للأقضية والنواحي في نظام المدن، والفرق هو أنّ بين الحكومة وأفرادها عمومية، وأمّا في هذه فلا يتولّى الرئاسة على العشيرة، إلّا مَن كان من بيت الرئاسة أو من أبدى مهارة بحيث رضيت عنه العشيرة فانتزعها مِمّن لا يصلح لها وهذا نادر جدّاَ.

والرئاسة العامة للقبيلة لا يتولّاها إلّا من كان جديراَ بها، ويتّصف بأنّه أشجع من غيره أو أكرم من غيره، أو جمعهما معا حتى ارتضته القبيلة.

والقبائل تظهر قوة تكاتفها في أمور منها (الدية) والمطالبة بالدم أو الثأر وبضمانات الحرائر، أو في معاونة الضعيف وإعطائه (الحذية)، وهذا ما نجده في المجتمعات المدنية اليوم، عند بعض طوائف المسيحية؛ مثل الأخوة الأرمن فلديهم جمعيات لنصرة الطالب الضعيف والفقير، لإتمام دراسته الجامعية كمثال.

ولا يحصر أمر التعاون والتضافر فهو كثير ويتجلى في منازعات القبائل وحروبها وغزواتها، وللقبائل قواعد في التعاون فيقال: (ضم أخاك لابن عمك وابن عمك للغريب)، والقبيلة تمت إلى القربى مقدمة لديها دون غيرها ولو كانت القربى بعيدة جدّاً، وهذه الأحوال تلاحظ عند الملمات فتهيج كامن القربى والعداء مع القبائل الأخرى، وحينئذ تثير أمشاج القربى وشيجة النسب فيتحرك وتر الشعور ودقات الإحساس فتدفعها لتيارها وتسوقها لغرضها وهكذا.

وهنا نرى البلاغة والتلاعب في جلب النفوس في الشعر والهوسات، وكل ما يسلك طريقة ويجذب رغبة ومن الهوسات الفراتية عند العكيدات كمثال:

–           ربعي دوم مونسين البر     ومسقين العدوان من المر

أو كما يقول مظفر النواب:

–           يا لخايض مينا بليل أزرق    والروجة تشيلك وتحطك

ولكل قبيلة نخوة ينتخون بها وينادون بها، فالرجل من عشيرة البوسرايا يصيح (أنا أخو صبحة) وشمر تصيح (سناعيس) والزبيدي يصيح أنا أخو هدلة، والجراح من الدميم يصيحون (أخوة ميثة) أما قبيلة العكيدات جميعا فينتخون بكلمة (أبرز) فأي رجل عكيدي في المعمورة، أو امرأة صاحت: (أبرز) وهي في ضيق أو مشكلة أو حصار، فإنّ أي عكيدي يسمعها سينتخي ويلبي طلب المساعدة إلى حد الموت، إلّا من كان في أذنه صمم.

وقد تتقارب عدة قبائل أو تتكاثر أو تتحالف فيتولى امرتها من هو ذو المكانة التاريخية والمعروف جدّه، والمتميز بالشجاعة والحكمة والجود والدراية أو يبدي همّة زائدة لجمع الكلمة فيعول عليه وهذا قليل.

وذاك الرئيس هو الأمير وفي بلاد نجد كلمة أمير تقال لرئيس كل قبيلة أو عشيرة لكن أصل وصفها للإمارة على عدة قبائل، وتولى رئاستها ويبطل مزاعم من ينظر إلى القبائل كنظرة همجية أو وحشية فيتصورها لا همّ لها سوى الغزو والنهب دون قانون ولا عادات وتقاليد تكبحها، أو حقوق تردعها أو تعاملات توقفها عند حدها وغاية ما أقوله أنها لم تخرج عن النظام والعادات المقرّرة حتى في غزوها وقيادتها للغزو وتقسيم الغنائم.

فالقبائل والعشائر لها رؤساؤها وحمائلها وقياداتها وعاداتها وتقاليدها وأنظمتها في الغزو والحروب وفي السلم، ولها قوانينها وعوارفها وقضاتها ومحاموها وشعراؤها في المدح والهجاء والمجالات الأخرى.

والقبائل والعشائر التي تقطن وادي الفرات والجزيرة لها أعراف وأنظمة وقوانين وعادات متميزة في حياتها ولها قضاة خاصون في حل النزاعات الداخلية والخارجية ضمن القبيلة ولابد من الحديث عن العرف والعوارف والمناهي مستقبلاً لدى عشائر وقبائل المنطقة الشرقية، أي بلاد ما بين النهرين.

ومن بيوت الرئاسة في العصر الحديث لقبائل بلاد ما بين النهرين:

العاصي الجربا (الشيخ حميدي الجربا اليوم): قبيلة شمر

مصعب بن خليل العبود الجدعان الهفل: للعكيدات

الجحيش: الصليبي

الجبور: المسلط

طي: الأمير محمد عبدالرزاق النايف ومحمد الفارس

زبيد: الحماد الفارس

بني سبعة: الأسعد

العدوان: الحلو

ومن بيوتات الرئاسة (بيت حاجو، القادري، الهاشمي، المحاميد) ومن السريان؛ قس إلياس، بيت اسحق، الغرزية.

وهذه البيوت التي هي أساس العشيرة أو القبيلة، كانت جميعاً كأنّها بيتٌ واحدٌ، وعشيرة واحدة متعايشة، ومتآخية في سكناها، ومعاملاتها الزراعية والصناعية وحرفها وتعلّمها الروح الاجتماعية المنفردة في العالم الحديث، وعلى جغرافية ما بين النهرين، عاشت هذه البيوت تشدّ أزر بعضها بعضاً في الملمّات والحروب والأخطار، وفي كل مجالات الحياة ونجدها في الكوارث الطبيعية تساعد بعضها البعض لتخفّف عن نفسها الألم والحزن، ويجتمع أفرادها جميعاً فيصبحوا كالبنيان المرصوص يداً واحدة أمام أيّ خطر يداهمها.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password