العراق وكردستان.. بين الاحتلال الخارجي والداخلي

العراق وكردستان.. بين الاحتلال الخارجي والداخلي

لزكين إبراهيم

تعقّد المشهد العراقي الكردستاني بعد الأزمة التي جرت بسبب الاستفتاء على الاستقلال، فقد أصرّت كردستان على استفتائها، وأضحى العراق رافضاً هذا التقسيم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ هل العراق حقاً دولة ذات سيادة وحكومتها تدار من قبل العراقيين حتى تتمسك بوحدة أراضيها وتمنع الشعب الكردي تقرير مصيره؟! وهل كردستان وحكومتها مستقرّة داخلياً وذات إرادة مستقلة عن التدخلات الخارجية حتى تطالب بالاستقلال؟!

للإجابة على هذه الأسئلة علينا النظر في أوضاع العراق وحكومتها، وإقليم كردستان وحكومتها من منظور السيادة والاستقلالية وأوضاعهما الداخلية من حيث الاستقرار وعدمه، فالعراق الذي يتمسّك بوحدة جغرافيته تم اختراقها من عدة جهات خارجية وعلى رأسها إيران التي أصبحت المتحكّمة بمفاصل العراق وتديرها بحسب مصالحها، حتى قرار الحرب والسلم باتت بيد إيران وحشدها الشعبي، فكيف لحكومة باتت حدودها الجغرافية مجرّد حبر على ورق ولم يعد لسيادتها أي اعتبار؟ أن تغضّ النظر عن الاحتلال الخارجي الذي تسرّب إلى كافة مفاصل الدولة، وتسترجل على من تعتبرهم شعبها لأنّهم أرادوا تقرير مصيرهم، ولينأوا بأنفسهم عن صراعات وسياسات متسربة لجسم العراق “لاناقة لهم فيها ولا جمل”، ولم تكتف بغداد بذلك فقط بل لجأت إلى مليشيات ودول إقليمية ليساعدوها على ضرب شعبها واحتلالها داخلياً.

هنا يمكننا التساؤل، هل حكومة بغداد حقاً تعتبر الشعب الكردي شعباً عراقياً لذا لا تريد أن ينفصلوا عن جسم العراق، أم أنهم يعتبرون أرض كردستان وخيراتها فقط أرضاً عراقية؟ أمّا شعبها “فليذهبوا إلى الجحيم” كما يقال؟!.

فنظراً للأحداث الأخيرة وماجرى في كركوك وخانقين وغيرها، نستطيع الجزم أن حكومة بغداد التي حركت جيوشها يتقدمهم الحشد الشعبي بقيادة قائد فيلق القدس للحرس الجمهوري الإيراني قاسم سليماني وبمباركة إيرانية تركية، وهجومها على الشعب الكردي وتهجيره، أنّ بغداد لا تعتبر الشعب الكردي في شمالها عراقياً، وإلا كيف لها أن تقبل بدخول ميليشيات من خارج العراق أو تدار من خارجها، لضرب شعبها وتهجيرهم؟ وكيف لها أن تبرم الاتفاقات مع دول إقليمية كتركيا ضد شعبها؟!، ألم يكن بمقدور بغداد -إن كانت فعلاً تعتبر الكرد جزءاً منها- القول للجهات الخارجية، لا شأن لكم في أوضاع العراق الداخلية ومسألة الاستفتاء وعدمها شأن داخلي سنحلها داخلياً؟ وماذا لو أن الشعب العراقي وافق على الاستفتاء، فهل كانت حكومة بغداد قادرة حينها تطبيق قرار شعبها حتى وإن رفضتها إيران وتركيا؟ إذا العراق أساساً محتلة خارجياً، ومايهم بغداد الآن بالإضافة إلى تنفيذ سياسات من يتحكمون بها، وضع اليد على خيرات كردستان، أما إيران وتركيا فهدفهما سياسي واضح، وهو وأد أي حلم كردي نحو الاستقلال أو أي شكل من أشكال تقرير المصير.

إذا يمكن اعتبار دخول الحشد الشعبي إلى كركوك والمناطق المتنازع عليها مع كردستان باحتلال داخلي للعراق، بالإضافة إلى الاحتلال الخارجي الإيراني التركي، وإن هذا التدخل سيعقّد الأمور أكثر، ولن يجلب الاستقرار للعراق، لأنّ الحشد القائم على أساس طائفي شيعي لايمكنه تحقيق الاستقرار في منطقة مثل كركوك وغيرها التي يقطنها خليط من الشعوب مختلفة القوميات والديانات والطوائف، فحكم هكذا مناطق يجب أن يكون بعيداً كلّ البعد عن أية شبهات قوموية أو طائفية حتى تحافظ على استقرار هذه المناطق، كما أنّ سيطرة البيشمركة أيضاً عليها تحت اسم قومي لن يكون بأفضل من سيطرة الحشد الطائفي.

أمّا إذا انتقلنا إلى أوضاع إقليم كردستان وحكومتها يمكن استنتاج أن سياساتها الأخيرة بنيت على أسس خاطئة وهشة، لذا سقطت في هذا المستنقع من الأزمات الخارجية بالإضافة إلى الأزمة الداخلية التي تعصف بها، فكيف لحكومة كردستان المعطل فيها عمل البرلمان، ورئيس حكومة منتهية ولايته وباقي على سدة الحكم بشكل غير دستوري وشرعي، بالإضافة إلى تسليم شريان اقتصادها لتركيا، والنزاعات بين أحزابها الداخلية، أن تتخذ قراراً باجراء استفتاء على الاستقلال وهي بالأساس غير قادرة على إدارة أمورها تحت نظام الحكم الذاتي؟

وكيف لحكومة كردستان أن تطرح مشروع الاستقلال عن العراق وهي في الأساس محتلّة من قبل أنقرة، حالها حال حكومة بغداد المحتلة من قبل طهران، ألم يكن الأجدر بحكومة الإقليم أن تحرّر نفسها من سطوة وسيطرة تركيا سياسياً واقتصادياً وحتى عسكريا؟؟ وكيف كانت ستعلن الاستقلال وبداخلها عشرات القواعد العسكرية التركية غير الشرعية؟ وكيف يمكنها الاستقلال والطائرات الحربية التركية لا تنفكّ تحوم في سماء الإقليم وتقصف قراها بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني؟ فهل يمكن لحكومة الإقليم الحفاظ على سيادته إن استطاع الاستقلال عن العراق؟

فالسياسة الخاطئة والتوقيت الخاطئ، وعدم اتّعاظ حكومة كردستان من التاريخ أوقعها في أزمة تفوق طاقاتها، وأوقعت شعبها في شرخ بينهم وبين باقي الشعوب المتعايشة معها، وأجّجت من نبرة الصراع القومي والطائفي والذي قد يتعمّق أكثر إن تحول الوضع إلى معارك مباشرة بين القوات العراقية المدعومة بالحشد الشعبي وقوات البيشمركه وحصول انتهاكات ومجازر وما شابه، الأمر الذي قد ينذر بانزلاق العراق وكردستان إلى ما آلت إليه سوريا، خاصة أن اللاعبين الإقليمين والدوليين الذين يتدخلون في هذه الأزمة هم أنفسهم من أوصلوا الوضع السوري إلى ما هو عليه.

فكان على حكومة الإقليم أن تدرك أنّ الدول المحتلة والتي حوّلت كردستان إلى مستعمرة، عمدت وعلى مدى تاريخها إلى تجاهل خلافاتها وتعزيز اتفاقياتها كلّما تعلّق الموضوع بقضية الشعب الكردي، وهذه الحقيقة تكرّرت مرّة أخرى بعد إجراء الاستفتاء في جنوب كردستان.

فبوجود الكرد والعرب والتركمان والمسيحين شكلت كركوك تنوعاً ثرياً على الصعيد الإنساني، ولا زالت كذلك، فإمّا أن تكون كركوك مثل القدس، سبباً لحروب دامية وطويلة بين العرب واليهود، ومصدراً دائماً للصراعات، أو أن تتحول إلى مدينة للحياة الديمقراطية والحرية والإدارة الذاتية للشعوب العربية والتركمانية والكردية والمسيحيين.

لكن مع الأسف، فإنّ الدولة العراقية المدعومة بالإيديولوجية الشيعية والتسلّط، والحزب الديمقراطي الكردستاني من خلال الإيديولوجية القومية المتطرفة والتسلط، وكذلك إيران وإيديولوجية الامتداد الشيعي والتسلط، والدولة التركية بسياساتها الفاشية والقومية، إمّا أن تتحوّل هذه المدينة إلى مستنقع تغرق فيه الشعوب والأديان، وتزرع بذور العداء الذي قد يستمر عشرات بل مئات السنين، أو على العكس فإنّ مبادئ الأمة الديمقراطية ستساهم في تعزيز الحياة المشتركة والحرية بين جميع الشعوب والأديان والثقافات، وتقبل الشعوب التركمانية والكردية والعربية والمسيحيين بعضهم بعضاً. ولا خيار أبداً سوى هذا البديل الثاني، وفي مواجهة جميع أشكال التعصب القومي والسلطوية فإن كركوك ستتحول إلى مدينة بإدارة ذاتية حرة تترسخ فيها الحياة الديمقراطية بين جميع الشعوب والأديان والثقافات.

يمكن القول باستحالة إيجاد حل دائم وآمن لقضايا القرن الحادي والعشرين بمعزل عن القيم الإنسانية ومبادئ الديمقراطية والحرية.، مما يعني بالتالي ضرورة الابتعاد عن جميع الذهنيات والمفاهيم العنصرية القومية، والدينية والجنسوية، والتوجه نحو الإصرار على تعزيز وترسيخ توجيهات ومبادئ الأمة الديمقراطية والحياة الحرة، والاستفادة من تجربة روجآفا والشمال السوري.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password