تكريرُ النفط في سوريا

حقي رشيد

النّفط : المادةُ التي طالما كانت تعدّ عمادَ الاقتصاد، والذي من شأنه رفع اقتصاد أيّ دولة قلَّ شأنها أو كبر. فالنفط ومشتقاته يدخلان في جميع نواحي الحياة الحالية, فبدون مشتقات النفط لا وجودَ للكهرباء ولا للصناعة ولا للنقل ولا حتى للزراعة. فالنفط هو الذهبُ الأسود كما يحبّ البعضُ أن يسميه، فلا غنى عنه لدوام الحياة واستمراريتها.

ولا يخفى على أحدٍ ممّن يراقبون عن كثب الأوضاعَ الحالية في سوريا مسألةَ أزمة المشتقات النفطية، أو حتى انعدامها إن صحّ القول.

فالمازوتُ والبنزين أصبحا عملةً نادرة في منطقة البئر النفطي لسوريا ( الجزيرة السورية )  أي منطقة شمال سوريا. فالنفط موجودٌ لكن بشكله الخام، والذي وقع في فترة ليست ببعيدة تحت سيطرة الأيادي الإرهابية. فبعد سيطرة مجاميع المسلحين على بعض الآبار في منطقة روج أفا قبل تحريرها، تم استخراج النفط الخام وبيعه للمواطنين أو تهريبه إلى تركيا لتتم معالجته هناك، والقسم المهرّب لم تتم الاستفادة منه إلا لزيادة سطوة وبطش الإرهابيين، أما القسم الذي سيطر عليه ( اشتراه) المواطنون المحليون، فقد قاموا بتصفيته (تحليله) لعناصره الأولية وذلك من خلال وضعه في مستوعبات خاصة تشبه البراميل من ناحية الشكل, ومن ثم قاموا بوضع هذه المستوعبات على عمق متر واحد في أراضي زراعية قريبة من مساكنهم الريفية، وبعدها قاموا بتسخين تلك المستوعبات لدرجة الغليان وتلقائياً يتحوّل هذا السائلُ (النفط) إلى مواد أولية هي: المازوت والبنزين والكاز. أما الغازُ فينطلق إلى الجو.

ولعلّ هذه الطريقة بدائية في التكرير، إلا أنها حلّت أزمة المحروقات لمدة لا بأسَ بها, يشارُ إلى أن مُبتكر هذه الطريقة- بحسب الأقاويل- هو مهندسٌ نفطي كان يعمل سابقاً في مصفاة حمص، وقد أرشد السكانَ المحليين لهذه الطريقة لتخفيف بعض العبء عليهم جرّاء فقدان المواد المذكورة آنفا. ولكن لكلّ شيء جانبٌ قاتم لا يُرى إلا لاحقاً،  فقد ساهمت هذه العملية من التصفية (تكرير بدائي) في العديد من حالات الحروق الخطيرة وحالات الوفاة نتيجة انفجار المستوعبات التي يتم العمل عليها، أما آثارها اللاحقة فقد بدأت ظواهرها تبدو واضحة للعيان خاصة على الأطفال والمواشي،  فالمواشي بدأت بإسقاط أجنتها دون سبب واضح لذلك, أما الأطفال فقد ظهرت عليهم عوارض أمراض تنفسية وإجهاد غير معروف.

ولعلّ الأثرَ اللاحق سوف يظهرُ جلياً في المياه الجوفية وتبعاتها على المحصول الزراعي وتشوّه الأجنة التي قد يصبح محتوماً إن استمرت العملية.

ولكن بعد تحرير قوات سوريا الديمقراطية لمناطقَ واسعة من الأراضي، فقد قلّ التكرير البدائي لمادة النفط بسبب توفر مواد البنزين والغاز والمازوت، ولكن بوادر الأزمة لا تزال مستمرة وذلك بسبب عدم قدرة الإدارة الذاتية الديمقراطية على سدّ حاجة المناطق التي تسيطر عليها من مشتقات النفط.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password