تادو- خيبا (نفرتيتي ) الأميرة الميتانية

رستم عبدو

في عام 1923م عُرض تمثالٌ نصفي من الحجر الجيري الملوّن للملكة نفرتيتي في برلين, بعد أن كان قد أُكتشف في وقتٍ سابق من قبل لودفيغ بورشارد في تل العمارنة (1).

هذا الحدثُ أثارَ جدلاً بين الحكومتين المصرية والألمانية، حيث كان الزعيمُ الألماني هتلر قد رفض عام 1933 التخلي عن التمثال لصالح الحكومة المصرية, كما أن وزيرَ الدولة الألماني للشؤون الثقافية “بيرد نويمان” اعتبرَ أنّ تمثالَ نفرتيتي تابع لمؤسسة التراث الثقافي البروسي، وهي جزء من التراث الثقافي العالمي ومعلم من معالم جزيرة المتاحف، وأنهم حصلوا عليه عام 1913 بطريقة شرعية(2), ثم تعالت أصوات بعض الباحثين وعلى رأسهم “هرمان شلوغل” الذي قال ” إن تسليمَ التمثال لمصرَ يمثل خسارة لألمانيا. ”
حتى هذه اللحظة مازال التمثالُ محفوظاً في المتحف الألماني، و تقدر قيمة تأمينه بـ 390 مليون دولار.
لتسليطِ الضوء أكثر على حياة هذه الملكة, اسمها, وأصلها, و زواجها, والدورُ الذي لعبته في الحياة العامة والسياسية والدينية, ونهايتها, وكذلك الأحداث التي كانت تجري في تلك الحقبة على الساحة الدولية, كل هذه الأمور دفعتني إلى إعداد البحث التالي.
خلالَ منتصف الألف الثاني ق.م اقتصرت الصراعاتُ الدولية في منطقة الشرق القديم على ثلاثِ قوىً عظمى، هي مصرُ وحوري- ميتاني والحثيين.
في تلك الفترة كان على الميتانيين, الذين يحكمون معظم المناطق الواقعة شمال وشمال شرق ميزوبوتاميا, والذين كانوا يتخذون من واشوكاني(3) عاصمةً لهم, مجابهة الخطر المصري.
بداية الصراع الميتاني – المصري يعودُ لزمن تحوتمس الأول(4) الذي شكل تهديداً مباشراً للإمبراطورية الميتانية في عهد شوتارنا الأول، فقد وصل الجيشُ المصري إلى نهر الفرات بالقرب من كركميش(5)، وأقام هناكَ لوحةً تذكارية (6) , ثم استمرّ الصراعُ في زمن تحوتمس الثاني، ومن ثم في زمن الملكة حتشبسوت اللذين فشلا في السيطرة على المناطق الواقعة شمال سوريا.
وتجدّدَ النشاطُ العسكري المصري ضد المناطق الخاضعة للنفوذ الميتاني في زمن تحوتمس الثالث (1490-1436) ق.م فقد تعرّضت تلك المناطقُ للتهديدات المباشرة ووصلت عددُ الحملات المصرية في سوريا إلى 17 حملة, أخفقت معظمها في تحقيق أهدافها، بالرغم من وصول الجيش المصري مرة أخرى إلى نهر الفرات وسيطرته على مدينة كركميش الميتانية ووضعه للوحة تذكارية أخرى هناك(7).
بعد استلام شاوشتاتار الحكم الميتاني، حاول هو الآخر التمدّد باتجاه المواقع الخاضعة للنفوذ المصري الواقع جنوبي سوريا بما فيها فلسطين التي كانت توجد فيها جاليات حورية كبيرة(8).
بعدها حاول الملكُ أرتاتاما الأول التفاوض مع أمنحوتب الثاني (1448-1400) ق.م الذي سار على نهج أبيه بخصوص محاولاته السيطرة على ميتاني لكن دون جدوى. اكتملت تلكَ المفاوضات في عهد تحوتمس الرابع (1400-1390) ق.م حيثُ عُقد اتفاقٌ بين الطرفين، تمّ خلالها رسم الحدود وتحديد مناطق النفوذ, وكانت حصّة مصرَ المناطقَ الواقعة شمال مصر حتى قادش(9) على ضفاف نهر العاصي ومنطقة العموريين حتى مدينة أوغاريت (10) على ساحل البحر المتوسط, بينما المناطقُ الأخرى الواقعة في الجنوب السوري بقيت تابعةً للسيطرة الميتانية (11).
ورافق هذا الاتفاقُ زواجَ الفرعون تحوتمس الرابع من ابنة الملك الميتاني أرتاتاما الأول, الأميرة والملكة القديسة موت أم أويا – وهو الاسم المصري لها – الذي طلب يدها ستّ مراتٍ، رُفض في جميعها حتى تمت الموافقة في المرة السابعة (12) لتكون بذلك الزوجة الرئيسية له(13). استمرت العلاقات الطيبة بينهم خلال حكم الملك الميتاني شوتارنا الثاني (1390-1370) ق.م الذي أهدى ابنته جيلو-خيبا للفرعون المصري أمنحوتب الثالث بعد أن طلبها الأخير ست مرات (14), رافقتها خلال مراسيم زواجها تلك حوالي 317 وصيفة من جميلات القصر الملكي الميتاني(15), وقد دوّن الفرعونُ المصري تفاصيلَ ذلك الزواج على جعْلٍ كبير الحجم، ونسخَ منه صوراً عدة، وكان الغرضُ منه أن يبقى هذا التذكار خالداً (16).
يُذكر أن أمنحوتب الثالث كان متزوجاً أيضاً من تي (والدة أخناتون ) حيث يعتقد بعض الباحثين أنها من أصول آسيوية(17) أي أن أباها ميتاني ويُدعى يويا الملقب بقائد العجلات الحربية أو قائد الخيول الملكية, الذي كان على علاقة طيبة مع الفرعون، وكان يشغل مكاناً مرموقاً في القصر الملكي(18) وأمها نوبيّة وتدعى تويا. أعلن الفرعونُ زواجه من تي، التي لا تربطها أية قرابة بالبيت الملكي, موضحاً أنها باتت الزوجة الملكية العظمى, وقد دوّن تلكَ التفاصيلَ على جعلٍ تذكاري أيضا(19).
لعبت تي دوراً مهماً على الصعيد السياسي والديني، وشاركت زوجها في القرارات وإدارة أمور الحكم، حتى وُصفت من قبل العلامة بورخارت و ويجال بأنها من أعظم نساء التاريخ المصري ذكاءً وقوةً وعزيمة(20) .
بعد أن استلمَ توشرتا الحكمَ، قام هو الآخرُ بإرسال ابنته تادو- خيبا للفرعون المصري أمنحوتب الثالث، والذي تزوجها فيما بعد ابنه أمنحوتب الرابع (أخناتون 1353-1335) ق.م لتنقطع بعد ذلك العلاقات المصرية الميتانية.
وكان قد جاءَ في إحدى مراسلات العمارنة(21) الموجّهة من ميتاني إلى مصر تفاصيل مهر إحدى العروسات الميتانيات، وهي كالتالي ” زوجٌ من الخيل ومَركبة مغشاة بالذهب والفضة ومزينة بأحجار كريمة، وطاقمٌ الخيل مزيّن بنفس الطريقة – ويظهر بعد ذلك – زوج من صِغار الجمال عليهما ثيابٌ مزركشة ومطرّزة بالذهب، وأحزمة وأغطية للرأس مطرّزة. ثم قوائم بالأحجار الكريمة وسرج للفرس مزّين بنسور من الذهب، وعقد من الذهب الخالص والجواهر، وسوار من الحديد المغشى بالذهب وخلخال من الذهب الخالص وأشياء أخرى من الذهب، وأقمشة وفضيات ومزهريات من النحاس أو البرونز، وأشياء من اليشب وأوراق من الذهب.. ويلي ذلك خمس جواهر مصنوعة من حجر ” الضوء العظيم” (لعله الماس)، مع زينات للرأس والأقدام وعدد من الأشياء البرونزية وطاقم للمركبات “.
حكم أخناتونُ مصرَ وهو ابنُ السادسة عشر ربيعاً تحت وصاية أمه الملكة تي، التي عُدت المسؤولة عن سير أمور الحكم خلال سنينه الأولى(22) ، وتزوج من الأميرة الميتانية نفرتيتي قبل استلامه الحكم, وقطع صلته بالإله أمون ودعا إلى عبادة الإله آتون (قرص الشمس ) وهي ديانة تدعو للتوحيد فكانت خطوة بمثابة الانقلاب الديني.
ترك أخناتونُ العاصمةَ طيبة معقل الإله آمون، وانتقلَ مع زوجته ومناصريه من رجال بلاطه وكبار موظفيه للعيش في عاصمته الجديدة آخت آتون (أفق آتون ) أي تل العمارنة حالياً التي بنيت لتكريس عبادة الإله الواحد ” آتون ” المتمثل في القوة الكامنة في الشمس، وذلك في السنة الثامنة من حكمه أي بعد إعلان دينه بسنتين، حيث كان قد ساهم مع زوجته في تخطيط المدينة، واحتفلا معاً بوضع حجر الأساس (23), وذلك بعيداً عن العاصمتين التقليديتين منف وطيبة.
تادو-خيبا الأميرة الميتانية التي عُرفت في مصر بـ ” نفرت ايتي ” بحسب الكتابة الهيروغليفية، وتعني الجميلة قادمة أو آتية, لقّبت بالزوجة الملكية العظمى وسيدة مصر العليا والسفلى وسيدة الأرضين والأميرة الوراثية, وهي صفة ليست تقليدية بقدر ما كانت صفة حقيقية تعني فعلاً شريكته في الحكم ووريثته فيما إذا مات (24) , قبل أن تلقب بـ نفر نفرو آتون نفرتيتي (الجميلة جمال آتون ) والتي وجدت على آلاف المدونات.
كما أن أخناتون وصفَها بـ ” مليحة المحيا, بهيجة بتاجها ذي الريشتين, تلك التي إذا ما أصغى إليها الإنسان طربَ, سيدة الرشاقة, ذات الحبّ العظيم, تلك التي يسّر ربُّ الأرضين صنعها “, كما وصفها بـ “ذات المفاتن الجميلة” و ” حلاوة الحب “, بالإضافة إلى أنها وصفت في مناسبات عدة بـ” الجديرة بالمرح, ذات الحسن, حلوة الحياة, جميلة الوجه, زائدة الجمال التي يحبها الملك, سيدة السعادة, سيدة جميع النساء ”
عُدّت نفرتيتي من أهم شخصيات عصر العمارنة، حيث وصفها العالمُ الألماني المتخصص في الآثار المصرية “هيرمان شلوغل” بأنها القوة المحركة لثورة ثقافية ( فنية ودينية ) وسياسية . اقترن اسمها غالباً باسم زوجها أخناتون على النقوش، ومثلت بوجهها معه في أغلب المناظر سواء الأسرية أو الرسمية.
بالإضافة إلى دورها كزوجة رقيقة تقدم الزهور لزوجها وتقبله على وجهه وتحيطه بذراعيها عند استقبالهم للوفود الأجنبية ودورها كأم تهتم بأولادها وتداعبهم وتخرج معهم في الرحلات (25) وتؤدي واجب الأمومة، متحررة بذلك من القيود الرسمية التقليدية السابقة, بالإضافة إلى كل هذا لعبت نفرتيتي دوراً مهما في الحياة الدينية والسياسية وكذلك في الحياة العامة، إلى جانب مشاركة زوجها في إدارة الحكم، حيث اعتنقت ديانة آتون وحرصت على اعتناقها لها، بل بدت أكثر ارتباطاً بالديانة الآتونية من زوجها، لاسيما أنها كانت تشيع بأنها هي التي وجدت الإله آتون .. فهي التي بادرت إلى تغيير اسمها إلى نفر نفرو آتون(26), و ظهرت مع أخناتون بنفس الحجم على العديد من النقوش وهي تقدم القرابين للإله آتون وتتعبده بطريقة ملكية كما في معبد الكرنك(27)، ووجد من أجلها معبد أطلق عليه ” ظل الشمس ” ليكون مخصص لعبادة الإله آتون، حيث خصّص لها أحد هياكله لتزين جدرانه بصورها ورسومها وهي تقدم الطاعة للإله آتون, كما ظهرت في ثلاثة معابد في طيبة وهي تقدم القرابين لـ آتون وحيدة بدون زوجها (28), كذلك ظهرت كحامية للموتى، وهي صفة تختص بها الآلهة فقط, كما أنها ظهرت في بعض النقوش وهي تقوم بأعمال كانت مخصصة فيه للملك فقط كـ الفرعون المحارب(29) وهي تحمل العصا أو السيف في مناظر ضرب الأعناق (30) وقيادة العربة الملكية وتوزيع الهبات على كبار الموظفين واستلام الجزية من البلاد الشمالية والبلاد الجنوبية والمشاركة في الاحتفالات التقليدية، بالإضافة إلى مشاركتها في مراسم الاحتفال بالعيد اليوبيلي ومساهمتها كذلك في الطقوس والمراسم الخاصة به (31) والتي كانت تقتصر على الفرعون الحاكم وحده دون زوجته, كما أنها الملكة الوحيدة طوال التاريخ المصري القديم التي صُمّم لأجلها تاجٌ خاصٌ بها، وهو التاجُ الأزرق الذي كانت ترتديه إلى جانب ارتدائها للتاج الأحمر.
الجدير بالذكر أنه أُقيمت لها تماثيلٌ ضخمة زيّنت العديدَ من المنشآت المدنية وعمائرها وهي تجاور الملك بالحجم ذاته وبالسوية ذاتها سواء عندما تكون جالسة على العرش أو أثناء سيرها في المواكب أو عندما تكون في حضرة الإله آتون كما في لوحات الحدود في تل العمارنة (32)، وذلك على عكس المشاهد المصرية القديمة التي كانت تصور الملك في الأمام والملكة خلفه, ناهيك عن الاختلاف في حجم الصورة التي كانت تصوّر الملكَ بأحجام أكبر من الملكة.
أنجبت نفرتيتي 6 بنات وهنّ : مريت آتون (محبة آتون )- مكت آتون – عنخ أس أن با آتون (حياة آتون )- نفر نفرو آتون – تاشرى (جميلة جميلات آتون الصغرى )- نفر نفرو رع (جميلة جميلات رع )- ستب ان رع (المختارة من رع ).
جوبهت نفرتيتي خلالَ حكم زوجها بالحقد الدفين من قبل كهنة آمون، بسبب دورها البارز في الدعوة إلى عبادة آتون وبناء المعابد المكرسة لممارسة الشعائر الخاصة به، وكذلك مشاركتها لزوجها في إدارة أمور الحكم, كما شهدت صراعات رهيبة وعاشت ظروف تعيسة لاسيما بعد موت ابنتها الأميرة مكت آتون.
بدأت المشاكل تتفاقم أكثر بين نفرتيتي وزوجها بعد زيارة الملكة تي لتل العمارنة, التي حاولت أن تثني ابنها عن تحمّسه الجارف تجاه معبوده آتون والذي سيقوده إلى متاعب كثيرة (33) الأمر الذي أدى إلى تراجع الأخير عن عقيدته (34),بينما ظلت نفرتيتي مخلصة لمبادئها وأنكرت على الملكة تي تدخلها, حتى وصلت الفجوة بينها وبين زوجها إلى حد الانفصال، حيث انتقلت نفرتيتي للعيش في إحدى القصور جنوب تل العمارنة(35).
مات أخناتون في عمر الثانية والثلاثين عاماً, و بعد موته قامت نفرتيتي بالإشراف على شؤون الدولة وحافظت على السلم والاستقرار الداخلي؛ حيث عُثر على بقايا تابوت أخناتون تظهر فيه نفرتيتي وهي واقفة بجانب التابوت كما لو كانت ملكة تحكم لوحدها (36)، وكذلك حافظت على تقاليد توارث العرش عندما قامت برعاية ابن زوجها توت عنخ آمون منذ أن كان صبياً في الخامسة من عمره وتزويجه من إحدى بناتها ومن ثم تسليمه دفة الحكم (37).
وتبقى المعلومات عن السنين التي عاشتها وموتها ومكان دفنها مجهولة حتى هذه اللحظة.

المراجع:
1- برايس, فورد: رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم. ت: رفعت السيد علي. دار العلوم-قاهرة. ط 2006.
2- حسن, سليم: موسوعة مصر القديمة. ج4. الهيئة المصرية العامة للكتاب . ط 2001.
3- حسن, سليم: موسوعة مصر القديمة. ج5. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط 1992.
4- سامسون, جوليا: نفرتيتي الجميلة التي حكمت مصر في ظل ديانة التوحيد. ت: مختار السويقي. دار المصرية اللبنانية, ط 1992.
5- سعد الله, محمد علي: الدور السياسي للملكات في مصر القديمة. منشورات كلية الآداب- اسكندرية. ط 1988.
6- فورد, دونالدريد: اخناتون ذلك الفرعون المارق. ت: بيومي قنديل. دار الوفاء- اسكندرية.
7- كريم, سيد: أخناتون. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط 1997.
8- نبيل, محمد: نفرتيتي مئة عام من المنفى. مجلة الدوحة- قطر. عـ 64, شباط 2013.
9- نور الدين, عبد الحليم: دور المرأة فيم المجتمع المصري القديم. مطبعة المجلس الأعلى للآثار-قاهرة.
10- نوفاك, ميركو: الامبراطورية الميتانية والسؤال عن الكرونولوجيا المطلقة, بعض الاعتبارات الأثرية. ت: نضال حاج درويش. موقع مدارات كردستان 02/16/2016.
11- زكية, يوسف: تاريخ مصر القديم من أفول الدولة الوسطى إلى نهاية الأسرات. قاهرة 2008.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password