المواطنة بين الأمس واليوم

عبد الباري أحمه

مدخل:

إنّ ما يشغلُ بالَ علماء الاجتماع والسياسيين في أغلب دول العالم وخاصة في آسيا وإفريقيا- بما يتعلق بحقوق المواطنة أولاً وما يترتب على الأقليات والأثنيات ثانياً- كونَ هذه الظاهرة القديمة الحديثة ما زالت تعيش في أزمتها، لأنّ المجتمعَ الدولي وبكل مؤسساته الحقوقية لم يرتقِ إلى وضع حلولٍ ميدانية لها، كون أغلب شعوب الأرض تعاني من آثارها السلبية على كافة الصُعد السياسية والاجتماعية وغيرهما كثيراً.

المجتمعُ الدولي- ومن ورائه الهيئات الدولية ومؤسسات المجتمع الدولي- لم يقفوا مكتوفَ الأيدي منذ تأسيسه وحتى الآن ولا في المستقبل أمامَ هذه الظاهرة، لأنّ أغلبَ الأنظمة السياسية في إفريقيا وآسيا تعملُ على الإخلال بحقوق المواطنة، وخاصة الأقليات. هذه الظاهرةُ وبكلّ الأحوال بحاجة إلى حلول إبداعية وعملية، لأنّ كلّ أشكال التوتر والأزمات في هاتين القارتين لم ولن تنتهي ما لم ينتهِ هذا الغبنُ بحقوق المواطنة.

المواطنةُ ليستْ وليدةَ المجتمعات الحديثة والعصرية، بل هي إشكالية تاريخية رافقت الإنسانية منذ بداياتها، وخاصة أثناء تشكيل المجتمعات الزراعية في الألف العاشر قبل الميلاد، مروراً ببناء أولى الحضارات في بلاد ما بين النهرين، ابتداءً من حضارة سومر مروراً بأكاد وآشور وميديا وفارس إلى حضارات الصين والهند والإغريق والفينيقيين وحتى الآن. وكلُّ حضارةٍ ساهمت ولو بشكل جزئي في وضع قوانين وإيديولوجيات لهذا المفهوم، وتتالت إضافات وتحديثات جديدة حتى وصلت إلى مفاهيم عصرية تتمثل في الاعتراف بوجود ثقافات متعددة ومختلفة، واحترام حقوق الآخر و دياناته المختلفة في كل دولة، وقد دعمت هذه المفاهيمُ  ترسيخَ مفهوم المواطنة العالمية، من خلال اكتساب الفرد صفتين:

الأولى وتتمثل بعالمية التحديات في طبيعتها، كعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والامتلاك الغير متساوي لتقنيات المعلومات، وانخفاض الخصوصية والتدهور البيئي وتهديد السلام.

الثانية هي معرفة وجود أمم ومجتمعات ذات ديانات وثقافات وأعراف وتقاليد ونُظم مختلفة.

ومن خلال العمل في دمج هاتين الصفتين، عمل المجتمعُ الدولي- ومن خلال مؤسساته الحقوقية- على صياغة عناصر جديدة للمواطنة، والعمل على مصطلح جديد (المواطنة العالمية) أو (المواطنة عديدة الأبعاد) وقد حدد لها أبعاداً معينة، منها:

البعد الشخصي والاجتماعي والمكاني والزماني، ودعمت بنفس الوقت المؤسسات السياسية والاجتماعية والتربوية على العمل بها من خلال تشجيع عناصر إضافية تتمثل في الإحساس بالهوية والتمتع بحقوق معينة وتبيان المسؤوليات والالتزامات والواجبات.

 

تعريف المواطنة:

مفهومُ المواطنة مشتقٌ من كلمة المدينة باليونانية، وتعني حقَّ الإنسان بالسماح له بالمشاركة في نشاطات وفعاليات وبناء وطنه، لكنّ اليونانيين(الإغريق)منحوا المواطنة للذكور الأحرار ومالكي الأراضي وأبناء الطبقات العليا، بينما استثنوا النساءَ والأطفالَ والعبيدَ من هذه الحقوق، وباللغة الإنكليزية تعرف بأنها مشتقة من مصطلح الوطن.

وهكذا بقي مفهومُ المواطنة بسيطاً وبدائياً حتى عصر التنوير، حين أكد جان جاك روسو وجون لوك وغيرهما بأنّ ما يجمع الأفرادَ هو العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة من خلال ديمقراطية تحكم بينهما، واعتبارَ القانون والدستور مرجعية للكلّ، يتساوى فيه الجميع، والمساواة تشمل نواحي الحياة كلها السياسية والأخلاقية والمدنية.

بينما نجدُ هذا التعريفَ في الموسوعة السياسية بأنها (صفة المواطن) الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن.

أمّا قاموسُ علم الاجتماع، فقد عرّف المواطنةَ بأنها مكانةٌ أو علاقة اجتماعية تقوم بين فردٍ طبيعي ومجتمع سياسي ودولة، الطرف الأول يقدّم الولاءَ والثاني يقدم الحماية.

لكنّ المواطنةَ- وبحسب دائرة المعارف البريطانية- هي:

علاقةٌ بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة، متضمنة مرتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات.

في حين نجدُ المواطنةَ، وخاصة في الدولة المدنية التي تعتبر دولة المواطنة وسيادة القانون والتي يتمتع فيها الفرد بكامل حقوقه ويؤدي واجباته وحقوقه دون تمييز بين فرد وآخر.

 

المواطنة الإنسانية

مفهومٌ إنساني يعلن فيه الفردُ انتماءه للأسرة العالمية إلى مجتمع أكبر واوسع حين يتخطى أرضَ وسماء وطنه، ويؤكد على ممارسة السلوك المشترك بين البشر عندما ينتقل من المحلّي إلى العالمي ومن الوطني إلى الدولي.

هذه المواطنةُ ليست وليدةَ سنين خلت، بل هي ثقافة تمتد إلى عمق التاريخ، وقد كانت هذه الثقافة هي الرسالة الأولى التي دعت الناسَ أن تعيش كمكون واحد وبأماكن مختلفة، ومن أولى هذه الثقافات الكونية التي أصبحت سلوكيات تجمع كل المجموعات البشرية هي ثقافة (الأم الآلهة) التي انطلقت من أعالي ميزوبوتاميا، هذه الثقافة البدئية كانت بمثابة أول وثيقة غير مؤرخة توحد الناس وتشاركهم كعائلة صغيرة في أرض محددة.

 

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 وفي عام 1948 تم الإعلان عن هذه الحقوق وتضمنت من بين هذه الحقوق، حق المواطنة، وقد نصت المادة(2) مجموعة مواثيق بهذا الخصوص، منها:

1ـ لكلّ شخصٍ الحقُّ في كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان دون تمييز بين أي نوع على أساس اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين، وهناك مواد أخرى تنصّ على عدم التمييز بسبب العقيدة. بل وأكدت بأنّ لكل شخص الحرية الكاملة في ممارسة فكره ودينه، ولا يجوز إكراه أي شخص بإضعاف هذا الجانب فيه. مما تقدم يوضّح ويؤكد لنا بأن حق المواطنة والمساواة بين المواطنين في الدولة الواحدة حق طبيعي ودستوري لكلّ فردٍ، بغضّ النظر إلى قناعاته الخاصة (الدين والقومية …. وغيرهما.)

لقد أكدت مواثيق الأمم المتحدة على الدول الأعضاء فيها أن تسنَّ قوانين تضمن هذه الحقوق (المواطنة) ولا يمكن أبداً إلغاؤها، كون هذه الوثيقة أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعتبر وثيقة تاريخية وقد صاغها ممثلون من مختلف الأوجه القانونية والثقافية من أغلب دول العالم، وقد ترجمت إلى أكثر من (500) لغة من لغات العالم، وسارعت هذه الأمم بالاعتراف والتصديق عليها، كون شعار هذه الوثيقة أكد على الحرية والمساواة والسلام، كي يبتعد الفرد أو أية مجموعة من التمرد على الدولة التي ينتمون إليها.

 

من يعمل بالوثيقة

إذا ما حاولنا أن نقرأ هذه الموادَ المتعلقة بحقّ المواطنة من هذا الميثاق- وخاصة المواد من 1 وحتى 30- نجد بأنّ أغلبَ الدول لا تعمل بها، وخاصة دول الشرق الأوسط، لأن أغلبَ هذه الدول لا تعمل بهذه المواد وتجعل من حرية الآخر الدينية والقومية فتنة وتخلف، ولا ترى ضرورة بأن الأخوة قاسم مشترك بين مكونات تلك الدولة، وقد تنسى أو تتناسى تلك الدولُ بأنّ شروطَ المواطنة تكمن في بناء أبناء الوطن الواحد وأن توفر لكل فرد حاجاته الأساسية (اليومية) وأن تعملَ الدولةُ على وحدة كافة الأفراد من الجانبين النفسي والمعنوي، وأن يكونَ القانونُ المرجعيةَ الأساسية لكلّ فرد، لأن الحقوق التي تمس المواطنة مهمة جداً ولا يمكن التنازل عنها،  منها أن يمتلك الفرد حق التنقل والإقامة وحق التفكير والتعبير، والتعليم  والعمل والرعاية الصحية بالإضافة إلى حق الترشّح والانتخاب.

كل هذه الشروط الخاصّة بحق المواطنة غيرُ متوفرة في الشرق الأوسط، وإن توفرت فهي بأقل نسبة، لأنها لو توفرت لما وجدنا هذه الدول تعيش في التخلف والجهل. لأن تحقيق شروط المواطنة تجعل من المجتمع في دولة ما تعيش حالة من الرقي في أغلب مناحي الحياة، لأن الفرد في هذه الأجواء الصحيحة يعمل على تطوير ذاته ومجتمعه، والدولة بنفس الوقت تزرع الثقة بين كل مكونات المجتمع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى توطد الثقة بينها وبين المجتمع، ونجد هذا المجتمع أكثر بعداً عن الصراعات والفتن. ومن باب التذكير نستعرض نماذج قديمة وحديثة من وثائق ودساتير بعض الدول التي تعمل على تثبيت حقوق المواطنة ومدى العمل بها:

ففي فرنسا وأثناء ثورتها عام 1789 أصدرت الجمعيةُ التأسيسية وثيقةَ حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي، والتي تضم الحقوقَ الفردية للمواطن والجماعية للأمة الفرنسية، أما في الولايات المتحدة الأمريكية وفي عام 1865 وبدعم من الرئيس أبراهام لينكولن، وبعد انتهاء الحرب الأهلية، صوّت الكونغرس على التعديل الثالث عشر والذي يقضي على العبودية في أمريكا، حيث يتساوى فيه البيضُ والسود أمام القانون أي المساواة القانونية.

 

مؤتمر فيينا 1993

أكّد هذا المؤتمرُ وبحضور أكثر من (170) دولة على التزامه وبشكل كامل على حقوق المواطنة من حريات سياسية وقانونية، وجاء هذا الالتزام تأكيداً على أحقية الحقوق الإنسانية للفرد وللأقليات، لأن دستورَ وقوانين أغلب الدول تعمل على سنّ تشريعات وقوانين تخل بحقوق المواطنة.

وقد نجدُ علاقةً جدلية بين حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق المواطنة والأقليات، ونجد هنا تطابقاً بين مواد هذا المؤتمر وبين المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد على العمل ونشر قيم العدالة والسلام والديمقراطية بين أفراد المجتمع الواحد، سواءً كانوا أقليات أو جماعات في إطار حق المواطنة.

وفي عام 1966 أقرّت الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة بإصدار وثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وبدأ العملُ بهذه الوثيقة عام 1976 وفقاً لأحكام المادة 49 من مقررات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد أقرت الدول الموقعة على هذا العهد وأكدت على (إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل وفقاً للمبادئ المعلنة، في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام في العالم)

وبذات السياق أكدت المادة (27) من الجزء الثالث من هذا العهد على (لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافاتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وأقامه شعائره أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.)

 

المواطنة في دول سيادة القانون

لقد تناولَ كثيرٌ من المفكرين والفلاسفة حقَّ المواطنة، وخاصة مع بداية عصر النهضة في أوروبا، باعتبار حق المواطنة من الأسس الأولى في بناء مجتمع مدني وديمقراطي.

جون فينيس: يؤكد بأن حقوق الإنسان هو الخير الأسمى وهدفه النهائي تحقيق ازدهار الإنسانية.

أما مونتيسكيو فقد كان دائماً هدفه نصرة الشعب، ويضيف ديدرو بل ويؤكد على إلغاء والقضاء على تجارة العبيد.

 

المواطنة وحقوق الأقليات

من خلال وثيقة العهد السياسي والاجتماعي بين الدول، نجدُ اختلافاً بين التطبيق والممارسة من دولة لأخرى تبعاً لاختلاف الأنظمة وما يمنحونه من حقوق وواجبات لهذه الأقليات التي تتباين والأنظمة السياسية بانتمائها القومي والمذهبي والثقافي والتاريخي. فبعضُ الدول لا تعمل بهذه الوثيقة تماماً إنما تلجأ إلى التمايز بين المواطنين، ولا يعتبرون المواطنة قاسماً مشتركاً بين أبناء الوطن الواحد.

فمثلاً الدستور الفرنسي يقرّ بمبدأ المواطنة ولا يعترف بمجتمع متعدد الثقافات، ولا يحق للأقليات المطالبة بمكانة مميزة في فرنسا، بل من واجبها الانخراط في الأمة الفرنسية وبشكل طوعي، ورأي آخرُ يقول: يجبُ الدفاع عن الحريات المدنية والسياسية والتنوع الثقافي ونبذ ورفض كل أشكال التمايز على أُسس العرق والدين، لأنّ الحضارةَ البشرية هي مجموعةُ تراكماتٍ ثقافية.

 

أهمية المواطنة

منذ العصر النيوليتي كان الاهتمامُ بهذا الجانب من حق الإنسان، يشغل بالَ القائمين على إدارة الجماعات والأثنيات والأقوام الصغيرة، وكانت الفكرة تمثل مرحلة عليا من حيث تأمين المأكل والمشرب والمأوى والانتماء للمجموعة. وما يلفت الانتباهَ أنّ المرأةَ هي مَن كانت تقوم على إدارة هذه الفترة من فجر التاريخ، لكن ومع بداية الحضارات الأولى للبشر في العصر البطريكي(حضارة سومر) كان الانكسارُ الجنسوي الأول لحقوق الإنسان وخاصة المرأة. انتقلت البشرية إلى مرحلة جديدة من التشكيلات الاجتماعية(فرز طبقي)، ومن ثم ظهور فلسفات وأيديولوجيات تناسب الآلهة (الإله الملك)، وسارت البشرية في مراحلَ عديدة حتى العصر الإغريقي التي عملت على تعديل  بعض المفاهيم بهذا الخصوص، ورغم ذلك بقي هذا المفهومُ ناقصاً كقيمة طبيعية وروحية للإنسان الفرد، وبدأت معالم هذه الفكرة بالظهور كحقيقة اجتماعية أثناء الثورة الفرنسية 1789 وما تبعتها من وثائق وعهود من أجل رفع سوية هذه الصفة الأساسية في الدولة.

تبقى فكرةُ المواطنة حالة اجتماعية ودستورية وسياسية، هدفها هو رفع مكانة الفرد والمجتمع الإنساني في العدل والسلام، من خلال ديمقراطية تشمل كافة شرائح وطبقات المجتمع، كي يبقى هذا المجتمعُ في وطنه كتلة واحدة ومن نسيج ملون بثقافاته وطوائفه وقومياته.

من خلال تجارب الشعوب والدول يمكن القولُ بأنْ لا مواطنةَ حقيقية ما لم تتحقق قيمُ التسامح والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، دون انتقاصٍ من قيمة أي فرد كونه مختلفاً عن الآخرين بلغته وقوميته ودينه، وكي تأخذ المواطنة أبعادها الوطنية الكاملة لا بدّ أن ينال كل مواطن كاملَ حقوقه ويقوم بكامل واجباته تجاه مجتمعه ووطنه.

 

المواطنة بين المفهوم والوعي

الانتماءُ يعني الانتساب لمجموعة ما أو دولة ما والاندماج فيه، الإنسان فردٌ يحس بالفخر والأمان فيه، وقد نجد خلافاً في الصيغة النهائية للانتماء من مفكر لآخر ومن فيلسوف لآخر.

لهذا فقد عرّف أريك فروم المواطنة بأنها (حاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته ووحدته). وإذا ما حاولنا أن نسردَ كلّ الآراء بهذا الخصوص، لوجدنا كلها تجتمع على أن الفردَ  يمكن أن يستمرَ في الحياة بدون الانتماء(المواطنة)، ولكي يستمر الإنسانُ مع المجموعة بشكل طبيعي معتمداً على نشاطه وإبداعه، لا بد أن يستوعبَ أبعاد هذا الانتماء، من خلال حصوله على هويته الثقافية التي تحقق وتؤكد على وجوده التاريخي، وهذه الهوية تعطيه دافعاً بأن يكون جزءاً من الجماعة أو المجتمع، تجمعهم التعاون المشترك والتماسك والحالة الوجدانية، وهذا ما يدفعهم إلى الالتزام بالتمسك بالمعايير القانونية والدستورية، كل هذا يولد فيما بينهم الانسجام، ولا يمكن أن يتمتعوا بالانسجام إلا من خلال توفر مناخ من الديمقراطية يوفر للفرد في ممارسة قدراته وشعوره بالتفاهم والتعاون واكتساب ثقافة النقد والنقد الذاتي.

لا يمكن أن يصبحَ الانتماءُ(المواطنة)حقيقة وثقافة اجتماعية وفردية ما لم ينطلق من الحبّ الذي يجتمع كل الأفراد عليه كي يتحقق الانتماء للمجتمع والوطن.

 

ويمكن أن نقسّم الانتماء(المواطنة) إلى نوعين:

الأول: هو الانتماء الحقيقي والذي من قوامه الوعي، وعي حقيقة الانتماء من خلال اكتساب صفة المواطنة والانتماء إلى الأرض والمجتمع وكل ما يخص الدولة.

الثاني: هو الانتماء الزائف وتسببه الدولة من خلال مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، التي تعمل على تشويه الحقائق المتعلقة بالمواطنة، وغرس هذه التشوهات في عقول المواطنين. وهذا ما يولد في نفوس قليلة من المجتمع بأنهم يتصفون بالانتماء والمواطنة دون سواهم من الأفراد (سوريا وتركيا نموذجا) لم يكن للكرد  في سوريا ومنذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن شيئاً يشبه حق المواطنة، وفي بداية الستينات من نفس القرن قلّت هذه الحقوق أكثر اقتراناً بروح الدستور والقانون الذي اعتمد على مواثيق حقوق الإنسان، لهذا بقي الكردُ أقلّ حضوراً وحظوظاً في المشهد السوري السياسي والاجتماعي(المواطنة) وقد تعرضوا للقمع والاضطهاد من خلال نضاله وتطلعاته إلى اكتساب الهوية السورية، وتعرّض الكرد لأقسى أشكال الحرمان بعد أن منعوا من تدريس أبنائهم بلغتهم الأم وعدم اعتبار لغتهم لغة رسمية في المناطق التي يشكلون فيها الأغلبية، وعدم الاعتراف بهويتهم الثقافية وحقهم في ممارسة كل التزاماتهم في المشهدين العام والخاص، لهذا يلاحظ بأن الأنظمة المتعاقبة في سوريا اعتمدت على مبدأ إيدلوجيا المواطنة، التي تؤكد على ضمان الحقوق القومية والمذهبية واللغوية التي تهم الأغلبية(السنية) وبات هذا المشهد الذي ينافي كل الأعراف والمواثيق الدولية ينتج حالة غير طبيعية بحق الكرد الذي شكلوا أكثر الضحايا  لهذه الأيديولوجية، ونتيجة ذلك تعرّضت قراهم ومدنهم  لأسماء مغايرة لأسمائها الحقيقية والتاريخية وطمس لغتهم الثقافية، وعدم الاستفادة منهم ومن مقدراتهم كونهم جزء لا يتجزأ من المكونات السورية.

وبهذا النموذج يمكن أن يصبح البعد والهوة واضحة بين أبناء الوطن الواحد، وهذه المؤسسات تنسى أو تتناسى بأن المواطنة حق لكل الأفراد، وهي الحلقة التي تعمل فيها شرائح وطبقات المجتمع دون أي اعتبار يتعلق بالانتماء القومي والديني والثقافي وغير ذلك.

 

حلولٌ لتحقيق المواطنة

أغلبُ بلدان العالم تتألف من مجموعة أعراق ومكونات مختلفة اللغات والأديان والثقافات، لكن ما الذي من الممكن أن يجمهم على كلمة واحدة وانتماء واحد رغم التباين والاختلاف!

بادئ ذي بدء لا بدّ من القول إن أولى الثقافات والفلسفات ومن ثم السياسات التي عملت وتعمل على التقاء هذه المكونات على مبدأ التعايش المشترك فيما بينها، ولا يمكن نشر هذا المفهوم، إذ لم يقترن بتجارب التاريخ وقراءات مستفيضة للفلسفة بما تخدم هذه الثقافة التي تساعد المهتمين والمفكرين ورجال السياسة على وضع حلول ناجعة لهذه الإشكالية، وخاصة إذا كان هؤلاء يعتمدون أو يصنعون دستوراً يحضن كل المكونات في بوتقة واحدة يتمتعون بالحق الطبيعي والقانوني بصفة المواطنة، بعكس السلطة التي  تمارس السلطة العنفية بتفرقة وتشتيت الفسيفساء الجميل لتحقيق مكاسبهم الآنية والضيقة ويتجاهلون حقوق وواجبات الأفراد، وربما نجد في العقد الاجتماعي الذي اتحفنا بها جان جاك بوابةً لحلّ كل الخلافات والاختلافات بين المكونات من جهة وبين بعض المكونات والسلطة من جهة أخرى، والعودة إلى الحقوق والواجبات للفرد من خلال دستور وقانون يجمع الكل على مائدة الوطن، وتمتين حالة الإخاء والمساواة والحرية الأصلية لكل مواطن.

لهذا لا يمكن لأي دولة أن تستقرَّ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ما لم تتحقق قيم المواطنة فيها ولكل المكونات والأقليات، وتتمثل هذه القيم بالمساواة بين المواطنين من حيث الواجبات والحقوق، بحيث ينال كل الأفراد وبشكل عادل على حقوق الجنسية والتعليم والعمل ومساواتهم أمام القانون والقضاء، وحق الترشح والانتخاب، كي ترتقي ثقافة الانتماء لدى الفرد في فضاء طبيعي وحرّ من الديمقراطية.

وتبقى للحرية الشخصية والجمعية في ممارسة كل المعتقدات المختلفة واحدة من أهم ما تجعل المواطنة سلوك وثقافة، وتعزز هذه الصفة حق التعبير وإبداء الرأي بدون أي إلغاء أو إقصاء، وتسمح الدولة للأفراد بتشكيل أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني بما تخدم وتناسب الحالة الاجتماعية والوطنية، وبهذا الشكل تصبح هذه الدولة متميزة عن باقي الدول، بمنح أفرادها حقَّ المواطنة بحسب المواثيق والعهود الدولية.


المراجع

1ـ الموسوعة السياسية للشباب…المواطنة.

2ـ قاموس علم الاجتماع. محمد عاطف غيث.

3ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ الأمم المتحدة 1948

4ـ مؤتمر فيينا 1993ـ صدر عن مؤتمر حقوق الإنسان.

5ـ وثيقة العهد الدولي 1966 الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

وثيقة من منشورات الأمم المتحدة.

6ـ وثيقة العهد السياسي والاجتماعي 1976

7ـ إريك فروم ـ الهروب من الحرية.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password