ورود قبيلة زبيد والعكيدات شط الفرات

جاسم الهويدي

تنتمي قبيلة العكيدات وزبيد إلى قحطان فهم عرب جنوب، وينسبون إلى زبيد الأصغر إلى سعد العشيرة إلى مذحج إلى كهلان بن سبأ إلى قحطان.

هاجرت زبيد من مأرب إلى نجران شمال غرب اليمن بسبب تهدم سد مأرب، كما هاجرت غسان ولخم وجذام وعاملة إلى بلاد الشام والعراق.

واستوطنت العكيدات جوار مدينة حايل عند بئر عقدة الذي يبعد 7كم عن المدينة، حيث الواحة الغناء وأشجار النخيل والأرض المعشوشبة والورود والزهور والربيع الدائم والجبال الشاهقة (أجأ وسلمى) وهذه الجبال كانت لجديلة من طي ثم استقرت بها قبيلة زبيد، وإثر معركة بين شمر وزبيد رحلت قبيلة زبيد إلى تيماء شمال غرب الحجاز حيث بئر هداج وأصبح السلطان جبر شيخ قبيلة زبيد وجدها حامي الحمى هناك.

وكان لجبر أخ اسمه (جبرين) وله من البنات سبع يرفضن الزواج من أبناء عمهن جبر، وذات يوم دخل جبر إلى بيت أخيه جبرين ليجده يعلم ابنته الكبيرة (موزة) القرآن الكريم، وبغضب يؤنبه ويقول: من العيب تعليم النساء، ثم يخرج.

أخذت كلمات جبر صداها في قلب جبرين، فهدم البيوت ورحل وعائلته وبناته وعبيدة، وحلاله من الإبل والغنم ليصل قرب البوكمال على شط الفرات، ويصبح نزيلًا على عشيرة (المرا) من طي وشيخها (بركات).

فمن عادات العرب إكرام النزيل، فذبحوا له ودعوه إلى الطعام وبعد فترة من الزمن جاء شيخ المرا؛ (بركات) إلى جبرين، طالبًا القربى منه على أن يزوج بناته لأولاد بركات، إلّا أن جبرين اعتذر وطلب تأجيل الموضوع لفترة من الزمن، وبعد خمس عشرة يومًا عاد الشيخ بركات وأولاده ليكرر طلب الزواج، لكن هذه المرة بالقوة أو بالرضى.

فكّر جبرين مليًّا بطلب المرا وقال: “أمهلوني أياما كي أبيع الغنم والصوف والسمن وأصنع للبنات فراشًا جيدًا، ويكون لهن عرسا لائقًا.

غادر بركات وأولاده منزل جبرين فجاءت البنات مسرعات وأحطن بأبيهن جبرين باكيات، قالت موزة: “يا أبت هلا نعود إلى ديار عمنا جبر في هداج، فنحن لا نريد هؤلاء القساة، وكيف نتزوج أولاد بركات بالقوة؟

وحينما حلّ المساء هدم جبرين بيوته، ورحل باتجاه دير الزور إلى حلب، جاء بركات وأولاده إلى جبرين، فلم يجدوه، فتبع أثره فالتقاه قبل حلب عند قرية جبرين اليوم، وجرت معركة بين زبيد يقودها جبرين, والمرا يقودهم بركات، انتهت بمقتل جبرين، فصاح الشيخ بركات على أولاده أن كل منكم يأخذ خطيبته من بنات جبرين، فأجابت ابنة جبرين؛ (موزة): “كيف لنا أن نتزوج ووالدنا ملقى على الأرض؟”

فحفر له حفرة وحمل على نعش يدعى (أبو عمران)، وأُلقي جبرين فيها ووري الثرى، ووضعت الأحجار على قبره على شكل (رجم) كما يدعوه البدو، وسيقت البنات إلى شط الفرات، وحينما وصلوا الجابرية قرب البوكمال قالت موزة لبركات: “لا نتزوج حتى يمضي حداد والدنا، فقال بركات: “كم يومًا هو الحداد ؟ أجابت موزة : أربعون يومًا”

فوضعن في خيمة يقدم لهن الطعام والشراب فيها، وعليها حرس من المرا، ولا يلتقين بأحد من الناس.

تتصف موزة بالذكاء، إذْ أحضرت ناقة أبيها، ودهنتها بالقطران كي يقال عنها جرباء، وقطعت ضفائر أخواتها السبعة، وكتبت قصيدة منها هذه الأبيات:

–           جونا المرا بوسط النزل     وحاطوا بأبوي حامي التوالي

–           أول لقوته تسعة فوارس     وآخر لقوتــــه عشرة أبطـالي

–           وصــــــالوا على أبوي      وبــــــعد العـزّ ضاق الهـوالي

وضعت موزة الضفائر والقصيدة في شملة الناقة، وحزمت على بطنها، ووشوشت بأذنها، وساقتها باتجاه عمها جبر إلى تيماء، وتركت حوارها لديها ليبقى حنينها له.

 

انطلقت الناقة واسمها (الحنية) تعبر الفيافي والصحارى، وكلّما مرت ببئر ماء تطرد، لأنها مدهونة بالقطران دلالة على الجرب فهي تعدي بمرضها الإبل ،وبقيت عطشى مدة أربع عشرة يومًا حتى وصلت بئر هداج في تيماء، فعرفها أبناء القبيلة، وأوردوها بئر هداج، فشربت حتى ارتوت، فوقعت شملتها على الأرض والقصيدة والضفائر التي أخذت للسلطان جبر، فعرف أنّ أخاه؛ جبرين قد قتل من خلال القصيدة، فصاح يا لثارات جبرين، فجهّز جيشًا عظيمًا يقوده أمراء بطون زبيد وهم (ثامر أمير الدليم – علي السالم الصهيبي أمير العكيدات ومحمد وعبيد)، وانطلقوا خلف ناقة الحنية إلى شطّ الفرات.

وصل الجيش الزبيدي شاطئ الفرات، فنظر ثامر إلى خيمة بنات جبرين، فزحف إلى الخيمة، وقتل الحرس، وجاء بالبنات الأسيرات، وهنّ فرحات بنجدتهنَّ، ومجيء عمّهن؛ جبر.

أعلن السلطان جبر أن ابنته (ردسة) للذي يقتل شيخ المرا بركات، فتأهب الفتيان جميعًا لملاقاة المرا، وقيل لعلي السالم الصهيبي بأن يبقى حاميًا لبيوت الشعر فقال: “لماذا لا أشارك في المعركة؟” فقالوا بأنه لم يخط شاربه بعد، إذ هو ما يزال في ريعان الصبا!

فتناول المشط ووضعه على لحيته حتى تفجر الدم من خده، فقيل له تأهب للمعركة فانطلق ليلاقي شيخ المرا وجها لوجه!

رمى علي الشيخ بركات بالرمح، فأداه من على الفرس، وأتمم عليه بالسيف وقطع لسانه ووضعه في جيبه!

كان عبد السلطان (سلامة) يشاهد ما حدث للشيخ بركات، وعلى غفلة من الجميع تقدم العبد سلامة من القتيل بركات، فحزّ الرأس عن الجسد وحمله في كيس معه. يقول المحامي عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق: (انتهت المعركة بانتصار قبيلة زبيد على قبيلة المرا، وقتل بركات شيخها، وفر الباقون إلى كركوك، واختلطوا مع التركمان، وشكّلوا قبيلة حديثة العهد هي البيات).

أمّا قبيلة زبيد فجمعها السلطان جبر وسأل من الذي قتل بركات؟ أجاب العبد سلامة: “أنا الذي قتل بركات!”

كانت (ردسة) بنت السلطان قريبة من خيمة الاجتماع، ومعها أخت علي السالم (غرة) تسمع جواب العبد سلامة، فقالت لغرة: “أآخذ العبد؟” لا والله لن آخذ العبد، ولن يكون زوجًا لي!

هدّأت غرة من روعها، وهي تقول: “اصبري يا ردسة، ولم تتمّم كلامها، حتى دخل علي السالم الخيمة، إذ كان متأخرًا عن اجتماع القوم، لكنه سمع كلام العبد سلامة، فوجّه كلامه إلى العبد قائلًا: “ألا تستح أيها العبد، وأنت تدّعي أنك قاتل بركات! أجاب العبد مصرًّا قائلًا: “أنا الذي قتل بركات، وهذا رأسه” ورماه في وسط الاجتماع، فذهل الناس وتعجبوا!

لكن علي السالم بادر قائلًا: “أليس لهذا الرأس لسانا ينطق، وقال قصيدة على مسمع القوم منها:

–           من فوق مهرة من سلايل حمير    حمرا شــــــبيهة شقيق النــــعمان

–           ماكولها حب الشعير الصــــافي    مقفور عن خلط الجثير الــــزوان

–           أمي تــــــــــــبرها وآني أبرها     وتــــــــموج بي موجة الثعبـــــان

–           الخــــيل تنخاني وأنا أخو غرة     لا عــــاجزن عنها ولا وجــــعان

–           الخــيل تندبني والمهر يجذبني      وأنــــــا بطيات الدرع ســـــكران

–           يشــهد علي وادي العجيج ومن     بقى الضبع والضنبوح والضربان

–           يومــــن لحقناهم بوادي شوحة     والخــــــــــيل مثل مخافق العقبان

–           نطحت بركات والوجوه عوابس   والخــــــــــــيل مثل عينة الغزلان

–           كســرت روس الرماح بصدره     لعيون ردســــــــــــة منوة الفتيان

–           ياسامعين الصوت صلوا على النبي   شــلون راس يحجي بليا لسان

تحقق السلطان من الأمر، وأرسل رسولًا إلى المرا، ثم عاد الرسول ليأتيه بالخبر اليقين أنّ بركات دفن بلا رأس ومقطوع اللسان.

فقطع رأس العبد سلامة وتزوج علي السالم بردسة بنت السلطان، ودانت أرض الفرات من ديرالزور إلى البوكمال للجبور والجحيش لفترة مئتَي سنة، وهم يسومون الناس العذاب، إذْ أصابهم الغرور والكبرياء والتجبر، حتّى قيل عنهم (أهل العنز وحامضها).

عندما يستشري الفساد والظلم في الدول والعشائر، ويصيبها الغرور والاستعلاء والتكبّر، فإنّ نهايتها تصبح وخيمة لامحالة.

نزلت العجوز العكيدية (درهبة) إلى شط الفرات، تحمل قربة الماء على رقبتها، لتملأها بالماء، فمازحها فتيان الجحيش والجبور، ولم يرق لها ذلك، فملأت القربة، ودخلت مضافة علي السالم، فنهرها الرجال بأن تسدل ثوبها، فأجابت بأنها امرأة مع نساء، ولا وجود للرجال، فالظلم الذي أصابهم بسبب تفرقهم، فدلّتهم إلى الطريقة التي تخلصهم من الظلم والاستبداد، بأن يعتمدوا بيت الشعر القائل:

–           تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا    وإن افترقن تكسرت آحادا

فأجمع العكيدات أمرهم، وتوحدوا، وكسروا القبيلتين؛ الجحيش والجبور، وأبعدوهم عن شط الفرات إلى اقليم الجزيرة، وسنجار، وتفرّقت قبيلة الجحيش في أصقاع الدنيا (في القصير والموصل ودير قانون والحسكة والشيحا والسويداء).

وهكذا توزع وادي الفرات من ديرالزور إلى البوكمال على قبيلة العكيدات وحلفائها من (البوخابور والبوليل والبوسرايا والمشاهدة وباقي الحلفاء) وإلى اليوم.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password