النظام السوري ومعارضته يتخبطان على أعتاب جنيف وسوتشي وشعوب الشمال السوري يرسون قواعد الحل الديمقراطي

لزكين إبراهيم

وسط كثرة الحديث عن قرب وضع الحرب السورية أوزارها خاصة بعد انهيار تنظيم داعش بعد سقوط عاصمته المزعومة في سوريا “مدينة الرقة” وخسارته آخر معاقله في دير الزور وريفها، لاتزال بوادر حل الأزمة السورية ضبابية.

ورغم تزاحم المؤتمرات والحوارات من سوتشي إلى سلسلة جنيف التي تعقد تحت يافطة “ايجاد حل للأزمة السورية” ولكن في حقيقتها هي من تؤجج هذه الأزمة وتعمقها أكثر بسبب عدم التوافق الدولي والإقليمي حول التقاسمات ومناطق النفوذ في سوريا، والتنافسات بين اللاعبين الدوليين في الحصول على المكاسب على حساب الشعب السوري الذي غاب بشكل شبه كلي عن المشهد ولم يعد لصوته آذان صاغية بعد أن أصمّها صوت النار والبارود، أما مطالب الحرية والسلام والديمقراطية التي خرج الشعب منتفضاً من أجلها باتت في خضم الصراعات الدولية في مهب الريح.

أما الوفود الحاضرة في تلك المؤتمرات فهي أشبه بدمى متحركة خيوطها بأيدي الدول الراعية للاجتماعات والمحادثات، فوفد المعارضة يأخذ مشورته من تركيا وبعض الدول الخليجية، وتطرح مطالبها بحسب ما يتوافق مع مصالح تلك الدول، أما النظام فقراراته من طهران وروسيا، ولا يمكنه قبول أو رفض مطلب بدون مباركتهما له.

ولكن من منهما حضر وفي جعبته مطالب الشعب السوري، أو أخذ مشورته من الشعب؟؟! أو من، من هذه الوفود تشكلت بموجب مطلب شعبي؟ والأنكى من ذلك أنه ومع وصول الطرفين إلى الجولة الثامنة من محادثات جنيف، لايزال مطالب الوفدين وصراعهما لا يتعدى الصراع على السلطة، فالمعارضة لاتزال تردد مقولتها الفقاعية “نطالب برحيل الأسد” ليستلموا هم السلطة بدلاً عنه، والنظام يعتبر هذا المطلب الخط الأحمر ولا مفاوضات بالنسبة لهم بوجود هكذا شرط، ولكن ماذا عن مشاريعهم ومخططاتهم لتخليص الشعب من هذا الجحيم، وهل الطرفان أو أحدهما مستعد للتنازل قليلاً لإيقاف نزيف الدم السوري- حتى وإن لم يمنحوا الشعب الحرية والديمقراطية والعيش الكريم؟!.

وهل لدى الطرفين أي مشروع جديد من شأنه نقل سوريا نحو السلام والديمقراطية واخراجها من مستنقع الطائفية والقوموية التي وقعت فيه؟ يبدو أن الطرفان لا يتعبان نفسيهما حتى عناء التفكير في مثل هذه الأمور حين التوجه إلى المؤتمرات والمحادثات، لأن الهم الأكبر والتركيز بالنسبة لهما هو “من سيحكم قبضته على السلطة”، ثم سيعودون إلى اسلوب الحديد والنار لإعادة الشعب إلى سراديب العبودية إن حاولوا المطالبة مرة أخرى بالحرية، فهذه سهلة بالنسبة لهما إن حصلا على صولجان السلطة.

ولو لم يكن الأمر كذلك وإن كان حقاً في نية النظام والمعارضة إيجاد حل جدي للأزمة السورية وإحلال السلام والحرية، فكيف لهما أن يرفضا حضور أكبر ثاني مكون من الشعب السوري وهم الكرد في المفاوضات، رغم ما قدموه من تضحيات في سبيل القضاء على داعش الذي كاد أن يلتهم سوريا برمتها لولا تلك المقاومة التي أبداها الكرد، بغض النظر عن أهدافهم وطموحاتهم ومن يدعمهم، ألا يكفي أنهم جعلوا من مناطق الشمال السوري ملجأ لآلاف النازحين واللاجئين من عموم سوريا وحتى العراق رغم قسوة الظروف التي تمر بها مناطقهم من حرب وحصار خانق، في حين كانت دول إقليمية تدعي دعمها للثورة السورية كتركيا تستخدم اللاجئين كصفقات تجارية وتقبض المليارات على دمائهم، ألا يكفي أنهم لم يدخلوا مستنقع الطائفية والقوموية والعنصرية المقيتة التي أهلكت باقي الشعب السوري، ألا يكفي أنهم الوحيدون خلال الثورة السورية طرحوا مشروعاً واضحاً وطبقوه على أرض الواقع وأثبت لحد كبير نجاحه في احلال السلام والاستقرار والتآخي بين الشعوب؟ فلماذا يختلف النظام والمعارضة على كل الأمور والأمر الوحيد الذي يتفقان عليه هو تهميش دور الشعب الكردي ومشاريعه الديمقراطية الداعية لأخوة الشعوب والعيش المشترك؟.

يمكننا الجزم إذا أن التوافق على الأمر الأخير هو عدم رغبة الطرفين حضور الكرد الذين حتماً سيطرحون في تلك الاجتماعات مشاريعهم وتجربتهم التي ستضع الطرفين المتصارعين على السلطة في مواقف محرجة، لأنهما غير مستعدان للتنازل عن السلطة مقابل السلام والديمقراطية والحرية، فهذه الأخيرة والسلطة عدوان لدودان ولا يمكنهما العيش معاً، لذا يدرك الطرفان أن أي منهما إن طالب بالحرية والديمقراطية بجدية و- ليست مجرد شعارات يتسترون بها-، سيتوجب عليه التخلي عن فكرة الحصول على السلطة، لذا يفضلان التركيز على التمسك بالسلطة على أن تنعم سوريا وشعوبها بالحرية، ولا مشكلة لديهما في استمرار مستنقع الدم.

على العموم لم يعد الكرد يولون الأهمية الكبيرة لموضوع حضورهم المفاوضات أو لأ، لأنهم اساساً يطبقون مشاريعهم على أرض الواقع ولا ينتظرون أن يتصدق “جنيف أو سوتشي” عليهم ببعض الامتيازات، بل تعدى الكرد مسألة المطالبة بالحقوق الكردية وباتوا يطالبون بحرية كافة الشعوب المتعايشة معهم في الشمال السوري، مدركين أن الحرية لا تتجزأ ولا يمكن إلباسها لشعب دون أخر وهما يعيشان على نفس البقعة الجغرافية، لذا نرى أن شراكة الكرد بمشاريعهم من الإدارة الذاتية ووصولاً إلى نظام الفيدرالية الديمقراطية مع كافة المكونات والشعوب في الشمال السوري أعطا مشروعهم القوة والشرعية الشعبية، وهاهم الآن يستعدون لخوض انتخابات المجالس المحلية للفيدرالية في أقاليمهم ويخلقون الحلول بأنفسهم ولا يتخبطون على أعتاب مسلسلات المؤتمرات والمحادثات الدولية على غرار المعارضة والنظام ليفصِّلوا لهم مشاريع قد لا يمكن إلباسها لموزاييك شعوب المنطقة، والتي على الأغلب لن تكون بمعزل عن تمرير مصالح تلك الدول الراعية لتلك الاجتماعات، وهذا ما لن يجلب الاستقرار والسلام مالم يبنى الحل بتوافق الشعب السوري أنفسهم.

إنّ مناطق «فيدرالية شمال سوريا» تستعد للمرحلة الثانية من الانتخابات المحلية، التي ستجرى في 1 ديسمبر (كانون الأول)، في إطار عملية تفضي إلى تشكيل «مجلس الشعوب الديمقراطية» ليكون بمثابة برلمان محلي بداية عام 2018.

هذه الانتخابات تأتي في مرحلتها الثانية لاختيار ممثلي جميع مكونات مناطق الشمال السوري لتأسيس مجالس الإدارات المحلية، التي تتألف بحسب التقسيمات الإدارية لنظام الفيدرالية من مجالس البلديات والنواحي ومجلس المقاطعة.

وسيشارك في المرحلة الثانية من الانتخابات أكثر من 30 حزباً وكياناً عربياً ومسيحياً وكردياً، تتنافس على رئاسة مجالس البلدية والمدينة، حيث أجرت مناطق شمال سوريا المرحلة الأولى من الانتخابات في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، واختار الناخبون رؤساء نحو 3700 من مجالس الأحياء والوحدات الصغيرة.

ويعملون بموجب مشروع الفيدرالية وفق مبدأ المناصفة بين الرجل والمرأة في كل المجالس المنتخبة، إلى جانب العمل على تطوير دور الشباب وإعطائهم حصة (كوتة) انتخابية، وإفساح المجال لهم للعب الأدوار الحقيقية في التغيير والتحول الديمقراطي، بينما الاستبداد والإرهاب يشتركان في تهميش هذه الفئات.

وهذه الانتخابات لا تخص كرد سوريا وحدهم؛ بل تشمل جميع مكونات المجتمع من عرب وسريان وأرمن وتركمان، إذا (فيدرالية شمال سوريا) هي المشهد الصحيح الأكثر تنظيماً في الفوضى التي تعيشها البلاد. وهي حالياً تنال فرصتها في النجاح بعد اجتيازها أهم المصاعب والعقبات.

إذا شعوب الشمال السوري اليوم يقدمون مشروع حل للحفاظ على وحدة سوريا، تنطلق في ذلك من فشل خيار الدولة القومية في سوريا وعموم دول الشرق الأوسط؛ فالقضية الكردية قضية شعب وحقيقة تاريخية، ويعتبرها الكرد اليوم مفتاحا أساسيا تفضي إلى ديمقراطية الشرق الأوسط.

وبعد ذلك ليبقى النظام ومعارضته يمثلان في مسلسلات الاجتماعات الدولية بدور لايتعدى الكومبارس في وقت وجدت شعوب الشمال السوري طريقها لإرساء دعائم الحرية والديمقراطية والسلام وأخوة الشعوب بتوحدها وتوافقها على الفيدرالية التي يرون فيها الضمانة لحفظ حقوق وواجبات متساوية للجميع، تغنيهم عن انتظار نتائج الاجتماعات الدولية التي قد ترفع سيف ظالم عن رقابهم وتستبدلها بسكين ظالم آخر.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password