نصف المجتمع المرأة

جاسم الهويدي

المرأة نصف المجتمع، ولا رجل بلا امرأة، فهي اللبنة الأولى لصروح المجتمعات، وبدونها تنهار المجتمعات لامحالة !.

إن تعلّمت عمّرت وتحضرت وعظمت وتميّز مجتمعها، وأصبح موازياً للحضارة، ويماشي ويساير التقدّم، ويتصف بالبناء الراسخ الدائم العامر.

وإن ظلمت واستعبدت ولم تتعلّم أو تتثقف، فالمجتمع في حالة تردٍّ وانقسام وانهيار وضعف وجهل.

إن تحققت المساواة بين الرجل والمرأة تقلّصت سلطة الرجل، وتحقّق الخلاص من التبعية له، فتضعف غطرسته وعنجهيته ويتحقق العدل الكامل.

وأساس العلاقة بين الرجل والمرأة الحب والودّ والرأفة والحنان، وكل القيم الإنسانية الرائعة، وما أجمل القرآن! حين يورد (هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ).

إنّ العلاقة بين الرجل والمرأة متبادلة متماثلة، ليس فيها قويٌّ أو ضعيف وليس فيها سيد ومسود، بل حنو واحترام لا إساءة ولا اضطهاد.

إنّ تعبير المودّة بين الزوجين يحمل في حروفه منتهى الرِّقة والإنسانية، وفي تاريخ الأمم السابقة رواياتٌ وقصص وحوادث حول المرأة، فمنهم من باعها واشتراها عبدة وأمَة، ومنهم من رفعها على العرش فأصبحت ملكة لها، احترامها وقدسيتها، ومنهم من جعلها متاعاً، فأهانها وأضعف من شأنها.

تقول مدام أفريل: (إن المجمع المسكوني سنة 581 م كان يبحث فيما إذا  كان للمرأة روح، وفيما إذا كانت من جملة البشر، وكانت تقيم على أنها مشعل الشيطان أو باب جهنم).

وعبر التاريخ تتجاذب قضية المرأة تيارات فكرية عديدة؛ منها ديني ومنها سياسي سلطوي فيرتفع شأن المرأة وتعلو مكانتها في مسيرة الحياة، حينما تستعيد حقوقها وتكتمل قدراتها في مجال الإبداع لتوازي الرجل وتحتل مكانها الطبيعي في المجتمع.

فالمرأة هي الركيزة الأساسية في الأسرة والمجتمع لأنها تشكل نصف المجتمع، وتعد نصفه الآخر وبصلاحها وثقافتها العالية يتم صلاح الأسرة، فيصلح المجتمع ويعمّ خير الوطن, وبجهلها تشقى الأسرة فيشقى المجتمع ويتراجع ويضعف ويقهر.

ولإصلاح حال المرأة وفر لها نهج التصحيح فرص التأهيل والتدريب والعلم والعمل في أجواء إنسانية وديموقراطية عادلة.

المرأة وفر لها نهج التصحيح فرص التأهيل والتدريب والعلم والعمل في أجواء إنسانية وديموقراطية عادلة.

إنّ ما دعت إليه العالمة الفرنسية؛ سيمون دي بوفوار في كتابها؛ (الجنس الآخر) أصبح بديهياً وأصبحت المرأة جنساً آخر، وليس جنساً أدنى، وهي تعمل بكامل عقلها، وإن لم يكن ذلك صحيحاً لما تحمّلت أعباء رسالتها الإنسانية، ولبقيت ثابتة في المكان، ومسمّرة في حالتها الأولى تريح وتستريح، لكنّ قدسية الرسالة فرضت حقيقة حتمية مفادها؛ ألّا حياة من دون المرأة، ولا تقدّم ولا رخاء يرجى منه؛ ما لم تأخذ المرأة طريقها القويم في دورة الحياة التي تتلاءم مع معطيات العصر والحضارة.

إنّ العالم يتغيّر بصورة مستمرة، فلنتأمّل ولننظر بعقل واعٍ لما يجري من حولنا.

إنّ كل امرأة تملك في داخلها مواصفات ومؤهلات مبدعة بالفطرة إذا ما أتيحت لها فرصة الانطلاق في أجواء نورانية حديثة.

إنّ كثيراً من النساء متفوّقات ومبدعات وحكيمات، ويمتلكنَ العقل المنير

المخترع, وظهرت أسماء كثيرة عبر التاريخ لأولئك النسوة المتميزات بالعطاء والبناء والحكمة، وعندما يتوفّر أدنى قدر من الديموقراطية نلاحظ انطلاقة المرأة.

وأقول على المرأة في الشرق أن تضع أمام عينيها ما تريد الوصول إليه، وعليها أن تتعامل مع الواقع بذكاء وحنكة وحذر، وعليها أن تبذل قصارى جهدها نفسها بنفسها، وألّا تنتظر مساعدات من أي نظام ديموقراطي أو ديكتاتوري, لكن لابد للمرأة من أن تجد قاسما مشتركاً مع الرجل لمعالجة المعوقات التي تعرقل تقدم المرأة، وتسلّمها مناصب القيادات والمسؤوليات العالية، لأنّ مساندة الرجل للمرأة ضرورية، حيث مازال الرجال وعبر التاريخ يشغلون مواقع السلطة في المجتمعات وبشتى أنحاء العالم، ويجب أن يفهم الرجال أن المكاسب التي تتحقق للمرأة تعود بالفائدة على المجتمع برمته وكله.

وللعلم دور بارز في نهوض المجتمعات وتغييرها نحو الأفضل إن درست وتعلمت، فالمرأة نصف المجتمع، وحينما تتعلم وتتثقف فإنّها تقضي على الفقر والتنمية أكثر من تعليم الرجل.

للعلم أن أول امرأة نادت بالمساواة بين الرجل والمرأة وعبرت أجواء الفضاء والمحيطات هي امرأة أميركية من أصل سوري اسمها (إميليا تشارلز)،  وكانت تقول لزوجها: أعرف جيداً أنّك ستُلام إن لم أوفق في مهمّتي، لكن هذه مسؤولياتي في كل الأحوال، وقد سجلت الرقم القياسي في طلعات الطيران التي لم يصلها أحد حتى الآن، وقالت على المرأة أن تحدّد الأهداف التي تريد.

تختلف المرأة عن الأخرى باختلاف ثقافتها، وفي جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعملية، فالمثقفة نظرتها ثاقبة، تعرف كيف تضع النقاط على الحروف؟ وتعرف كيف تسير؟ ومن أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ وما النتائج؟

حكيمة هي المثقفة تسير على نور ساطع، ومن المؤكّد أنها ستكون ناجحة في حياتها، ولها الذراع الأطول في تغيير المجتمع نحو الأفضل.

أمّا المرأة الجاهلة فهي عِلّة وعالة على المجتمع، تأخذ ولا تعطي، تمنع ولا ترفع، تساعد في تأخُّر المجتمع، وتجرُّه إلى الخلف مسافاتٍ طويلة.

إنّ الذين فهِموا قيم التراث الروحي فهماً خاطئاً فإنهم أشدُّ من الجهل على المجتمع، بل هم كالسيوف البتّارة على نهج التقدم والرفعة والحضارة.

إنّ الرسالات السماوية جميعها خاطبت المرأة والرجل على حد سواء.

ونجد صوراً عظيمة لمشاركة المرأة الرجل في مواقف حياتية كثيرة، وخاصة في الحروب، فهي ممرّضة وطبيبة تداوي الجرحى، تحثّ الرجال على إبراز الشجاعة للانتصار على العدو في الحروب، وتحمل عمود الخيمة، وتضرب به الرجال المنهزمين أو المتراجعين والفارين من وطيس المعركة, إنها تمتلك الشجاعة فتجدها تركب الخيل وتقاتل جنباً إلى جنب مع الرجال في مشاهد كثيرة أيام حروب الإسلام الأولى.

ونراها في بلاد ما بين النهرين شاعرة وملكة ومحاربة من الطراز الأول، متعاونة مع زوجها وأخيها وأبيها، مثمرة في مجتمعها وفي مجالات الحياة كافة، وخاصة الحياة الزراعية .

وها هي اليوم تكسر القيود والحواجز، وتغيّر المفاهيم التي كانت سائدة لفتر ة من الزمن، وتنطلق تحمل السلاح بكل أنواعه، وتقاتل الأعداء، وتحرّر البلاد، إنني أقف إجلالاً وإكباراً، بل منذهلاً لما يجري في إقليم الجزيرة، ولما تفعله الرفيقة نسرين وشيرين وأفين…

صدّق أو لا تصدق، وقصص الانتصارات في الرقة ودير الزور وكوباني  كثيرة،  والمآثر عظيمة، وسيسجل التاريخ لهؤلاء الفتيات سطوراً لا تُنسى، وصفحات ناصعة في تحرير البلاد، ورد الظلم عن العباد.

فنسرين وشيرين وكلناز… هن بنات أولئك النسوة الكبار اللواتي أعطين وضحين بالغالي والنفيس وأثمر عطاؤهن ونضج اليوم ليقطفه الأبناء ويحافظوا على استمراريته على مدى الأيام.

هل سمعتم عن سعاد الرمضان الخالدي زوجة عبدالرزاق الحنيش؟

ولد لها عشرة من الأولاد، وماتوا جميعاً وولد لها ولدان، بعدهم حسان  وحنيش، اللذان احترقا في سينما عامودا، فأيّ صبر تملك هذه المرأة المفجوعة المثكولة بأبنائها الاثني عشر، أمّا زوجها عبد الرزاق فكان يجيد العتابا، وكان بارعاً فيها، وحين فاجعة عامودا قال:

أنا ال ضيعت بكري وثنواي

ما أضن الضيعوا ربعي لقاه

رقيت براس كوكب ودعوني

غريب وبالقرايا ودعوني

عميت وما شفت ضعن الحباب

إنّ تعاون الرجل مع المرأة يخلق الأعاجيب، ولنا في روشن بنت صالح بدرخان زوجة جلادت عالي بدرخان خير مثال، حيث قدم الاثنان متعاونان خدمات كثيرة ومهمة للثقافة الكردية، فروشن علمت في اللاييك وفي الكرك بالأردن، ثم مذيعة لبرامج الأطفال في إذاعة دمشق، وانضمت روشن إلى اتحاد نساء سوريا عام 1934 م، وتقول عن زوجها: (لم يكن بالنسبة لي زوجا فحسب، بل أباً رائعاً ومعلماً ومربيّاً) أنشأت جمعية المعرفة والتعاون الكردي في حلب عام 1956م.

قالت يوماً وهي على فراش الموت لشاب كردي هو دلاور زنكي: يا بني عندما كنا كبارا، كنتم أنتم صغاراً، واليوم أنتم كبرتم، ولكن وللأسف نحن انتهينا، يا بني فلتحبّوا بعضكم البعض، ولتساعدوا وتتساعدوا وتتضامنوا ولا تتفرقوا …

أقول أعطني اتحادا للأكراد … لأعطيك كردستان حرة!!

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password