محاولات داعش المستميتة للقضاء على التاريخ

رائد الوراق

تلعب المتاحف كغيرها من المواقع الأثرية دورًا مهمًّا في التعريف عن حضارات المنطقة, من خلال ما تمثله من أهمية كبيرة في عرض مختلف جوانب الحياة الموجودة في الرقة، والتعريف بطبيعة التركيبة الجيولوجية التي مرّت بها المدينة, من أجل هذا بنيت ووجدت المتاحف في جميع بقاع الأرض.

أمّا المراكز الثقافية فهي لا تقلّ شأنًا عن المتاحف, المراكز الثقافية هي كلمة تحمل أكثر من معنى، فهي قادرة على النهوض بالمجتمع من مرحلة إلى أخرى, ومن عصر إلى آخر, وهي تنير العقول المظلمة الجاهلة, حتى يستطيع الإنسان من خلالها أن يدرك حقيقة الأمور.

وفي ضل الأزمة التي تمرّ بها سوريا منذ عام 2011، وحتى وقتنا الحاضر, تعرّضت الكثير من المراكز الثقافية والمتاحف وحتى المرافق الأثرية, للتدمير والسرقة, وخاصة في مدينة الرقة، فعند قدوم التحرير من قبل ما يسمى “بالجيش السوري الحر” تعرّض المتحف الأثري في مدينة الرقة للسرقة والتخريب, حيث كان يحتوي على الكثير من القطع الأثرية التي تعرف بتاريخ المنطقة والفرات بشكل عام, ومن أهمها (آثار الرقة العباسية أو توتول الرقة وأيضًا جزء من نصب يحمل رسومًا نافرة لرجلين مسلحين تتقدمهما نسوة يحملن قرابين، ومجموعة كبيرة من الرقيمات المسمارية) نصفها تعرض للسرقة, أمّا النصف الأكبر كان من نصيب تنظيم داعش الإرهابي.

المنحوتات الأثرية في أعين شيوخ تنظيم داعش هي أوثان يستخدمها زوار المتاحف والمواقع الأثرية لممارسة طقوس العبادة, من هذا المنطلق أقدم تنظيم داعش على تكسير جميع المنحوتات في كل من متحف الرقة والطبقة, لكن ليس جميع “الأوثان” كما تسمى بلغة التنظيم فبعضها صغير ويسهل تهريبه وبيعه بحجة التنظيم السري الذي تمّ الترويج له من قبل عناصره، ليقوموا بشراء السلاح لمحاربة الكفر, ولم تقتصر عملية السطو والتخريب فقط على المتحف، بل شملت أيضًا نصب الأسدين الشامخين على مدخل حديقة الرشيد الذين يعود إلى الفترة الآشورية، حيث تم اكتشافهما في قرية أرسلان طاش (شيران) وسط سهل سروج شمالي الجزيرة السورية بالقرب من كوباني على الحدود السورية التركية, وقد نقل التمثالان إلى مدينة الرقة في ثمانينات القرن الماضي, وقد تمت عملية هدم هؤلاء العملاقان بجرافة، ثم تكسيرهما والتكبير فوقهم, هذا ما حصل أمام أعين (عبد الكريم الجاسم) والكثير من أبناء مدينة الرقة بتاريخ 29/4/2014 أبكت عملية التدمير هذه سكان مدينة الرقة، لأنها كانت تشكل الكثير بالنسبة لهم، فهي على مدخل أهم الحدائق وسط مدينة الرقة؛ حديقة الرشيد.

مدينة الرقة القديمة ذات سور تاريخي يحيط بها، حيث بني في العصر العباسي, حيث أمر آنذاك الخليفة المنصور عام 772, ببناء مدينة تشبه مدينة بغداد وهي الرقة القديمة, وتمّت أحاطتها بسور يشبه سور بغداد, إلّا أن ضرورات الموقع حالت دون بناء سور مزدوج من ناحية النهر, بل أستيعض عن ذلك ببناء أبراج ضخمة، أما بقية السور فكان على شكل نعل فرس اكتمل بناؤه, وله بابان؛ غربي وشرقي، لازالت معالمه موجودة، وهو باب بغداد.

هذا الأمر لم يعجب تنظيم داعش, فأقدم التنظيم على هدم جزء من السور التاريخي, بحجة فتح وتوسعة الطرق أمام الشاحنات “خدمة للمسلمين” كما أدعى التنظيم, وخلال المعارك التي دارت بين التنظيم الارهابي وقوات قسد, تبين للجميع عن إقدام التنظيم على هدم جزء من سور الرقة, لأغراض عسكرية, كي يفتح طريقًا مباشرة نحو قلب المدينة, كما أشار أحد عناصر قوات قسد الذين شاركوا خلال معارك تحرير مدينة الرقة.

ليست فقط القطع الأثرية والمتاحف تعرضت للسرقة والتخريب بل طالت يد التنظيم لتصل إلى المراكز الثقافية في مدينة الرقة والطبقة, ففي الرقة تمّت عملية حرق جماعية للمكتبة الضخمة التي كانت يحتويها المركز الثقافي، وعددها قرابة ال35000 كتاب, حيث بني المركز الثقافي في الرقة عام 1960, ويوجد فيه مسرح يتّسع لـ560 شخص, لم يكتفِ التنظيم فقط بحرق المكتبة، بل تمّ تحويل المركز الثقافي دارًا للنساء الجهاديات اللاتي أتين من خارج الأراضي السورية للالتحاق بالتنظيم, وقد تعرض للقصف الجوي، وتم تدميره بشكل كامل, أمّا مركز مدينة الطبقة الثقافي فقد وضع الحجر الأساس الأول فيه عام 1979م، وأيضا بني فيه أكبر مسرح حديث في سوريا عام 1982، وافتتح عام 1983, حيث كان يحتوي على الكثير من الكتب، وكانت تُقدّم فيه ندوات ثقافية, ومهرجانات شعبية, والكثير من الحفلات, حوله تنظيم داعش خلال فترة حكمه إلى قسمين؛ الأوّل سجن، والثاني مستودعًا للسلاح, وهذا ما أكده (عبد اللطيف الجميل) من أبناء مدينة الطبقة, لقد تعرّض المركز لعدّة غارات في محيطه، ممّا أدّى إلى تدميره بشكل جزئيّ, وبعد تحرير المدينة على يد قوات قسد تحول المركز الثقافي إلى ملجأ إيواء للكثير من النازحين القادمين من مناطق الصراع, ممّا أدّى إلى إيقاف عملية ترميمه من قبل لجنة الثقافة والفن.

وتأكيدًا على زعم التنظيم تدمير التاريخ في المنطقة, شهدت منطقة تل أبيض الحدودية مع تركية هجمة شرسة لعناصر التنظيم مستهدفين المركز الثقافي فيها.

إنّ محو الوجود الحضاري هذا ما أراد تنظيم داعش الوصول إليه, ووضع بدل منه الحضارة التي كان يحاول بناءها، وتصديرها للعالم أجمع، وهي حضارة الترهيب والقتل وسفك الدماء.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password