من التحول العسكري إلى إرساء الاستقرار

نورالدين عمر

ذكر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس يوم الجمعة أنّه يتوقع زيادة عدد المدنيين الأمريكيين في سوريا وبينهم متعاقدون ودبلوماسيون، و قال: “ما سنقوم به هو التحول مما أسميه بنهج الهجوم… لاستعادة الأراضي إلى إرساء الاستقرار. وسترون المزيد من الدبلوماسيين الأمريكيين على الأرض“. وأضاف “عندما تستقدم مزيدًا من الدبلوماسيين فسيعملون على إعادة الخدمات واستقدام المتعاقدين.. هناك أموال دولية ينبغي إدارتها بحيث تثمر عن شيء ما، ولا ينتهي بها الأمر في جيوب الأشخاص الخطأ“. وذكر أنّ المتعاقدين والدبلوماسيين سيعملون على تدريب القوات المحلية على إزالة العبوات الناسفة بدائية الصنع والسيطرة على الأراضي لضمان عدم عودة تنظيم داعش.”

هذا التصريح ليس الأول لمسؤول أميركي يؤكد بقاء القوات الأمريكية في سوريا، لكن هي المرة الأولى التي يقول فيها مسؤول أمريكي إنه ستكون هناك زيادة في عدد الدبلوماسيين في المناطق التي جرت استعادتها من الدولة الإسلامية، أي زيادة في عدد الدبلوماسيين في شمال سوريا، وهذا التصريح يرسم ملامح مرحلة جدبدة من العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ومناطق شمال سوريا،  و التي تشكل أكثر من 27%من الجغرافية السورية، والتي تحميها حاليًا قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر حاليًا أقوى قوة عسكرية في سوريا، حيث يتجاوز عدد مقاتليها عشرات الآلاف من كل المكونات، و تضم عدّة فصائل و وحدات ومجالس عسكرية منضبطة و تخضع لقيادة موحدة.

عام 2017 كان عام التحول العسكري في موازين القوى، حيث ذكرت تقارير و مصادر عديدة، و منها المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ قوات النظام باتت تسيطر على أكثر من 55% من الأراضي السورية، فيما تقدّمت قوات سوريا الديمقراطية، وأحكمت سيطرتها على 27.4% بمساحة 50640 كلم مربع، فيما تراجعت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد أن خسر 89722 كلم مربع، وبات يحكم سيطرته فقط على 3% من الجغرافيا السورية، و باتت الفصائل الأخرى بمجملها من إسلامية ومقاتلة وهيئة تحرير الشام؛ (جبهة النصرة سابقًا) وأخرى مدعومة من التحالف وفصائل “درع الفرات” تحكم سيطرتها على 13.7% من الأراضي السورية فقط.

و يبدو أنّ التحول العسكري في موازين القوى خلال عام 2017 ستفتح مرحلة جديدة في التحول السياسي لصالح القوة التي حاولت دول إقليمية تهميشها، وإبعادها عن المسارات السياسية لأغراض و غايات سياسية تخص تلك الدول.

 

زيادة عدد المدنيين الأميركيين في سوريا و بينهم المتعاقدين و الدبلوماسيين كما أكد  الجنرال المتعاقد و الذي يملك خبرات عسكرية وخاصة في العراق و أفغانستان جيمس ماتيس تعني:

أولًا – إنّ إدارة دونالد ترامب ستساهم في إعادة الإعمار في المناطق التي تم تحريرها من تنظيم داعش، وستقدم الخدمات والمساعدات اللوجستية للمجالس المدنية، وبشكل خاص في مناطق الرقة وديرالزور ومنبج.

 

ثانيًا- ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية مع المجالس المدنية والهيئات واللجان التي تسير أمور المناطق المحررة، وتقدّم لها الدعم السياسي، وتطوّر العلاقات السياسية معها لإرساء الاستقرار، والعمل على استقدام المتعاقدين، وخلق ثقة لدى المكونات التي تحرّرت حديثًا من إرهاب داعش.

 

ثالثًا -و في إطار التحول من نهج الهجوم إلى إرساء الاستقرار ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية، و عبر قواتها المتوجدة في سوريا و التي يبلغ عددها حوالي 2000 جندي بتقديم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية، و قوات الأمن الداخلي والمجلس المدني للرقة، للسيطرة على الأرض، وتحصين الدفاعات التي تمنع التنظيم المتطرف من شن أي هجوم مفاجئ، وتدريب القوات المحلية بمختلف تشكيلاتها العسكرية.

 

رابعًا- وربما الأهم هو حماية المناطق من أي هجوم قد يتعرض له من قبل النظام السوري و حلفائه. وقد حذّر ماتيس النظام السوري من تجاوز الخط الفاصل المتفق عليه.

 

لكن مهما يكن فإنّ قوات سوريا الديمقراطية تملك اليوم من القوة ما يمكنها حماية مناطق شمال سوريا بما فيها المناطق المحررة حديثًا، و هي لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي، بل هي مستمرة في تطوير كافة التشكيلات العسكرية  والأمنية، و هي تملك اليوم ترسانة من الأسلحة و العتاد، و عشرات الآلاف من المقاتلين و المقاتلات،و تتمتع بدعم جماهيري و شعبي من كافة المكونات. ولذلك فإن كافة التهديدات من النظام السوري أو من النظام الإيراني و التركي لن تمنع قوات سوريا الديمقراطية من الاستمرار في إرساء الاستقرار و الأمن في مناطق شمال سوريا، ومع تأكيدات المسؤولين الأميركيين بدعم قوات سوريا الديمقراطية فإنّ الإدارة الذاتية وهيئات الفيدرالية في شمال سوريا ستكون إحدى الأطراف الأساسية في حل الأزمة السورية. ولا يمكن تحقيق أيّ حل واقعي عبر محاولات تهميشها من بعض الأطراف الإقليمية التي لها غايات و أطماع ليست خفية على أحد.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password