روافد الصورة الفراتية، ومكوناتها/الوطن

طارق علوان

يحتلُّ الوطن في قلوب الفراتيين المنزلة الأولى؛ فقد سكن تحت جوانحهم، وتأصَّلَ في ذواتهم، وتوثقت عرى محبته في أفئدتهم، وتعزَّزت وشائح عشقه في صدورهم إِنْ أَلمَّ به مكروه، تبَّددت نفوسهم شعاعاً وإن غادروه لسبب أو لآخر، ذابت أكبادهم حَسْرَةً ولوعة، واكتوت مهجهم حنيناً وشوقاً.

أحبُّوا أرضه، وعشقوا سماءَه، وحاكوا من مشاعرهم نحوه شعراً عَذْبَ النغمات؛ يروي قصة هذا الحب، ويُخلَّدُ تلك العلاقة الأبدية.

هذا الفراتي محمد عطا الله – المُعَنىَّ الذي ذابت حشاشته حنيناً – يُحَدَّثنا عن حُبَّهِ لوطنه ومسقط رأسه، وشوقه إليه، مادحاً أهله ومُشيداً بشمائلهم من جود ونبل وشجاعة، مُتَمنَّيِاً أن يخطى بمواصلة وطنه قبل أن تُنْزَعَ روحُه مِنْ جَسَدِه يقول:

الله في قلب مَنْ ذابت حُشَاشتُهُ                   عليك يا قُرَّةَ العينين يا سكني

أنا المُعَنَّى، فهل لي من مُواصلةٍ         أخطى بها قبل نَزْع الروح مْنِ بدني

هَبَّتْ مِنَ الزَّورِ ريحٌ نَشْرُها عبقٌ        في طيَّ أردانِها المنشور عنَ وطني

طال اشتياقي إلى ربعَ عَهِدْتُ به         قبلَ اغترابي وجوهاً نضرة السَّننِ

إِنْ أنجبوا أُسْداً مؤللةً                    أظفارها عدّة للحادث الخشن (1)

(1) من ديوان محمد الفراتي – مطبعة بابيل أخوان – دمشق – عام 1931 – ص 10

وها هو في موضع آخر يهيج شوقًه نوحُ حمامة، يزيده سجعُها حَسْرةً وكمداً ولوعةً، لها تِسَاع البَون الذي يفصله عن وطنه وتنائي الدور، فيجأرُ إلى اللّه ضارعاً ان يصله بوطنه، يقول:

نوحُ ورقاء فوق غصن نضيرِ          هاج شوقاً بطيَّ سر الضميرِ

زادني حَسْرَةً، وزاد فؤادي             لوعةً في الهوى تنائي الدُّورِ

طال شوقي إلى قصور مشيدا            تٍ بنهر الفرات، فالخابور

ذبت شوقاً إلى ربا ذلك الربـ         ـعِ فصلني يا واصل المهجورِ (1)

وعندما يقع الوطن أُسيراً وفريسةً لطغمة من الحكّام المستبدين يصبح قضيّةً، ويغدو البحث عنه واجب الشرفاء الغيارى، ويتحوّل في وجدان المقهورين علامات استفهام وبراكين غضب.. ويصير تحريره فريضةً، وهاجساً لمن عاش في وطنه غريباً مُضَّيعاً تحت وطأة الحين، وجبروت العُسْفِ والتعنُّتِ والاستبداد، ومن عاش خارج حدوده بلا دليل، خائفاً ملتاعاً، يبني في الهواء الحكايات، ويحلم بالعودة وقد تمرَّغ بِرِمَالِ المهانةِ والذُّلَّ، فلا البكاءُ يُسْعِفُهُ، ولا الصبرُ، ولا النواحُ، وقد غامت بل شاهت الحقيقة، والتبسَ عليه الأمر، فراح يصرخُ متسائلاً منْ عجبٍ:

(أيّ البلاد بلادنا؟!

أيّ الزَّمان رماننا؟!

أيّ الحدود حدودنا؟َ!)

ومعنى يخترق الحواجز والجبال صوب وطنه، رافضاً الموت في هذه المنافي عارياً، ولنقرأ هذه الأنساق الشعرية – لكل من ياسر شكري الياسين وقاسم عزاوي – التي تتفجّر غَضباً، وتنزف أسفاً. يقول ياسر:

(ناديت يا وطن النخيل

لا الدمع يسعف صوتنا)

………………………………………………………………………………

(1) من ديوان محمد الفراتي – مطبعة بابيل أخوان – دمشق – عام 1931 – ص 14

_________________________________

لا الصبر، لا نوح الأصيلْ

القهر فينا قد نما

في كل عين

هذي المنافي أشعلت فينا

جذورَ الخوف والآهاتِ

حتى ملَّنا الفجرُ القتيلُ

هذي المنافي قيَّدَتنا في سلاسلَ

ألبستنا الموت

سِرنا في الدروب بلا دليلْ

أواه يا وطناً تطاول في دمي زمناً

وعلَّمني البطولة..

كيف أصعد من زوايا الحلم..

أخترق الحواجز، والجبال؟!

أواه يا وطناً تناثر في شراييني

وعلَّمني السباحة في غياب البحر..

أختصر الطريق، فلا حدود تشدّني

أولا رياح تصدُّني

إنِّي رفضت الموتَ

في هذي المنافي عارياً

والصمتُ يقتلني وحيداً

لا شراع يضمني، أو دليلْ

يذرُّ في عيني رجاءً

إنّي رفضت الموت مصلوباً على الأبوابِ

لا نيلٌ يناديني

ولا بردى يلملم صوتي المسفوح

في كبد الغثاء

إنّي سأنسج من دمي وطناً

لتلتحم العواصمُ..

تختفي الأوهام..

تسقط في الُّركامْ

وهذا قاسم عزاوي يقول:

(شرَّقْتُ وغَرَّبْتُ..

ورحتُ أجوب بقاع الأرضِ

أنقِّب في قاع البحرِ

أحلَّق في طبقات الأوزون

لأبحث عن وطني…

أبحث عن وطني القاتل والمقتول..

الظالم والمظلوم..

المنتصر المهزوم..

الموغل في صحراء الأمجاد..

حين تعتَّق حبَّك يا وطني

في قعر الزنزانة…

كنت أناجي أشلاءَكَ

حين يُبعثرها الجلّادون على قارعة التاريخ

وأروقةِ صناديق النقد الدوليّةْ

كنت أصيخ السمع لجوقات التعذيبِ

وأنشِد أشلاءَك مرثيةَ عِشقِ وثنيَّةْ….)

ثم يتابع خطابه لوطنه، ويهيب به أن يعود إليه عبر القضبان الوحشيّة التي تكبَّل حرَّيته، ليلملم شظاياه ويلحم أجزاءها بالطين المجبول بآلام المحرومين ودماء الشهداء، وأرواح الأجداد القدسية، وليتوحّد فيه، ويغدو شهاباً يحرقُ.

………………………………………………………………………..

ياسر شكري ياسين – (جسدي رصيف الحلم) – ص 16 –

قاسم عزاوي – ديوان (ملحمة الشبوط الرومي) ص 56

___________________________

الجلادين، ويحطَّم القضبان والأصفاد، ويتقدَّم مع كلّ السجناء المنسيين بزنزانات الوطن المقهور نحو فجر الحريو المجدول بنور الشمس. يقول:

(فلْتسمع صوتي يا وطني

ولتأت إليَّ مع الضوء المتسلَّلِ

عبر شقوق الزمن

وعبر القضبان الوحشيّة

فسأجمع أشلاءك

ألصقها بالطَّين النهريَّ

المجبول بأنات المحرومينَ

وأوردة الشهداءِ

وأرماح الأجداد القدسيةْ

أتوحَّد فيك أيا وطني

وأصير شهاباً فوق جبينكَ

أحرق كلَّ الجلادين

أٌحطمَّ كلَّ القضبانِ

أحرَّر كلّ السجناء المنسِيين بقاع الزنزانات

لأزحف معهم نحو الفجرِ

المجدول بضوء الشمسِ

وعطر الحريّةْ)

وهذا الشاعر مروان الخاطر يرنو إلى الوطن فيراه قد أصبح خريطة حزنٍ تنتثر فوق صعيده الجثث القتلى التي تجهل قاتلها، ويتساءل لماذا يتركها اولئك الذين فقدوا الِحسّ حتى باتوا كالأموات؟ لماذا يتركونها عارية في الساحات؟!

ولا يجد في وسعه إلا أن يبكي مصارعهم وحدده. يقول مخاطباً الوطن المشتت:

(وأراك اليوم خريطة حزنٍ).

………………………………………………………………….

(1) قاسم عزاوي – (ملحمة الشبوط الرومي) ص 60 – 61

_____________________________

تعصف فيها الريَّح

الجثث القتلى

لا تعرف قاتلها

ولماذا

تتركها الجثثُ الأحياءُ، عرايا

في السَّاحات؟

الليلة أبكي….

وحدي أبكي مصرعهم) (1)

وهكذا استحال الوطن هَمَّاً في وجدان الشعراء الفراتيين، فهذا الوطن غدا مُضَيَّعاً، مُسْتَلًباً، مُجَزّأً، مُسْتباحاً، وصار الأحرار فيه غُرباء منفيين خارج حدوده أو غرباء مُهمشين في داخله.

ولقد تعرَّض الشاعر ككلٍ الأحرار في هذا الوطن العربي الكبير للنفي داخل حدوده وخارجها، غريباً، تائهاً يبحث عن الجهات، ويتحسَّسُ موقع قدميه بعدما فَقَدَ هذا الوطن – في نظره – جغرافيته، وفقد التاريخُ العربيُّ مصداقيتها كأمَّة ساهمت في الماضي، ويمكن لها أن تساهم في بناء الحضارة الإنسانية، وفي قيادة الأمم، كما فعلت بالأمس القريب عندما انطلقت جحافل محمد صلّى اللّه عليه وسلم تحمل نور الحق، والخير والعدل والمساواة والسلام لكل أمم الأرض من مشارقها إلى مغاربها.

ولعل تلك الأوضاع الرهيبة والمزرية التي يعيشها الوطن العربي برمته من محيطه إلى خليجه العربي؛ هي التي تَمخَّضَ رحمَها عن الهمَّ الثاني الذي عانى منه الشعراء وتجرَّعوا مِن جرَّائه الأسى ومرَّ العذاب مثلهم في ذلك مثل جل أحرار هذا الوطن. الا وهو الغربة.

…………………………………………………………………………………

(1) مروان الخاطر – الأعمال الكاملة – مجموعة (نشيد الغربة) ص 277.

_______________________________________________________________________________________

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password