أردوغان نصب الفخاخ في سوريا وأوقع نفسه والمعارضة فيها

لزكين إبراهيم

أقل ما يمكن قوله عن أردوغان  وسياسته طيلة فترة الأزمة السورية أنه “كذب الكذبة وصدقها” أو أنه نصب الفخاخ ووقع فيها، والأنكى من ذلك أنّ من أدعوا أنهم معارضة سوريا، واحتموا بالمظلة التركية، صدقوا الكذبة الأردوغان ية على أنه سيدعمهم حتى إسقاط النظام، وتباهَوا بهذا اللاعب السياسي المحترف الذي يقفز بين المطبات السياسية، ويهبط بالمظلّات كلّما احترقت أجنحته، حتى وقعوا هم أيضاً في الفخ الذي نصبه أردوغان  في سوريا بعد أن أوهمهم أنّه جاء منقذاً لهم، لكنه وبعد سبع سنوات تبيّن أنّه تاجر محترف، ادّخر المجموعات المسلّحة للمعارضة والإرهابية منها ليشتري بها مصالحه، ويحقّق بها أرباحًا شخصية في الأوقات الصعبة، ويبدو أنّه أوشك على صرف آخر ما بقي بين يديه من المجموعات المسلحة التي جمعها في مطمورة إدلب.

إنّ أردوغان  الذي نصب الفخاخ ونشرها بعد أن موّهها بالشعارات الإسلامية والخلافة في طول الشرق الأوسط وعرضه وجد نفسه سيقع فيها لأنّ الجميع بات يتقن نصب الفخاخ أيضًا، ودخل أردوغان  الفخّ السوري الذي كان قد أعدّه بنفسه، فهي لم تعد قادرة على الخروج منه دون خسائر، ولا على المتابعة فيه لتعقيداته، حيث أنّه لم يعمل كما توقّع ناصبو الفخاخ، فحاول التملّص من الفخ بصناعة فخّ داعش الذي شارك في نصبه بين سورية والعراق، لعلّه يساعد في تحقيق طموحاته في المنطقة، لكن انقلب السحر على الساحر، وهزمت داعش أمام القوّات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية وباتت غالبية مناطق الشمال السوري تحت سيطرة الأخيرة، وما إن انهار الفخ الداعشي حتى وجد أردوغان  أنه أمام الفخ الكردي، الذي كان نتيجة حتمية لانهيار داعش، ونتيجة طبيعية لقدوم الروس والأمريكان إلى المنطقة التي كان أردوغان  ينصب فخاخه فيها لاصطياد الجميع، من العرب والكرد والنفط وخطوط الطاقة والغاز، وكي يتملّص من الفخ الكردي نصب أردوغان  فخّ إدلب في محاولة أخيرة لإعاقة المشروع الكردي والفيدرالية الديمقراطية.

واليوم يتأرجح سبب تغير موقف أردوغان  من الشأن السوري بعد انفراجات عديدة، فالبعض يرى أنّه لم يبق له مجال للمناورة بعد أن راوغ في كل المؤتمرات والتفاهمات وعصر كل مهاراته في تلافي محاصرة الروس له، لأن الروس قد نفَد صبرهم من مراوغة أردوغان  في موضوع إدلب، إذْ يريد منهم أردوغان  خوض نزاع مع الكرد بسرعة، وحلّ الموضوع الكردي قبل تسليم إدلب وفق اتّفاقات وضمانات مباحثات أستانة رغم أن الاتفاق واضح، وهو السير بالعملية السياسية، مع إعادة الانتشار للمسلحين إلى داخل تركيا، أو بتفاهمات المصالحة برعاية تركيا، فوجّه الروس له رسالة قويّة بأنّ جبهة النصرة هي القوّة الرئيسية في إدلب وسيتم إلحاقها بمصير داعش قبل الحلّ الكردي، وهم يعلمون أنّ قصْمَ ظهر النصرة هو نهاية المجموعات المسلحة والمعارضة في إدلب وغيرها، واليوم بعد سحق داعش لا يوجد ما يمنع من إتمام المهمة في الشمال ضد النصرة بعد أن تمّ تجريد أردوغان  من ورقة داعش التي تساند النصرة، الجيش السوري سيوجّه الآن كلّ طاقاته دون قلق للعصف بالنصرة في إدلب في معركة ستكون سهلة جدًّا، بعد أن نضجت عملية تحرير إدلب في غرفة العمليات السورية والروسية المشتركة التي تمّ اطلاع الرئيسين بوتين والأسد عليها في مطار حميميم حيث كانت زيارة بوتين لإعطاء إشارة البدء بإنهاء آخر ملف عسكري مع تركيا قد تلكأت في تنفيذ الاتفاقات بعد أن ارتاح الروس والسوريون من خطر داعش الذي يشاغل القوات التي كانت تتوجّه شمالًا، وصارت إدلب في عين العاصفة الروسيّة.

إنّ الدولة التركية التي ضعفت بفعل الأزمات الداخلية والسياسات الخارجية التي تعيشها، والتي تعوّل على روسيا، عندما رأت أنّ روسيا لا تريد أن تشكّل عداوة بينها وبين الكرد، ولم يبقَ لتركيا ثقة بالمجموعات المرتزقة التابعة لها، دخلت في خوف أن تخسر المناطق التي احتلتها؛ أي المنطقة الواقعة بين مثلث جرابلس، الباب وإعزاز، لذلك فمن طرف تحشّد قوّاتها وعتادها العسكري على الحدود بين عفرين وتركيا، ومن طرف تحاول تشكيل مجموعة أخرى من عناصر جبهة النصرة السابقين لزجهم في معارك عفرين، ومن جهة تحاول خلق الفتنة وزعزعة الأمن في منطقة منبج عن طريق بعض عملائها واستخباراتها وتحريض العشائر العربية ضد الإدارة المدنية في منبج وقوات سوريا الديمقراطية.

بالنظر إلى الحشود التركية على تخوم عفرين، فهناك احتمال أن تشنّ هجومًا احتلاليًّا على عفرين من دون إذن روسيا وأمريكا، لكن عندما نرى التقييمات، والبيانات والتحضيرات التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب والمرأة، نرى أنّ الوضع في شمال سوريا وسوريا عامة، وجرابلس، الباب وأعزاز، على وجه الخصوص لن يبقى كما الوضع القديم، وكان بيان التحالف الدولي الأخير الذي أعلن فيه العمل عن تشكيل قوّات حماية الحدود والتي قد يصل تعدادها إلى 30 ألف مقاتل بقيادة قسد كانت رسالة مبطّنة لتركيا في هذا التوقيت بالذات لتقول لتركيا وحتى النظام السوري أنّ التحالف اختار قوات سوريا الديمقراطية لدعمها وحماية المنطقة، وبالتالي لن تقف هذه القوات متفرجة على احتلال تركيا لعفرين، وقد تخسر تركيا جرابلس والباب في حال بقيت مصرة على شنّ هجمات واسعة على عفرين بهدف الاحتلال.

تركيا التي لم تتجاوز الأزمات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والخليج العربي، في هدفها لاحتلال عفرين بقيت في الساحة لوحدها دون مساند، والكل يعلم أنّ روسيا هي من أدخلت تركيا إلى إدلب بمحاذاة تخوم عفرين، تحت اسم مناطق خفض التوتر، لكي تردّد تهديدات فارغة، لكنّ الوضع غير مساعد للتدخل لاحتلال عفرين، كما أنّ الأمور لا تسير كما المطلوب في مناطق الشهباء المحتلة أي المنطقة الواقعة ما بين جرابلس، الباب وإعزاز. الخلافات والتناقضات ما بين المجموعات المرتزقة بما يسمى درع الفرات، والتي تحولت إلى اشتباكات، أدّت إلى اهتزاز إيمان جيش الاحتلال التركي بهم، فالأهالي في المنطقة المحتلة ينتفضون ضد تركمنة المنطقة.

إلّا أنّ هناك آراء تميل إلى تفسير أن ما حدث هو أنّ أردوغان  المصاب بجنون العظمة في الحقيقة دفع إلى الفخ الروسي الذي وقع فيه من حيث لا يدري بعد أن لاحظ الروس مناوراته، لأنّ غاية لافروف من استفزاز أردوغان  بدعوة الكرد إلى سوتشي والتنويه إلى تحريك السلاح نحو النصرة هي دفع أردوغان  إلى فخ المواقف والتصريحات الغاضبة التركية التي تتنصل بشكل غير مباشر من تفاهمات أستانة مع الروس، وهذا سيعطي الروس والنظام السوري العذر للتنصل من الاتفاق الذي يريده أردوغان الذي يصر على أن يتم التوجه لحلّ الإشكال الكردي بالتزامن أو قبل موضوع تسليم إدلب.

والتاريخ يقول بأنّ أولئك الذين يعانون من جنون العظمة يتم استفزازهم بسهولة واصطيادهم في فخاخ الفعل ورد الفعل، كما حدث مع هتلر ومع صدام حسين الذي نفخه العرب بوصفه حارس البوابة الشرقية والذي أعطي الكيماوي لاستعماله في حراسة البوابة الشرقية، وتركه يدخل فخ الكويت فدخل منه الأميريكون إلى كل العراق، فوقع في فخ الكيماوي وحوكم عليه بالإعدام، يبدو أن مصير أردوغان في نهاية المطاف لن يكون بأفضل من أولئك.

ما نلاحظه بأن الدول الراعية لسوتشي تحاول صياغة دستور لسوريا المستقبل، وما تسمّى بالمعارضة السورية ليس لديها أيّة خطة بصدد ذلك، فإذا ما كانت روسيا جادة في تسريع التسوية السورية، يجب أن تدعو ممثّلي الشعب السوري جميعاً، وعلى رأسهم ممثلو النظام الفيدرالي الديمقراطي لشمال سوريا، والذين يمتلكون مشروعاً ديمقراطياً بحسب مبادئ وأسس الأمة الديمقراطية التي تعتمد العيش المشترك بين المكونات في الدرجة الأولى، والتخلي عن النزعة الطائفية والمذهبية.

لكن عدم تخلص المعارضة والنظام من عقليتهم الدوغمائية المعتمدة على التعصب الشوفيني القوموي والطائفي والمذهبي، بيّن أن الطرفين المتناحرَين يُصرّان على عقليتهم هذه ويعتمدانها على أنها الدواء الشافي لهذا المرض الذي يعاني منه الجسد السوري، كِلا الطرفين على خطأ ولا يمكن الاعتماد عليهما أبداً في حل هذه المعضلة، فلا النظام وخلال عقود من الزمن استطاع استيعاب المجتمع بشكل ديمقراطي، ولا المعارضة التي تعتمد على تركيا استطاعت خلال سنوات الثورة أن تقدم الحل الجديد للشعب السوري، بل على العكس تماماً كان الاعتماد على تركيا هو من جلب المشاكل التي تعانيها سوريا، وتركيا هي من لها اليد الطولى في تمزيق النسيج السوري ونشر الدمار والخراب فيها.

وفي حال عدم حضور ممثّلي شمال سوريا، الذين حرّروا مساحة 35% من الجغرافية السوريّة من مرتزقة داعش وباقي الفصائل المدعومة من قبل تركيا والتي حاولت السيطرة على خيرات المنطقة، فإنّ الدول الراعية لسوتشي، روسيا وتركيا وإيران، تهدف إلى إعادة الشرعية للنظام السوري، ودمج ما تسمى المعارضة السورية بالنظام، والقيام بما تسمى بالمصالحة الوطنية.

وبذلك يكون أردوغان قد أوقع نفسه في الفخاخ التي نصبها في سوريا وأوقع معه المعارضة، وأعادها إلى نقطة الصفر، أو تحتها، وسلّم كافة المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة إلى النظام السوري على طبق من ذهب، ويبقى الخاسر الوحيد من كل سياسات تركيا هذه “الشعب السوري” الذي ذاق الويلات ولم يحصل على شيء مقابل ذلك.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password