روافد الصورة الفراتية/السياسة والغربة

طارق علوان

السياسة

إنَّ النفي في الوطن أو خارج أسواره، والرحيل والغربة المصحوبة بِحسِّ الانهيار والتردِّي والحيف، والتناقض بين الحلم الوردي والواقع المزري، بين إشراقة الغاية وقتامة الواقع وكآبته، والتناقض الطبقي إن صَحَّ التعبير بين أثرياء نافذين يملكون كل شيء وفقراء معوزين لا يملكون أيَّ شيء، والتناقض بين الحاكم والمحكوم وبين الظالم والمظلوم، والتناقض الْخُلُقي بين مُتمسِّكين بتلابيب الْمُثُل والقيم الأصلية للأمة، وبين متمردين عليها….

لعل لكل الأمور التي تقدَّمت دوراً في تكوين وخَلْقِ المواقف والاتجاهات، والأيديولوجيات السياسية لشعراء الفرات وتشكيل مفردات القواعد والرؤى التي انطلقوا منها وعالجوا على أساسها الكثير من قضايا الأمة، أو كان لهم فيها وجهاتُ نظرٍ وآراء، وإن اختلفت أو تباينت بين شاعر وآخر تبعاً لاختلاف منابتهم وثقافاتهم وعقائدهم وأطيافهم العرقية والسياسية والدينية، ولقد احتلت قضية فلسطين – القضية الأم لكل الأمة – جُلَّ اهتمام الشعراء الفراتيين ورعايتهم، لا بل اقتاتت من أنساغ عقولهم ومن ماء عيونهم، ومن عرق أجسادهم، ومن دمائهم، واستقرَّت ألماً في نبض عروقهم، وارتعاشِ أيديهم، ودفقِ قلوبهم؛ فراحوا يُسَطَّرُون بنجيعهم القاني ثورةَ نفوسهم، ويصبُّون براكين غضبهم على مَنْ تَسَبَّبوا في ضياع فلسطين وقهر أبنائها ونهب ثرواتها، والاعتداء على مُقَدَساتها، ورموزها الدينية والتاريخية..

ولقد عانقت أحلامهم ثورة الحجارة التي رأُوا فيها بداية النهاية لهذه الدولة الْمِسخ التي أَعْلَتْ جدران دولتها الملطخة بدماء شعب آمنٍ على أشلاء أبنائه ونسائه وشيوخه وأطفاله؛ ولنقرأ رسالة الشاعر حسَّان عطوان إلى ثُوَّار الانتفاضة:

(قد تكون الحجارةُ

ردَّاً على مَنْ يبيعون أوطانهم علناً

أو يبيعون أنبلَ ما في حقيقتهم خِفْيةً

قد تكون الحجارةُ

ردَّاً على خوفنا

وانتصاراً على ضعفنا

قد تكون…

برغم انهيار العصور

شموساً ودفءَ شموسْ

قد تكونْ

صحوةً للنفوس

دفتراً….

كي نخطَّ به مِنْ جَديدْ

حكاية تاريخا) (1)

(أيُّها الطالعون من النار

كم حجرٍ سوف يُثِمرُ من دمكم شجراً…

برتقالاً

وينهض كي يكتبَ الآن ملحمةً للصباح) (2)

ويلتفت ليخاطب الأمَّةَ، فيقول:

(أمتي

لا تهيلي دموع الندامة من حجرٍ

سوف ينبثق الصْبحُ) (3)

………………………………………………………………………..

حسان عطوان (اغترابات أبي العلاء المعري) ص 119 – 120

حسان عطوان (اغترابات أبي العلاء المعري) ص  121

حسان عطوان (اغترابات أبي العلاء المعري) ص 121

 

(وهذي فلسطين

ماثلة في البياض

فمن ذا الذي يستطيع اجتثاث الشعوب

إذا ما الشعوب استقرت قائمة) (1)

 

وهذا قاسم عزاوي يتساءل في نسقه الشعري (النبأ العظيم) فيقول:

(مَنْ ينبش الموت المخُبَّأ

تحت بئر النفط

حتى تهاجر الكثبانْ والعقبانْ

في رئة الخليجْ

فقد أحاط الموت بالمدن الذبيحةِ

واستطالت أذرُعِ الأوغادِ

صارت تخطف الحلَماتِ

من شفة الرضيع

والحقد مُتّكئ على الأسوار

يبحث عن بقايا النَّسَغِ

في البلد المحاصرِ

والجريح) (2)

ثم يُوجَّه الخطاب للوطن قائلاً:

(يا أيُّها الوطن الجليل المُسْتَباحْ

باعوك بالدولار في سوقِ الخيانة

حين أعيتك الجراحْ

لكن ستأتي شهرزادْ

وتعيد ذاكرة الوجود لذلك الوطن الذي

قد ضاع يوماً في حقول النفط

والظلمات والنبأ العظيم) (3)

……………………………………………………………….

حسان عطوان (اغترابات أبي العلاء المعري).

قاسم عزاوي (ملحمة الشبوط الرومي) ص 54

قاسم عزاوي (ملحمة الشبوط الرومي) ص 55

 

ويمضي يُحدَّث عن الهمجية الصهيونية وصلادة الشعب الفلسطيني البطل، فيقول:

(يستفيق العالم اللاهي عن المأساة

للشعب الذي أثبت أن العين في أرض المُخَيَّم

تدفعُ المخرز والطلقة والنار وغازات الدموع

يستفيق العالم اللاهي على طقطقة العظم

وجندُ الاحتلال

يهرسون الرأس والمفصل والصدرَ

بأحجار الوصايا العشْرِ

والأخمص والبسطارِ

في دوامة الحقد وهول العنصريّةْ) (11)

ثم يُحَدَّثنا عن بطل الانتفاضة، فيقول:

(إنه الطفل الذي أينع في ظل المجازرْ

كفر قاسم…

دير ياسين وأعواد المشانقْ

إنهَّ الطفل الذي أدْمَتْه أمريكا

وكلُّ الغرْب والفيتو ونازيَّة صهيون

وذلَّ السَّحل في أرض الوطنْ

وخيانات ذوي القربي وصمت الأصدقاء) (2)

وهذا ياسر شكري يخاطب طفل الانتفاضة، يقول:

(يا أيُّها الطفل المُوزَّع في دمي

هذا طريق الموت فامضِ

لا تُسَاوم

جسدي رصيف الحلم

لا بلدٌ يناديني

ولا كلّ العواصم

…………………………………………………………………

قاسم عزاوي (ملحمة الشبوط الرومي) ص 40 – 43

 

مضت الرجالُ

وأنت وحدك في الزّحام

على السفوح.. وفي الملاحمْ

ستقول: لا

إن فاض جرحُك

أو لجأت إلى الحجارة في انفجاركْ) (1)

ثم ها هو يوجَّه الخطاب لفلسطين، فيقول:

(يا أرضنا الخضراء إن سقط السلامُ فلا تنامي

وافتحي للريح صدرَكِ..

افتحي الأبوابَ إنَّا راجعونْ

سنظل ننتظر المراكبَ

تمخر الزمن القتيلْ

سنظلُّ نختزن المواويل العطاش

إلى اقتحام المستحيلْ

يا كل مَن سمع النداءْ

مِنَ المحيط إلى الخليجْ

لا تذرفوا الدَّمع الكسول من العيونْ

هذا زمانُ البذُلِ

لا زمن التحَسُّرِ والعويل

الآن يبتدئُ النهار

البحر يشهد والحجارة والسماءْ

سنعود للوطن المُحنَّى بالدماءْ) (2)

……………………………………………………………………………

ياسر شكري الياسين – (جسدي رصيف الحلم) ص -7 – 8، ص 92 – 93

 

وهذا تميم صائب قد اتضحت في عينيه الرؤية فراح يقول:

(نمشي إلى غدنا

سننتغلُ الحجارة….

فلْيطل هذا الطريق كما يشاءُ له العدوُّ

جراحُنا زُوَّادة في دربنا

وعيونُ مَنْ نهوى فراتٌ حين نظمأ

والسماءُ لحافُنا الأزليُّ…

يا موت اقتربْ

لا شيءَ يُرْهبُنا لننجوَ منك…

عَبّدْنا بأرواح الرجالِ

طريقَك العلني نحو صدورنا….)

(نمشي إلى أطفالنا

هم يكبرون بكلِّ يوم ليلتين

فيبدلون دفاتر الإنشاء أحجاراً

لِصَيْد الجنْد خلف جدارهم

هم يكبرون ليصغر الأعداء….

كلُّ الأمهاتِ يلدْنَ حتى نستمرَّ

ونقهرَ الموتَ الذي

ما كلَّ عن أَكْلِ الصَّغار الطيبين الأنقياءْ

نمشي إلى أحلامنا

كانت ليالينا بغير الحلم

أحلك من غُراب البين

أَعْلَنَّا بداية حلمنا

حين من جَراب الدَّرْبِ

أحجار البطولة…)

(نمشي إلى أشلائنا

في كلَّ شلوِ طائران يقاتلان الطائرات

ويقذفان الرعبَ في المستوطناتِ

ويفضحان تخاذل الزعماء..

واللقطاء…) (1)

…………………………………………………………………………………………………………………..

تميم صائب – قصيدة (سنضحك من مراثينا) – المنشورة في مجلة الموقف الأدبي العدد 398 – 2004 حزيران

 

ثم يخاطب طفل الانتفاضة قائلاً بِلسَان كلِّ أمًّ فلسطينية:

(قم يا بن قلبي

خذ رصاص أبيكَ من أضلاع صدري

وامْضِ للموتِ الذي سيصير أُمَّكْ) (1)

ثم يلتفت إلى اليهود الغاصبين، فيقول:

(لن تسلموا

من أبجديات الحزام النَّاسف القَدريِّ..

لن تتخلَّصوا

من لعنة الثكلى

ومن لغم القصيدْ..

يا أيُّها الآتون من خلف البحار

إلى بحارِ جِراحنا

توبوا

فإنَّا لا نحبُّ القَتْلَ، لكنْ

حينَ نُقْتَلَ

مَنْ يصدُّ دماءَنا

عن حَقَّها بالثأر..) (2)

ولعلّ الإخفاق العربي في معالجة القضية المركزية للأمة؛ قد فتح عيون الشعراء الفراتيين على مسائلَ عديدة يأتي في مقدمتها تخاذل الحكام العرب عن التحرير ونصرة الشعب الفلسطنيني، لا بل وتآمر البعضُ مع العدو ومن يتفقون معه ووراء داعمين مساندين من أمم الغرب وعلى رأسها أمريكا – دولة الطغيان المادي الأحمق – وكذلك تخلُّف الأنظمة وتفكك الكيان العربي، والأنكى من كلِّ هذا وذاك؛ الصدع الكبير الذي حدث بين الشعوب من جهة، والحكام ومن رمى بسهمهم ودار في فلكهم من جهة ثانية وخروج الأمة من جلدها، وتخليهاعن المقدمات التي مكَّنت لها في الماضي من تحقيق ذاتها وإعلاء مجد دولتها، وبسط نفوذها وحضارتها.

…………………………………………………………..

تميم صائب – (هذا حصادي) – ص 109 – 111.

 

ولقد جنَّد الشعراء أنفسهم لفضح أحابيلِ المستعمرين – القدامى – الجدد، الذين لم يخرجوا من أرضنا العربية إلا بعد أن جَنَّدوا مَنْ ينوبون عنهم في إخضاع الشعوب وتشويه حقيقتها وَجَرَّها إلى شفير الهاوية التي حَفَر لها حاخامات اليهود الصهاينة؛ تنفيذاَ لتعاليم بروتو كولاتهم الإجرامية، ومزاميرهم المدسوسة المُلَّفَقةِ الحاقدة، كما راحوا يُحَرِّضون على الثورة…

ها هو تميم صائب يفضح هذه الأباطيل التي يدسُّها أولئك الحاخامات في المزامير ويتحدَّاها بإرادة أبطال شعبه وأبطال الانتفاضة فيقول للغاضبين:

(توبوا لِنَصْفَحَ..

واسحبوا أوهامكم

عن أرضِ ميعادٍ لكم في أرضنا

واستنفروا (حاخامكم)

ليّدُسَّ في التوراة مزموراً جديداً

عن شعوب غير شعبي

يقتتلون رجالها

وتضاجعون نساءَها

ويدًسُّ كذباً عن بلادٍ

لمْ تعلِّمْ طفلها لغة الحجارة

كي تعيشوا آمنين هناك

في البلد البليدْ) (1)

وهذا الشاعر حسان عطوان يؤكَّدُ هذه الحقيقة قائلاً:

(قد تسألين عن الوقت

أعلم أنَّكِ تستعجلين هبوب الرياحْ

وحقِّك لم يخرجوا عبثاً

إنما زرعوا أرضنا بالأباطيلِ

وانتشروا لوثةً في الضمائرِ

عجزاً يُعَشَّشُ بين الحناجرْ

…………………………………………………….

تميم صائب – (هذا حصادي) – ص 112 – 113

 

وعلى دمنا ختموا أنَّها للمقابرْ

وعلى فكرنا أسَّسوا مُدُناً للتدابُرْ

وكلّ السكاكين مشْرَعةٌ

إنما….

في زمنٍ كلما ركضت خيلنا في الرياح

حاصرتها الخناجرْ

من كل ناحية…

فيا مدن النار والدم والموت

من يبعث الأرض من موتها؟!) (1)

وهذا هذا قاسم عزاوي يحذَّرُ الشَّعب من الأنظمة العميلة المتعاونة مع الغرب، فيقول:

(حذارِ اليوم من عهْرِ وغدر الأنظمة

وتذكرَ كيف خانتكَ وباعتْ…) (2)

ويتَّهمُ هذه الأنظمة بأنَّها باعت الوطن، فيقول:

(يا أيَّها الوطن الجليل المستباحْ

باعوك بالدولار في سوق الخيانةِ

حين أعْيتْكَ الجراحْ) (3)

 

وهذا تميم صائب – ثانية – يؤكَّدُ حقيقة انحراف الأنظمة العربية، وتواطؤ البعض منها مع الأعداء، ويرسم طريق الخلاص، فيقول:

(كم ضاجعتنا تحت سقف الله أنظمةٌ!

وكم ملك خؤونٍ

شارك الأعداء في عِزَّ الظهيرةِ

باحتفال سقوطِنا

شمخ السقوطُ بنا، ولم نسقطْ

رسمنا تاجنا فوق الجبين بأحرف القرآنِ

لا قممَ ولا بطيخ تنفذنا

………………………………………………………………………………….

حسان عطوان – (اغترابات أبي العلاء المعري) ص 121 – 123

قاسم عزاوي (ملحمة الشبوط الرومي) ص 51 – وص 55.

 

فليس لنا سوى دمنا

لنخرج من ظلام اليأس….

من عنق الزجاجة…

من حصارٍ طالَ خبزَ الأمَّهاتِ

وسدَّ أبواب الهواءْ) (1)

وبينما كان الإعلام السياسي للأنظمة  المتخاذلة الشوهاء يبلسم جراحَ الأمَّةِ

بالختل واجتراح الأكاذيب، وتغريب الحقيقة عن الشعوب العربية، حتى بتنا؛

(لا نعرف الذي جرى، ولا الذي يجري) (2)

وراح الشاعر مروان الخاطر ينزع الأقنعة عن وجه الحقيقة التي تاهت، حتى بات الوطن خريطة حزن:

(وأراك اليوم خريطة حزنٍ

تعصف فيها الريحْ

الجثث القتلى لا تعرف قاتلها

ولماذا تتركها الجثث الأحياءُ، عرايا….

في الساحاتْ

الليلة أبكي

وحدي أبكي مصرعَهمْ) (2)

(كذبٌ ما ترويه الصحفُ الأخبارْ) (3)

وأخيراً لا يجدُ الشاعر مروان الخاطر إلّا أنْ يلعن:

(زمنِ العَشقِ المُعَلَّب

والشَّعارات الجديدةْ

زمناً أنظف ما فيهِ

الخياناتُ المجيدةْ) (4)

ويتساءل:

(مَنْ تُرى يثأرٌ.. يغضبُ؟!) (5)

………………………………………………………………………………………….

مروان الخاطر – الأعمال الشعرية – ديوان (نشيد الغربة).

 

وهذا الشاعر حسان عطوان يشرح هوية هذا الزمان، وهوية هذي البلاد، فيقول:

(مِنْ زمنٍ يتَساوى  فيه القاتل والمقتول

الناهب والمنهوب

مِن مدنٍ لا تعرف إلاّ النوم

تصطاف بأرض الدَّم

وتشتَّي في مطر الصمت

يتآخى فيها الذئب مع الشاةْ) (1)

ومن ثم يلخص الخيبة العربية والواقع العربي فيقول:

حين توسَّدْنا صدرَ الأرض وجُعنا

لم نعلم أنَّ الموت على الأبواب

كنّا في سامَّراءْ

أولمنا للريحْ

وحلمنا أنَّ الفجر سيأتي

وعلى دغدغة الموج سنحمل للأطفال مشاتلْ

لكنَّا حين رأينا نسوتنا

فوق الأرض المنهوكة

أثداء عاريةً

وحليباً مسلوباً

والأطفال ينوسون على الطرقاتْ

أدركنا أنّا نسقط من فوق الجدران ونهوي

فوق الأرض سبايا

ونسير أمام النسوة والأطفال

ونحن عَرايا) (2)

ولم يغفل الشعراء الفراتيون عن التناقض الطبقي بين نافذين أثرياء يملكون كلَّ شيءٍ، وفقراء افترشوا أرض العوز القاحلة المُجدبة.

………………………………………………………………………………………………

حسان عطوان – (حوار على أرض محايدة) ص 62 – 63، ص92 – 93.

 

وهذا مروان الخاطر ينقل شكوى المسحوقين، فيقول:

(عبثوا بلقمتنا العليلةْ

عبثوا بها قسراً وحيلةْ

فالأرض كل الأرض يملكها القليلُ

والكادحون عبيد طاغيةٍ يصولْ) (2)

( ألأنا نولد في يومٍ فقراءْ

نتعذَّب طول العمر، نورِّث للأبناءْ

الفقرَ، وهذا الجرحْ

ونعلِّلُ أنفسنا بالصبحْ

من غير عناءْ

سرقوا شمسَ الفقراءْ

الصبح لهم والعيدْ

ولنا قمرٌيتعذب عبرَ البيدْ) (2)

ثم يُلخَّص خارطة ليل الفقراء، حيث يقول:

(وجعٌ وجوعٌ وانكسارْ

جوعٌ على وجعٍ، وليلٌ في النهارْ

هذي خرائط ليلتي أو قُلْ خرائط أمتي) (3)

وهكذا نرى أن الشعراء الفراتيين حملوا هموم الأّمَّةِ في ضمائرهم، ونقلوها في لوحاتٍ رائعة، قدّمت أوجاع هذه الأمة بكل أبعادها السياسية، وبكل أعماقها الوجدانية، وكانوا في مجموع ما صدروا عنه متأثَّرين، مَثَلُهم في ذلك كمثل سحابةٍ تغلُّ وتغلُّ حتى إذا ما لاقت برداً تكثفتْ، وهَمَتْ، وأَحْيَتْ.

 

الغربة

 

يُقال إنَّ الغربةَ تزيد تغلغل المرء في ماضيه وتاريخه، وتُقَرِّبه من فهم سياسة المكان والزمان.

وهذا ما حدث لبعض شعراء الفرات الذين تغرَّبوا؛ حاملين في أعماقهم هموم واديهم، فراحوا يعزفون على ناي الغربة ألحاناً شجيةً حملت صدى عذاباتهم، ورجع آهاتهم، ونشيج أرواحهم المُعذَّبة الملتاعة، وأنغام أناتهم المبرِّحة. هذا مروان الخاطر يشرح معنى الغربة، فيقول:

(الغربة سيدتي إعياء

ظهرٌ يتقوّس في العشرين

الغربة لو تدرين

ما قلتِ وداعاً دون بكاءْ

سرقوا شمس الفقراء

الصبح لهم والعيد

ولنا قمرٌ يتغرَّب عبر البيْد) (1)

(أَنْ يشعر الإنسان بالإحباط، والنفورْ

مِن جِلْده

أو يشعر الإنسان بالخطرْ

والذُّل في بلاده) (2)

………………………………………………………………………………………..

(1) – (2) مروان الخاطر – الأعمال الكاملة – من مجموعة (أخاف عليكِ فابتعدي)

مروان الخاطر – الأعمال الكاملة – مجموعة (حمدان).

مروان الخاطر – الأعمال الشعرية – (أخاف عليك فابتعدي).

مروان الخاطر – الأعمال الشعرية – (أغاني الفرات).

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password