حقوق الشعب الكردي بين الصراعات والمصالح والنزعات

نور الدين عمر

تبلغ مساحة كردستان ما بين (500-400) ألف كيلومتر مربع، وعدد سكان كردستان موزع ما بين أربعة دول شرق أوسطية هي تركيا وإيران والعراق وسوريا  بحدود 40 مليون نسمة كأقل تقدير، حيث يعيش نصفهم في الجزء الخاضع للدولة التركية، والمؤلفة من 20 محافظة ذات أغلبية كردية، وتسمى لدى الشعب الكردي بكردستان الشمالية، وفي إيران يوجد حدود 10 ملايين كردي يعيشون في ثلاثة أقاليم هي كردستان وكرمنشاه وأورمية، وتسمى بكردستان الشرقية. أمّا الجزء الخاضع للدولة العراقية، والتي تسمى بكردستان الجنوبية فتضمّ حدود 7 ملايين كردي يتركّزون في أربعة محافظات هي دهوك وسليمانية وأربيل وكركوك. وفي سوريا يعيش حوالي 3 ملايين كردي يعيشون في شمال سوريا، ويتركّزون في محافظة الجزيرة ومناطق كوباني وعفرين، والتي تسمّى بكردستان الغربية، أو التي عُرفت باسم روجآفا باللغة الكردية.

عمليا تضمّ مناطق كردستان في أجزائها الأربعة أغلبية كردية واضحة. وتاريخيًّا لها العديد من التجارب في تأسيس الحكومات والدويلات والإمارات، ولم تتوقف العصيانات والثورات الكردية في سبيل تحقيق طموحاتهم عبر التاريخ. والشعب الكردي تعرّض إلى العديد من المجازر الدموية البشعة، ولعلّ أفظعها هو الهجوم الكيماوي الذي تعرّضت له مدينة حلبجة الكردية.

في التاريخ الحديث أي منذ بداية الثمانينات في القرن الماضي، وحتى الآن تمّ تدمير 6 آلاف قرية وبلدة كردية على يد الجيش التركي والعراقي والإيراني.

فسياسية الإنكار والإمحاء طبّقت بأفظع الأشكال على الشعب الكردي، ونتيجة هذه السياسة فإن80% من الشعب الكردي محروم من تعليم لغته الخاصة. وتغيّر أسماء القرى والمدن والمناطق، وحتّى الأسماء الشخصية ضمن سياسة التتريك، والتعريب والتفريس المفروضة على الشعب الكردي.

ومع كل ذلك، فإنّ أغلب القوى السياسية الكردية لم تطالب بانفصال كردستان عن هذه الدول، بل إنّ أغلبها متّفقة على العيش ضمن تلك الدول في حال اعترافها بحقوق الشعب الكردي. لم يكن أبدًا خيار الانفصال والاستقلال هو خيار الشعب الكردي، فهو أكثر الشعوب توقًا إلى الحرية، لكنّه أيضا متمسّك بالعيش المشترك مع الشعوب.

ولو عاش الشعب الكردي في دولة ديمقراطية مثل إسبانيا لما فكّر يومًا بالانفصال مثل الشعب الكتالوني، مع احترامنا لتطلعات هذا الشعب. لكنّ القصد أنّ الكرد يعيشون في دول تدار من قبل حكومات دكتاتورية و طائفية لا تحترم حقوق الإنسان والحريات، وهذا ما يجعل النزعة الانفصالية تزداد لدى شعب يحسّ أنّه يتعرّض إلى ظلم من حكومات من المفترض أنّها إسلامية، وتتحدث عن الأخوّة والعدالة.

في الاستفتاء الذي جرى في كردستان الجنوبية، وعلى الرغم من أنّ بعض الأطراف السياسية الكردية حاولت استغلالها لمصالح حزبية و سلطوية، لكن إقبال الجماهير على الاستفتاء كان أيضًا نتيجة ممارسة حكومة بغداد الطائفية والقوموية.

دولة العراق الموحدة هي أفضل للعرب والكرد على السواء، لكن شريطة أن تكون دولة ديمقراطية، ولذلك فإنّ الحل هو في التفاوض والوصول إلى حلّ يحقق طموحات كل العراقيين في دولة ديمقراطية غير طائفية.

أمّا في سوريا فالوضع يختلف بعض الشيء عن العراق، فالقوى السياسية التي أسّست الإدارة الذاتية في المناطق الكردية منذ عام 2012 بمشاركة كافة المكونات، وتطوّرت بعدها لتتحول إلى نظام الفيدرالية في شمال سوريا هي قوى سياسية لها مشروع غير قوموي، وإن كانت القوى الكردية هي صاحبة المشروع لكن لم يتم إقصاء أي مكون، ولا يوجد في هذا المشروع أيّة نقطة تدل على النزعة القوموية والعنصرية.

فحركة المجتمع الديمقراطي TV-DEM التي تضمّ عدة احزاب في مقدمتها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD تحمل مشروعًا لدمقراطة سوريا، وتسعى لتأسيس نظام اتحادي فيدرالي بمشاركة كافة المكونات في سوريا، وهي ضدّ التقسيم، وتسعى إلى تحويل سوريا إلى دولة قوية دون إقصاء أيّ مكون قومي أو ديني.

النظام الفيدرالي الذي تسعى حركة المجتمع الديمقراطي إلى تأسيسه و طرحه على كافة القوى الوطنية والديمقراطية في سوريا هو مشروع بديل عن النظام الدكتاتوري المركزي، وهو مشروع غير انفصالي كما يروّج له بعض الاطراف، بل على العكس فهو المشروع الذي ينقذ سوريا من التقسيم الذي تحاول بعض القوى الإقليمية والدولية وبمساعدة جهات داخلية فرضها على سوريا.

من حق الشعب الكردي أن يقرّر مصيره، وعلى كافة القوى السياسية الديمقراطية أن تقف مع حقوق هذا الشعب، لكن حرصًا على مصلحة كافة المكونات ومنها مصلحة الشعب الكردي،  فإنّ القوى السياسية المجتمعة تحت مظلّة النظام الفيدرالي لشمال سوريا اختاروا العيش المشترك في دولة فيدرالية لامركزية ديمقراطية تلبّي طموحات وتطلّعات كافة المكونات في الحرية والعدالة.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password