الطربوشيّة العثمانية ما بين العروبة والإنسانيّة

صلاح الدين مسلم

ما كان غصن الزيتون يرضى بأن تدنّس سمعته التي تدلّ على السلام، لا على الحرب والعدوان، وسبب ذلك يعود عندما صنع النبي نوح سفينته الناجية من الطوفان، ودعا قومه إلى أن يركبوها، فقال لهم: كما ذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ” أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا, ومن تخلف عنها هلك وهوى” فركب معه الإنس والطيور والحيوانات، وعندما سار بالسفينة وصل إلى منطقة بعث بالطير ليأتيه بخبر هذه المدينة؛ هل توجد فيها حياة آمنه أم لا، فبعث بالطير، وأتاه بغصن الزيتون، فعرف أنّ هذه المدينة آمنه من كل شرّ، فحينها رمز إلى هذا الغصن بالسلام، واتخذته القبائل والأمم في الحروب من بعد هذه الحادثة رمزًا للسلام فيما بينهم.

فسبحان الله، كيف يستطيع الطغاة أن يسرقوا مقدّرات الشعوب ويجعلونها حجّة لتقوية السلطان والمُلك، فكيف غيّروا هذه المعادلة؟ وكيف استطاعوا أن يقلبوا الحقائق؟

عندما أشاهد أولئك العرب المستسلمين لإرادة السلطان العثماني أتذكّر دعاة النهضة من خليل مطران وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده… فأتأمّل خليل مطران وهو ينهض من قبره، يراقب أولئك الذين يسجدون لأردوغان من بني جلدته، وهو يتأمّل تاريخ العرب المجيد، عندما كانوا أعزّة لا يعرفون طأطأة الهام إلّا لله، وتذكّر كليب بن مرّة واستحضر السموءل وحاتم الطائيّ… وصولًا إلى عبد الغني العريسيّ، وراح يستذكر أبياته التي قالها وهو يذرف الدموع المدرار على ماض تولّى، وجرح لم يلتئم بعد:

–           سَـــــــجَدُوا لِكِسْرَى إِذْ بَدَا إِجْلاَلاَ     كَسُــجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ إِذْ تَتَلاَلاَ

–           يَا أُمَّةَ الْفُرْسِ الْعَرِيقَةَ فِي الْعُلَى      مَاذَا أَحَـــــالَ بِكِ الأسُوُدَ سِخَالاَ

–           كنْتُمْ كِـــــــبَاراً فِي الْحُرُوبِ أَعِزَّةً      وَالْيوْمَ بِتُّـــــــــمْ صَـاغِرِينَ ضِئَالاَ

–           عُبَّاد كِسْـــــرَى مانِحِيهِ نُفُوسَكُمْ     وَرِقَابَكُمْ وَالعِـــــرْضَ وَالأَمْـــــوَالاَ

–           تَسْـــــــــتَقْبِلُونَ نِعَالَهُ بِوُجَوهِكُمْ      وَتُــعَفِّرُونَ أَذِلَّـــــــةً أَوْكَــــــــــالاَ

 

وراح يصافح عبد الرحمن الكواكبي ويعزّيه على موت كتابه طبائع الاستبداد، وشربا القهوة المرّة معًا، وباتا يكفكفان دموعهما وهما يشاهدان السفربلك الثاني وترعة السويس التي خسروها في الغوطة وحلب وحمص… وهم يركعون لجمال باشا السفّاح الثاني، وهذه المرّة بابتسامة ودود، وهم يريدون أن يغزوا عفرين، وبات الكواكبي يستحضر ما قاله وهو حانق ومحمرّ العينين، تريد أن تخرج من وكرهما وهو مستغرب مستهجن من أمر أولئك المستسلمين:

“يقول المادي: الدّاء: القوة، والدّواء: المقاومة.

 ويقول السّياسي: الدّاء: استعباد البرية، والدّواء: استرداد الحرّيّة.

ويقول الحكيم: الدّاء: القدرة على الاعتساف، والدّواء: الاقتدار على الاستنصاف.

ويقول الحقوقي: الدّاء: تغلّب السّلطة على الشّريعة، والدّواء: تغليب الشّريعة على السّلطة.

ويقول الرّبّاني: الدّاء: مشاركة الله في الجبروت، والدّواء: توحيد الله حقّاً.

وهذه أقوال أهل النظر، و أمّا أهل العزائم:

فيقول الأبيُّ: الدّاء: مدُّ الرّقاب للسلاسل، والدّواء: الشّموخ عن الذّل.

ويقول المتين: الدّاء: وجود الرّؤساء بلا زمام، والدّواء: ربطهم بالقيود الثّقال.

ويقول الحرّ: الدّاء: التّعالي على النّاس باطلاً، والدّواء: تذليل المتكبّرين.

ويقول المفادي: الدّاء: حبُّ الحياة، والدّواء: حبُّ الموت.”

 

وراحا في زيارة إلى طاهر الجزائري، وعبد الحميد الزهراوي، ومحمد روحي الخالدي… وتحدّثا عن قصّة السفربرلك، وما أدراك ما هو حديث السفربلك؟ وهم يدخلون إلى حيثما يشاؤون من بلاد العرب والكرد، يحملون معهم الجفاف والموت الزؤام، ويشرّدون الأطفال وييتمونهم، ويرمّلون النساء، ويجوّعونهنّ، حيث قضت سياسة التجويع الطربوشيّة على 250 ألف لبناني فحسب، فكان الرحابنة يصوّرون ذلك المشهد في فيلم سفربلك، وما عاد السيف العربي الأصيل يسمع نداءات الرحابنة عبر أسطورة الغناء العالميّة؛ فيروز.

وكذلك مذابح السريان والأرمن والآشوريين، وسلاطين بني طربوش مشغولون فهم يقتلون إخوتهم حتى لا يطالبوا بالعرش، أو يسجنونهم في “قفص ذهبي” في أحد القصور السلطانية، وهم محاطين بالجواري الحسان السبايا، وما لذّ وطاب من متاع الدنيا، وهكذا زاروا شهداء السادس من أيار: (الحويك، المطران، زريق، بيضون، الظاهر، فيليب، الخازن، الهاني، الملحم، المحمود، العلي، عارف، الخليل، الخرسا، القاضي، عبد الهادي، عجم، عابدين، تللو، حيدر، الأرمنازي، المحمصاني…)

ولنرى المعادلة بطريقة أخرى، لقد هجم الطربوش الأحمر على المناطق العربيّة الآمنة، بارتدائه اللون الداعشيّ الأسود، فاستبدلوا الطربوش بالعباءة، فاستنهض الكرد والعرب الأشراف ضدّ هذا المغول الجديد، والعثمانيّة الطربوشيّة الجديدة، فكان شبّان عفرين السند لكلّ الحملات التي قامت ضدّ عدوّ الإنسانيّة (داعش)، بدءًا من عفرين وصولًا إلى الرقّة، وبذلت عفرين الدماء الطاهرة في سبيل الدفاع عن الشعب السوري الذي لاقى الويلات على يد داعش.

وكان شبّان عفرين السبّاقين للدفاع عن منبج، حيث اجتازوا الحدود والمخاطر للوصول إلى كوباني ومنبج للدفاع عن تراب سوريا ضدّ هذا العدوّ الذي يهدّد سوريا والشرق الأوسط، بل العالم بأسره.

فكيف تهاجم الدولة التركيّة هذا البلد الآمن المسالم؟ وهذا البلد الذي ضحّى بفلذات أكباده للدفاع عن العالم ضدّ داعش الإرهابيّ؟ مع أنّ عفرين بعيدة كلّ البعد عن داعش، فحدودها مع جبهة النصرة ودرع الفرات والنظام السوريّ، ولا يهدّد حدودها داعش أبدًا.

فهل يُكافئ هذا البلد المسالم بالقصف التركي؟ عبر صمت دوليّ، وخاصة الصمت الروسيّ الذي من المفترض أنّه يدافع عن هذه الأرض ضد الاحتلال الغريب عن الوطن سوريا.

إنّ من الملفت للنظر هو أنّ وحدات حماية الشعب YPG التي تصفها تركيا بالقوّات الإرهابية هي من المكون الرئيسي في قوات سوريا الديمقراطية التي تعدّ الذراع العسكري البري للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف نرى أنّها غير إرهابيّة في موضع ما مثل شرق الفرات، وإرهابيّة في غرب الفرات؟

لم تخرج طلقة واحدة باتّجاه تركيا طيلة سيطرة وحدات حماية الشعب على عفرين، مع أنّ تركيا ظلّت تقصف بين الحين والآخر القرى الحدوديّة، وتقتل كل شخص يجتاز الحدود، وهناك وثائق ودلائل على إطلاق النار على مدنيين حاولوا عبور الحدود.

لو سألنا هذه الدماء العفرينيّة التي سالت من أجل الدفاع عن سوريا في منبج التي معظم سكّانها من العرب، فماذا سيكون ردّ تلك الدماء؟ ماذا سيكون ردّ الشهيد؟

ما يثير التساؤل هو مشاركة هذه الفصائل العربيّة السوريّة في حملة (غصن الزيتون) كما سمّاها مهاجمو عفرين، مع أنّ هذه الفصائل لم تحارب تنظيم داعش، بل انضم معظمهم إلى داعش ولهم أقارب قتلوا في داعش، أتراهم يريدون أن يثأروا لذويهم وأقربائهم من داعش الذين قاتلهم الكرد والعرب على السواء، ابتداءً من عفرين وصولًا إلى ديريك، هذا غير الدماء العالميّة التي اختلطت بالدماء الكرديّة العربيّة لتنقذ العالم من شرّ هذا اليلاء الكوني، أهكذا يكون الردّ بالمقابل؟

لدينا وثائق وسجلّات لعشرات الشهداء من شبّان عفرين إذا اقتضت الضرورة، فهم كانوا في ريعان شبابهم، فهل يكون الردّ بأن نكافئهم بهذه الطريقة؟ ويغزو التركي دياره ويرميها بالطائرات والمدافع؟ إنّنا من هنا نناشد الصوت الإنساني في العالم لكي يمنع الطائرات التركيّة من التحليق فوق أجواء عفرين، والوقوف أمام الغزو التركي لعفرين، وقتله المدنيين، والكفّ عن هذه الاعتداءات غير الإنسانيّة.

إنّ نسبة الشهداء من مواطني عفرين التي ساهمت في تحرير كوباني ومنبج والرقّة قد وصلت إلى درجة كبيرة، ففي كوباني وصلت النسبة إلى أكثر من 20%، وقد تبوّأ الشبّان العفرينيّون مناصب قياديّة في قوّات سورية الديمقراطيّة.

وهناك وجود كبير ملحوظ في الفصائل العربيّة المقاتلة في عفرين، وهناك كتائب كبيرة من المقاتلين العرب تقاتل جنبًا إلى جنب مع وحدات حماية الشعب.

ويمكننا القول: إنّ عدد النازحين العرب الذين أتوا من مناطق درع الفرات (مناطق الشهباء) والرقة وحلب وإدلب وحتى بقيّة المناطق السوريّة كحماة وحمص ودرعا ودمشق… قد تجاوز المليون نازح، وبإمكان أي منظّمة أو شخص أن يوثّقا هذه الأرقام.

وعندما نحلّل جملة (غصن الزيتون)، فسندرك حينها معنى الحملات العثمانية التي لا تعرف سواء الرداء اللامع، والسفربرلك الذي يحمله طيّات الكلمات الرنّانة، كما فعل جمال السفاح، عندما تقرّب من المثقّفين العرب حينها، وراح يتودّد لهم عبر الكلام المعسول، وهو يخبّئ الخوازيق لأولئك الشهداء العظماء:

 

ولنستحضر هذه الوثيقة عن شهداء ما قبل السادس من أيار وما بعده:

– الخوري يوسف الحويك، شنق في دمشق، في 22 آذار من عام 1915‏.

– نخلة المطران ابن بعلبك أعدم في الأناضول في 17 تشرين الأول عام 1915‏.

– الشقيقان أنطوان وتوفيق زريق من طرابلس الشام، شنقا في دمشق عام 1916‏.

– يوسف سعيد بيضون من بيروت، شنق في عاليه في 10 آذار عام 1916‏.

– عبد الله الظاهر من عكار، شنق في بيروت، في الأول من آذار عام 1916‏.

– الشقيقان فيليب وفريد الخازن من جونية، شنقا في بيروت في 2 أيار عام 1916‏.

– يوسف الهاني من بيروت، شنق في بيروت في نيسان عام 1916‏.

– الشيخ محمد الملحم شيخ عشيرة الحسنة في بادية الشام، شنق في دمشق عام 1917‏.

– فجر المحمود من عشيرة الموالي شنق في دمشق عام 1917‏.

– شاهر العلي من عشيرة التركي، شنق في دمشق على إثر إعلان الثورة العربية الكبرى عام 1917‏.

– الشيخ أحمد عارف مفتي غزة وولده، شنقا في القدس عام 1917‏.

 

شهداء الحادي والعشرين من آب

– عبد الكريم محمود الخليل: من مواليد الشياح في بيروت 1886، مؤسس المنتدى الأدبي، خريج مدرسة الحقوق.

– عبد القادر الخرسا: ولد في حي القيمرية بدمشق عام 1885، كان يؤمن بالقومية العربية، وقد هتف بها ساعة تنفيذ إعدامه.

– نور الدين بن الحاج زين القاضي: ولد في بيروت 1884، وقد استولت السلطات على مراسلات ورد فيها اسمه، فسيق إلى الديوان العرفي الحربي في عاليه، ونال تعذيباً وتنكيلاً في السجن قبل إعدامه.

– سليم أحمد عبد الهادي: ولد في نابلس 1870، انخدع بوعود جمال باشا فاستسلم له، وأخذ من جنين، وسيق إلى عاليه، وكان نصيبه الشنق في اليوم التالي.

– محمود محمد نجاعجم: ولد في بيروت 1879، واستقبل موته باسماً هادئاً، وكانت آخر كلمات قالها بتحد: «روحي فداء لعروبة بلادي، واستقلالها، عشت شريفاً وأموت شريفاً».

– مسلم عابدين: ولد في حي سوق ساروجة بدمشق 1898، أصدر جريدة دمشق التي استمرت سبعة أشهر وكانت منبراً للأدباء، صحفي لامع، كتب في وصيته المؤثرة أن يدفن في دمشق وقد سامح من وشى به والذي كان سبب إعدامه.

– نايف تللو: ولد في دمشق 1885، عمل صحفياً مراسلاً لجريدة المقتبس، كتب العديد من المقالات الوطنية والحماسية، وقد آثر الموت بإباء وشمم دون أن يعرض غيره للهلاك، وكان صابراً متجلداً، رغم ما لقيه من عذاب وتنكيل.

– صالح أسعد حيدر: ولد في بعلبك 1884، سلمه عمه إلى جمال باشا، فكان نصيبه الإعدام، وكانت آخر كلماته: «نموت ولتكن جماجمنا أساس الاستقلال العربي»، وقد أمر جمال باشا بنفي أسرته الى الأناضول.

– علي محمد الأرمنازي: ولد في حماة 1894، أصدر جريدة نهر العاصي 1912، والتي امتلأت بمقالات تطالب صراحة بالاستقلال والحرية، سأله جمال باشا عما يعرفه عن عبد الكريم الخليل فقال لا أعرفه، ولكن أعرف عبد الكريم الذي كان صديقاً لدولتكم، فاستشاط الباشا غضباً لهذا الجواب.

– محمد المحمصاني: ولد في بيروت 1888، دكتوراه في الحقوق من جامعات فرنسا، ألف كتاباً بعنوان «الفكرة الصهيونية»، عرف عنه الصبر والجلد والتسامي، وصله وهو في السجن أن أهله في حزن عظيم، فأجاب: قولوا لهم «بألا تقلقهم الحوادث ولا تضعفهم الكوارث، فالإنسان يُعرف وقت المصائب.

– محمود المحمصاني: ولد في بيروت عام 1884 وتخرج في مدرسة بيروت، وكان يتقن اللغات العربية والتركية والفرنسية، عمل موظفاً في مصلحة البرق، قال عند وفاته: «كنت أقرأ في السجن كتاباً يتحدث عن شقيقين قتلا في سبيل تحرير إيطاليا، وقال لأخيه وهو يودعه: عسى أن نكون كلانا من محرري بلاد العرب».

وقد حاول بعض المقربين لدى جمال باشا السفاح التوسط للعفو عن أحد الأخوين كي يبقى والدهما مفجوعاً بأحدهما، لكنه رفض وأعدمهما في لحظة واحدة، وكان الهدف من ذلك واضحاً، وهو التخلص من القوميين العرب الذين كانوا يطالبون بحق العرب في الحرية والاستقلال.

 

شهداء السادس من أيار

– شفيق بن أحمد المؤيد العظم: ولد في دمشق 1857، وتلقى تعليمه الأول في كتاتيبها، ثم تابع تعليمه في بيروت وعمل فيها، وكان معاون مدير في قلم الدفاتر في سورية، ومترجماً في القصر السلطاني، ثم مندوباً للدولة في صندوق الدين التركي، وكان عضواً بارزاً في مجلس النواب، وله فيه وقائع مشهورة ضد زعماء جمعية الاتحاد والترقي. كان شاعراً وأديباً وكاتباً مجيداً وموهوباً وكان مثقفاً ثقافة عميقة، ويعد مرجعاً كبيراً في علم الاقتصاد والمال. ساهم العظم في تأسيس عدد من الأحزاب والجمعيات السياسية القومية منها: حزب الإخاء العربي العثماني، الحزب الحر المعتدل، حزب الحرية، حزب الائتلاف، ونشط بشدة لنشر أفكار القومية والسعي لاستقلال العرب، فكان ذلك سبباً في إعدامه.

– عبد الوهاب بن أحمد الانكليزي: ولد في قرية المليحة بـغوطة دمشق عام 1878، ولقب بالمليحي، أما اسم بالإنكليزي لأن جده الرابع كان عصبي المزاج، وكان يقال له: «إنك مثل البارود الإنكليزي» فغلبت عليه هذه الكنية، تعلم في دمشق، ودرس الحقوق في الأستانة،عين قائم مقام في إحدى مناطق ولاية حلب، ومفتشاً للإدارة الملكية في بيروت وبروسة، كما عمل في المحاماة، ويعد كاتباً أديباً من الطراز الأول في اللغة التركية، له العديد من المقالات في السياسة والاجتماع والتاريخ، كان يتقن اللغة التركية والفرنسية والإنكليزية إضافة إلى لغته الأم العربية. قال عنه طلعت باشا الاتحادي المشهور ووزير الداخلية: «لو كان عند تركيا عشرة رجال من عيارك لعدت من أرقى دول العالم»، واقترح عليه الهروب قبل محاكمته فرفض.

– الأمير عمر عبد القادر الجزائري: وهو حفيد الأمير عبد القادر الجزائري الشهير، ولد في دمشق 1871، وقد شنق بالرغم من أنه كان بعيداً عن السياسة، استدعاه جمال باشا إلى القدس، وحوله إلى ديوان الحكم العرفي بتهمة أنه كان واسطة التعارف بين شكري العسلي وعبد الوهاب الانكليزي وقنصل فرنسا، وفي 14 آذار سجن جمال باشا الأمير علي الجزائري شقيق الفقيد وأوقفه مع ولده حتى يتم تنفيذ الحكم، وبعد إعدامه صادر جمال باشا أملاكه ومنها قصره في دمر، وقد جعله السفاح مستوصفاً للضباط.

– شكري بن علي العسلي: ولد بدمشق 1868 وكان عضواً في مجلس الأعيان ومفتشاً سلطانياً، تلقى تعليمه الأول في المدرسة البطريركية ثم في المدرسة البستانية، قبل أن يتابع تعليمه في المدرسة الكلية الأمريكية في بيروت، وأتم دراسته العليا في المدرسة الملكية في الأستانة، وعمل إدارياً في حكومة دمشق. انتخب عضواً في مجلس المبعوثان وعرف بخطاباته دفاعاً عن الأمة العربية ومعارضة التتريك، ولا سيما معارضته بيع الأراضي العربية بفلسطين لليهود بوساطة جاويد بك وزير المالية التركي، حيث أسقط ذلك المشروع في البرلمان التركي، بعدها حقد عليه الاتحاديون وكانوا لا يجرؤون على التعرض له لما يتمتع به من حصانة برلمانية، كان أديباً وروائياً وصحفياً لامعاً.

– رفيق بن موسى رزق سلوم: ولد في حمص عام 1891، درس في حمص وبيروت والأستانة، مؤلف كتاب «حياة البلاد في علم الاقتصاد»، وكتاب «حقوق الدولة»، وجاء في 800 صفحة ولم يطبعه، وألف رواية سماها «أمراض العصر الجديد»، وكان حقوقياً مارس الصحافة وتدريس اللغات الأجنبية (الروسية- اليونانية- التركية)، كان عضواً في الجمعية القحطانية، كما ساهم بتأسيس جمعية العهد، وكانت جريمته كتابة الشعر الحماسي لتهييج أبناء وطنه ودعوتهم للمطالبة بالاستقلال، وكان في عمر الخامسة والعشرين عندما استشهد.

– الشيخ عبد الحميد الزهراوي: ولد في حمص 1855، ، ودرس في كتاتيب حمص ثم في المدرسة الرشيدية، ومدرسة المعارف، كان طالباً متفوقاً فاق أقرانه وتقدم رفاقه وأترابه في الدرس والتحصيل، وتابع تحصيله العلمي في الآستانة والقاهرة، عمل في الصحافة، وأصدر جريدة المنير في حمص، ولكن السلطات العثمانية ما لبثت أن أوقفت هذه الصحيفة، فسافر الزهراوي إلى الآستانة وعمل هنالك في صحيفة معلومات، انتخب سنة 1908 في مجلس الأعيان (المبعوثان)، وترأس المؤتمر العربي في باريس سنة 1913، وقد تعرض مراراً للملاحقة من السلطات العثمانية. عند إعدامه انقطع الحبل به، فرفع من جديد، وشد من رجليه شداً قوياً حتى قضى نحبه ودفن في مقبرة باب الصغير.

– رشدي بن أحمد الشمعة: ولد بدمشق 1856، وهو وجيه دمشقي مشهور بمكارم الأخلاق، درس في اسطنبول الأدب والقانون، وشغل منصب رئيس كتاب مجلس إدارة الولاية والمدعي العام للمجلس، انتخب نائباً عن دمشق في مجلس الأعيان (المبعوثان)، وهناك دعا لمكافحة سياسية التتريك والدفاع عن الثقافة العربية، وهو كاتب وشاعر معروف، كانت خلاصة قرار الاتهام الموجه لرشدي الشمعة هي: «كان قد ألقى في دور التمثيل محاضرات تشجع الانفراد العربي واستقلاله، وكان مشتركاً في تشكيلات الجمعية اللامركزية».

شهداء بيروت في السادس من أيار

– بترو باولي: ولد في بيروت 1886، أصدر مع رفاقه جريدة الوطن، ثم حرر جريدة المراقب، وفي تشرين الثاني 1914 اعتقل وسجن في دمشق، ولم يفلح توسط القنصل اليوناني في إطلاق سراحه بادئ الأمر، إلا أنه تم إطلاق سراحه بعد دفع البدل النقدي عن خدمته العسكرية، ثم أفرج عنه، وفي شهر آذار 1916 سيق الى عاليه وجرت محاكمته أمام الديوان العرفي الحربي، وكان استشهاده عبرة وموعظة لأبناء الوطن العربي المخلصين.

– جرجي موسى الحداد: ولد في بيروت 1880، كان أديباً وثائراً بليغاً، وقد امتهن الصحافة وأقام في دمشق، وكان يبلغ من العمر السادسة والثلاثين حين إعدامه، وقد نشر بعض المقالات الوطنية في جريدة العصر الجديد، يطالب فيها باستقلال بلاده.

– سعيد فاضل بشارة عقل: ولد في الدامور 1888، اشتد ولعه بنظم قوافي الشعر، وأصدر في بلاد الغربة جريدة صدى المكسيك وتولى تحرير عدة جرائد بالوطن، وترأس تحرير جريدة النصير، كان لولب الحركة السياسية بما يحظى من دعم الرأي العالمي، وفي 10 شباط 1916 قبض عليه وأبدى شجاعة وصبراً وجرأة نادرة حتى في لحظة موته، تقدم إلى منصة الإعدام وهو رابط الجأش ثابت الجنان، وأوصى الطبيب بشد رجليه عندما يتأرجح في الفضاء للتعجيل بالموت.

– عمرمصطفى حمد: ولد عام 1893، وهو مصري الأصل، لبناني الولادة، درس اللغة العربية على يد أعلامها، وترك بعد استشهاده قصائد جمعت بديوان من مائة صفحة، حاول الفرار مع رفاقه الثلاثة إلى البادية، لكن السلطات التركية ألقت القبض عليهم في مدائن صالح، وسيق إلى السجن ثم المحاكمة فالموت على أعواد المشانق.

– عبد الغني بن محمد العريسي: ولد في بيروت 1890، أصدر جريدة المفيد وكانت لسان العرب في دعوتهم إلى استقلالهم، وقد أوقفتها الحكومة التركية عدة مرات، وفي عام 1914 انتقل مع جريدته إلى دمشق، ثم اختفى عن الأنظار مع إخوانه الشهداء وقبض عليهم في مدائن صالح، قال قبل إعدامه: «إن مجد الأمم لا يبنى إلا على جماجم الأبطال، فلتكن جماجمنا حجر الزاوية في بناء مجد الأمة».

– الأمير عارف بن سعيد الشهابي: ولد في حاصبيا 1889، وكان محرراً في جريدة المفيد، ومن المحامين اللامعين، هرب مع رفاقه الثلاثة إلى البادية وقبض عليهم في مدائن صالح، ويعد من رواد القومية العربية.

– الشهيد أحمد طبارة: ولد في بيروت 1870، دخل معترك الصحافة وكان من البارزين فيها، أصدر جريدة الاتحاد العثماني وجريدة الإصلاح، وامتاز بقلمه البليغ في نصرة القومية العربية، مؤسس أول مطبعة إسلامية في بيروت، لقي أهوال التعذيب، فصمد، اقتيد إلى منصة الإعدام فصعد إليها بإيمان وجرأة مشهودين.

– توفيق أحمد البساط: ولد في صيدا بلبنان 1888، خدم بالجيش ضابط احتياط، ألقى قصيدة وطنية أنشدها الضباط أمام السفاح جمال باشا، على أثرها أمر السفاح بسوقهم إلى جبهة جناق قلعة، وقد ألقي القبض عليه مع رفاقه في مدائن صالح، كان هادئاً وصابراً عند محاكمته رغم ما لقيه من تعذيب وتنكيل، وهتف على المشنقة: «مرحباً  بأرجوحة الشرف، مرحباً بأرجوحة الأبطال، مرحباً بالموت في سبيل الوطن»، ووضع الحبل بنفسه وركل الكرسي.

– سيف الدين الخطيب: ولد في دمشق 1888، مؤسس المنتدى الأدبي، وينتمي إلى أسرة مثقفة، تلقى العلوم على أعلام عصره وكان شاعراً كاتباً أديباً، قوي الذاكرة، كبير الحجة، ذا شفقة، محباً للخير، واستشهد في سبيل المبادىء الوطنية والقومية التي كان يطالب بها.

– علي بن محمد بن حاجي عمر النشاشيبي:  ولد في دمشق 1883، ويعود أصله إلى القدس، كان مثقفاً ومتعلماً، وفي 1 آذار 1916 ألقي القبض عليه وسيق إلى الديوان العرفي في عاليه، تعرض للتعذيب والإهانات وأعدم شنقاًً.

– العقيد سليم بن محمد سعيد الجزائري: ولد في دمشق 1879، كان من الضباط العرب بالجيش التركي وخاض حرب البلقان، صرخ بالجلاد: «قل لجمال أن روحي ستظل حية، وستعلم أبناء الوطن من وراء القبر دروس الوطنية»، واستشهد ببزته العسكرية بعدما رفض نزع شاراته ورتبته العسكرية.

– العقيد أمين بن لطفي الحافظ: ولد في دمشق 1879، من الضباط العرب، عندما وقف على كرسي الإعدام، تناول الحبل ووضعه بنفسه حول عنقه، ولكن الجلاد عاجله بركلة الكرسي قبل إحكام ربطها، تعذب كثيراً حتى قضى نحبه.

– محمد جلال الدين بن سليم البخاري: ولد في دمشق 1894، كان حقوقياً وعضواً في إحدى المحاكم الكبرى، وضابطاً كبيراً في الجيش التركي، سيق إلى الديوان العرفي الحربي في عاليه لمطالبته بالإصلاحات، حنق الاتحاديون عليه وضيقوا بعداواتهم الخناق عليه.

– محمد الشنطي: وهو مناضل عروبي من يافا.

 

المصادر

–           حديث الثقلين – نجم الدين العسكري

–           السادس من أيار/ عيد الشهداء/اكتشف سوريا/06 أيار 2009

–           عبد الرحمن الكواكبي/طبائع الاستبداد

–           خليل مطران/ديوان خليل مطران

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password