بين الشاعر والفرات

طارق علوان

عشق أبديٌ متجذِر ومتجدِد، هذا الذي يربط أبناء الفرات بأرضهم، وبترابهم، وبنهرهم العظيم الذي جرى في واديه، فأيقظ غافيَ البشر، وبعث الحياة في الأرض والطَير والشَجر، وكالآسي مرَبنميره العذب الرَقراق على صفحات نفوسهم، فوسمها بالطيبة والمروءة والنقاء ؛ وإذا بالفرات هو الإنسان والإنسان هو الفرات، وإذا بالفرات والإنسان صنوان .                     الفراتي لصيقٌ بترابه، عاشقٌ لنهره، متيَمٌ بشجره ودوِه وسمائه .. به يزهو، وإليه ينتسب، وبشمائله يتباهى، ولطالما تاه به فخراً، وأنشد فيه شعراً. ولكم هاج شاطئُه المحزون حنينَ مُغتربٍ، فراح يحلم بشميم عبق الزَيزفون على جنباته.

وعلاقةُ إنسانِ هذه البقعة العزيزة من وطننا الغالي بالفرات علاقةٌ أزليَة قديمةٌ قِدمَ التَاريخ، وهي تزداد عمقاً وأصالةً وثباتاً يوماً بعد يوم .. بادلوه الحبَ بالحب ، والجود بالجود .. غزل بمائه، وطبيعته الغنَاء ألوان أمسياتهم، وغزلوا فيه شعراً ملأ الآفاق.                                                                                                                                 ولقد كان الفرات وما زال ، مصدر إلهامٍ لأدبائهم وشعرائهم، ففي صباحاته الجميلة أودعوا أجمل ذكرياتهم، وفي أماسيه السَاحرة أبدعوا أرقَ وأحلى حكاياتهم وأشعارهم، ومن لياليه المُظلمة صنعوا كحل مراودهم، ومن فيافيه القاحلة، وبواديه السَاهرة، وألوان خمائله المُسكرة استعاروا رسومهم، وصاغوا أندر منحوتاتهم، وعلى أمواجه الحِسان سافروا، زادهم الخيالُ والسِحر والعطر والجمال.. صاديةً قلوبُهم، وكؤوسُ الحبِ في أيديهم يرشفون من رحيقه خمور أمنياتهم.

هذا شيخ شعراء الوادي المُتقدِم الذي فاز بلقب النِسبة إلى النَهَر العظيم ، محمَد الفراتي، يستحثُ الشعراء ويهيب بهم أنْ يُغدقوا على محبوبه معنىً جديداً من معاني الخلود في قصيدهم. يقول :

  • ذاك نهر الفرات فاحبُ القصيدا           من معاني الخلود معنىً جديدا
  • باسماً للحياة  عن سلســبيلٍ          كلَما  ذقـــته   طلـــبت  المزيدا

وذاك الشَاعر تميم صائب يرى أنَ الفرات هو المآل مهما طال الاغتراب وبعُدت مسافةُ العاشق عنه، فهو قد اصطفاه لقلبه المُتيَم فيه وبأشجار الحور ـ أشجار الغَرَب كما يحلو لساكني هذا الوادي تسميتها ـ فيقول في ديوانه “حُزْنُ الجواد المُتعَب”:

(يا فراتُ

لا تلُمْ عاشقاً

غطَس القلب في مائك الغربيِ..

وعلَق عينيه تعويذةً

فوق صدر الرِمال

منك نبدأ يا نهر رحلتنا

وإلى راحتيك المآلُ)

ثمَ في ديوانه “هذا حصادي” يذوب عشقاً وكلَفاً فيه فيقول بصوفيَةٍ متناهية، وبرقَةٍ نادرة وشفافيَةٍ تماهت ومياه النَهَر الرَائقة: إنَه لا شفاء إلَا بمائه، ذاك الذي له وَحْدَه يُحرقُ البخورُ، وله وحْده لمسةُ الأنبياء، وصلواتُ الحصى، وسجودُ الشَواطي ..، مُتذكِراً مرحلة طفولته التي أمضاها حوله مع صحْبه الصِغار وألعابهم :

( فراتي لقلبي

يشاركني فيه أطفالُ حارتنا

لاعبوكرةِ الماء ..

نخلُ الشَوارعِ ..

صفصافةُ الجسر ..

شمعُ النُذور

…………….

كلُ ماءٍ ـ سواه ـ  بطيءُ الشِفاء..

له وحْدَه لمسةُ الأنبياء

وعطرُ البخور

له صلواتُ الحصى

وسجودُ الشَواطي… )

ولعلَه لا أجمل ولا أكثر وضوحاً من تلك الأبيات التي تشهد بعمق ارتباط الشَاعر بفراته وشدَة انتمائه لترابه، وتشبُثه به، وعظيم إعجابه بالحضارات التي نمت وتألَقت على صعيد                وادي الفرات، وزانت شواطيه . ولنقرأ هذه الأبيات التي صدَحَ بها الشَاعر عقيل محمَد سعيد العرفي والتي يقول فيها :

أبدى المحاسنَ للأنام جميعا                           نهرُ الفرات بما أطلَ  بديعا

نهرُ الجمال إذا مشى في خطوه                     خِلتَ الخريفَ بضفَتيه ربيعا

أكرِم بنهرٍ هلَ  من  تاريخه                         مجدٌ أطلَ على الزَمان رفيعا

ويقول مُخاطباً النَهَر :

أيُها الواهبُ  للناس الحياةْ                           من حناياك تفيضُ  المكرماتْ

خضرةٌ للعين مُذْ قد زانها                            خالقُ  الكون   قطوفاً  دانياتْ

يا سميراً تاه  يزهو ملهِماً                              أعذبَ الشِعر وأحلى  الكلماتْ

عجزَ الوصفُ وحارتْ  كتبٌ                          دَوَنت قولاً وصاغت ملحماتْ

تتمشَى  جذِلاً  في أرضنا                               تزرعُ الحبَ وتسخو بالهباتْ

أيُها  السَائل عن  تاريخنا                             هو ذا التَاريخ في وادي الفراتْ

وهذا الشاعر ماجد الراوي يحدِثناعن شطِ الفرات، ويُعلنُ عشقه للنَهَر، وحنينَه الدَائب إليه . يقول :

يلوحُ  بشطِ  الفرات  القمرْ

ببرد  ملاكٍ  ووجه  بشرْ

عشقناك يا نهرنا في الزمانْ

كعشق الرِمال  لماء المطرْ

فراتُ  لَأَنْت  حنينُ القلوب

وعند الشَواطي حفيفُ الشَجرْ

فراتُ سَبَرت قرونَ الزَمانْ

وصاحبْتَ ذا الدَهر مُنْذُ الصِغرْ

نبعت من الخُلْد  قبل الحياة

فكنت  نعيماً       لكلِ  البشرْ

هكذا ألِف الفراتيون الحياة َعلى شطِ الفرات، وعشقوه كعشق الرِمال الصادية لماء المطر، فكان لهم نعيماً يعزُ عليهم أن يفارقوه، في ليله السَاجي حاكوا أمتع قَصصهم، ونسجوا أروع قصائدهم وعلى ترجيع الطَيرفي دوحه وفي سمائه عزفوا أعذب ألحانهم، وفي حقوله وبساتينه الغنَاء وبرِه الآسِر سطَروا أحلى ذكرياتهم، وعلى شاطئيه أفعموا الدُنيا حيويَةً وغِنىً بجدِهم وكدِهم  .. سقوا ترابه بعرقهم، وروَوه بدمائهم الزَكيَة، فوهبَهم الحياة والأمن والطُمأنينة ..، ومن أصائله الحالمة وأماسيه المُقمرة، استلهموا رُؤاهم وصورَهم، وأجمل أشعارهم .

وهكذا حملوه تحت جوانحهم وَجْداً، وحبَاً سرمديَاً .. فلا غرابة إذا فارقوه أن تكتويَ قلوبُهم حنيناً وشوقاً، وأن تتبدَد نفوسُهم أسَفاً وحسرةً لفراقه، فلا تنطفي جمارُ شوقهم المُشتعلة إلَا برماده، ولاترتوي غللُهم الصًادية إلَا بمائه . وسيظلُ نَهَرُ الفرات على مرِ الزَمان يسكنُ وجدانَ الشَاعر الفراتي، ويُحرِك سُكَان أحاسيسه ومشاعره، ويُلهب ويؤجِج عواطفه، ويُذكي قوافيه، ويغذو عبقريَته، ويرفد خياله بأبهى آيات الإبداع .

ولْنُنْصِتْ أخيراً إلى نبض قلب الشَاعر الفراتي ياسر شكري الياسين وهو يصف علاقتَه بالفرات حيث يقول :

( أحسُ به يُعانق روحيَ العطشى

يُجالسُني

أبوحُ له

خجولاً أنفضُ الشَكوى

تُطالعني رُؤى عينيه

…………………………………

تنساب أنفاسي فتغرق في طهارة حبِه الأبديِ

يعزف مُثقلاً بالحزنِ

آهاتٍ تناديني

أحسُ به يسافر في شراييني

أحسُ به

بلا شطآن يحملني

يشدُ يدي

ندور معاً

نسير معاً ).

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password