درع الفرات .. الجهاد فى سبيل السلطان أردوغان

 

محسن عوض الله

“لا يحق لهم أن يسألوا تركيا ماذا تفعل في العراق وسوريا ” عبارة أطلقاها الرئيس التركي فى أواخر أكتوبر من العام الجاري تلخص بشكل كبير القاعدة التي تحكم العقلية التركية التي تميل بشكل كبير لنظرية البلطجة وفرض الأمر بالقوة خاصة فيما يتعلق بقضايا سوريا والعراق .

ربما أردوغان نفسه لا يعرف ماذا يفعل فى سوريا تحديدا ، فتركيا التي لم تغب عن المشهد السوري منذ بداية الحراك الثوري فى مارس 2011 تباينت مواقفها ومواقعها وأدوارها خلال تلك السنوات بصورة لم تحدث من قبل ، فالتقلبات فى الموقف التركي بشان سوريا يصعب فهمها فى سياق منطقي واحد سوي معاداة الكرد والإستعداد لفعل أى شىء والتنازل عن كل شىء لمواجهة سعيهم لإنشاء إقليم فيدرالي ربما يكون نؤاة لدولة سورية اتحادية تتسع الجميع .

فى كلمته التي ألقاها فى أواخر أكتوبر خلال حفل افتتاح مشاريع تنموية في ولاية “قونية” التركية ، قال اردوغان أن “الشعب التركي مصمم على تبوء المكانة الصحيحة في العالم الذي يعاد بناؤه” ، بالعطف على الفقرة الأولي نجد أن أردوغان يعتبر أن التدخل في سوريا والعراق هو بوابة تركيا لتبوء مكانتها الصحيحة فى العالم الجديد .

إذن فالهدف الأساسي من التدخل التركي فى الأزمة السورية كما يتضح من تصريحات أردوغان ليس دعم الثورة السورية أو مساعدة السوريين بل تحقيق مصلحة تركيا كقوة اقليمية لها مصالح محددة تخدم مصالح طبقة رأسمالييها الكبرى، الاقتصادية والسياسية، كما لها مصالحها الجيو سياسية الخاصة، لذلك فإن الموقف الرسمي التركي لا ينبع، كائناً ما كان، من اعتبارات اخلاقية أو دينية كما يزعم ويعتقد بعض المغيبيين، بل إن الحكومة التركية سعت وتسعي من خلال تشكيل شبكة عملاء لها داخل سوريا، من اجل تعزيز مصالحها وتحقيق أهدافها فحسب.

المكانة الصحيحة التي يريدها أردوغان أن تكون تركيا هي القوة المهيمنة سياسياً واقتصادياً في الشمال السوري، بخاصّة مناطق غرب نهر الفرات، ابتداءً من جرابلس شمالاً وحتى إدلب وريفها الذي يكتسي أهمّية خاصّة نظراً لتداخله الجغرافي مع ريفي اللاذقية وحماه، وهذا ما يضمن لتركيا إمكان التأثير في تلك المناطق مستقبلاً.

فى سبيل الوصول للمكانة الصحيحة لتركيا لا مانع لآردوغان أن يتاجر بالسوريين وثورتهم ويتحالف مع أعدائهم وينقلب على كل تعهداته بدعمهم فهي فى النهاية كلمات صيغت خصيصا لاستمالة قلوبهم بما يحقق هدف الرئيس التركي بصناعة شبكة متعاطفين أو مجموعة من الدمي الذين يأتمرون بأوامره ويتحركون بأجهزة التحكم عن بعد التي يديرها أردوغان ومخابراته .

نقطة التحول

كان أردوغان، على الأقل في السنوات الأربع الأولى التي تبعت مارس 2011، في نظر الكثير من الجماعات المسلحة حتى تلك التي يقال إنها متطرفة مثل جبهة النصرة، “يمثل الرئة التي تتنفس منها الثورة السورية”، فقد فتح حدود بلاده مع سورية على مصرعيها للمقاتلين ، وقدم دعماً لوجستيا وعسكرياً كبيرين للثوار، كما استقبل ثلاثة ملايين لاجئ سوري في بلاده.

مثلت محاولة الإنقلاب العسكري فى تركيا نقطة تحول فارقة فى سياسة أردوغان تنجاه الأزمة السورية ، فرغم أن الإنقلاب فشل فى اسقاط أردوغان وكان من المفترض ان يخرج منه أكثر قوة الأ أن العكس هو ماحدث تماما فبعد فشل المحاولة الإنقلابية فى 15 يوليو 2016 تباينت مواقف أردوغان تماما من الأزمة السورية وتحولت قبلته باتجاه البيت الأحمر حيث يرتع الدب الروسي الماكر فلاديمير بوتين.

تحول الخطاب التركي من شعبوي يخاطب السوريين عن الثورة إلى أمني يتحدث عن مواجهة الإرهاب الذي يمثله الجماعات التكفيرية وقوات حماية الشعب الكردية بشمال سوريا عدو اوجلان الأزلي.

الغريب فى الأمر أن قوات حماية الشعب الكردية التي يتهمها أردوغان بالإرهاب تمثل القوام الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر رأس حربة التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية .

درع الفرات

بعد مرور شهر واحد على الانقلاب الفاشل, وبالتحديد فى 24 أغسطس2016  أطلقت تركيا عملية عسكرية جديدة في سوريا تعرف بـ درع الفرات ، نفذتها بالتعاون مع مسلحي “الجيش السوري الحر” وفصائل متحالفة معه من المعارضة السورية، من أجل تطهير كامل المنطقة السورية الحدودية مع تركيا من “جميع الإرهابيين” وطردهم نحو عمق سوريا، حسب ما تقوله أنقرة.

تباينت الأهداف المعلنة من جانب تركيا حول الهدف من درع الفرات وتباينت التصريحات التركية الرسمية حول العملية ، ففي نوفمبر 2016 اعلن الرئيس التركي أن العملية التي أطلقتها أنقرة بشمال سوريا ترمي إلى التخلص من نظام “الطاغية الأسد” بحسب وصفه وهو الأمر الذي أثار استياء موسكو التي طلبت إيضاحات حول تصريحات أردوغان فما كان من الرئيس التركي إلا التراجع عن تصريحاته مؤكدا أن التدخل التركي يستهدف المنظمات الإرهابية .

كما اعلن رئيس الوزراء التركي على يلدريم الأربعاء 7 ديسمبر 2016 أن التدخل فى شمال سوريا المتمثل فى عملية درع الفرات لا يهدف لتغيير النظام فى دمشق وغير مرتبط بالوضع فى حلب .

بعيدا عن تلون أردوغان وصراحة يلدريم فقد ثبت للجميع أن «درع الفرات» التركية ليس هدفها «إسقاط النظام ولا إسقاط شخص بشار ولا نصرة الشعب السوري والثورة السورية» إنما هي فقط من أجل «منع قيام الدولة الكردية» -وهو ما أكده الباحث أحمد طه صاحب كاتب  “انقلاب تركيا. تحليل ونظرة مستقبلية” و”الشرق الأوسط الجديد“

ساعات جرابلس

وفى أقل من 12 ساعة من بدء العملية وبدون أى خسائر تمكنت قوات درع الفرات من السيطرة على مدينة جرابلس وريفها بدون أدني مقاومة من تنظيم داعش الذي ترك مواقعه بالمدينة للمسلحين الموالين لأنقرة فى حركة أثارت انتباه المتابعين .

هذه السرعة فى تحرير جرابلس من داعش دفعت المعارض السوري مسعود عكو للقول أن عملية تحرير جرابلس كانت عبارة عن تسليم المدينة من دواعش أبو لحية إلى دواعش أبو سكسوكة بحسب تعبيره الذي كتبه على صفحته بمواقع التواصل الإجتماعي .

حقيقة ما حدث فى عملية جرابلس كشفها “محمد جاسم الحسن” أحد المنشقين عن قوات درع الفرات والذي قدم معلومات تفصيلية  عن العملية استمرت 3 ساعات فقط.

وقال الحسن فى  في حوار مع وكالة “ميزوبوتاميا”  : “دخلت تركيا في علاقة مع داعش قبيل العملية، وكانت عناصر التنظيم تاتي لمدينة كار كاميش في جنوب تركيا، كما كان النظام السوري وروسيا على علم بعملية الزحف إلى جرابلس، لدرجة أن وفد من روسيا وحزب البعث الحاكم في سوريا التقوا بالمسؤولين الأتراك في كار كاميش، وعندما دخلت القوات المسلحة التركية إلى جرابلس، تم اختيار 250 من مقاتلي “داعش”، نقلوا عبر معبر كار كاميش، بواسطة حافلات زُودت بلمبات تحذير سيارات الإسعاف، إلى مدينتي كيليس وعنتاب، في جنوب تركيا، وكنت أنا من بين المسؤولين عن تلك الحافلات، أرسلت 6 حافلات إلى مدينة كيليس، ثم عدت إلى كار كاميش. بعد ذلك علمنا هؤلاء سيتم نقلهم إلى المدن الأوروبية”.

وأوضح الحسن أنه” مع السيطرة على مدينتي جرابلس واعزاز، بدأت المجموعات التابعة لقوات درع الفرات عمليات سلب ونهب وسرقة وتعذيب، وأن العشرات من الأهالي توجهون يوميًا لتقديم الشكاوى للمسؤولين الأتراك”، مضيفا “يقول الأهالي أنهم يعرفون مقاتلي تلك المجموعات، وأن ما يقومون به أكثر فظاعة مما كان يقوم به  داعش. أمَّا المسؤولون الأتراك فيكتفون بالاستماع لهم”.

تتريك وتغيير ديموغرافي

دخول تركيا لجرابلس ترافق مع اجراءات تتريك للمدينة ، حيث افتتحت مؤسسة البريد التركية، فرعاً رسمياً لها في المدينة السورية، كما أقامت وزارة الصحة التركية مستشفى سُمّي باسم المدينة، ورُفعت عليه لوحة تحمل شعار وزارة الصحة التركية والعلم التركي وعبارة «الجمهورية التركية – وزارة الصحة – مشفى جرابلس».

كما انتشر على مواقع التواصل مقطع فيديو مصوّر لعناصر شرطة «سورية الحرة» التي أشرفت تركيا على تدريبهم ونشرهم في جرابلس، ظهر فيه قائد الشرطة يهتف لأردوغان وتركيا ومئات العناصر يردّدون خلفه تلك الشعارات. حينذاك، راق الأمر للإعلام التركي، فقامت مختلف محطات التلفزة والمواقع الإلكترونية التركية ببثّه.

ولفت الحسن المنشق عن درع الفرات  إلى أن تلك المجموعات يقصد “درع الفرات” أحضرت عددًا كبيرًا من عائلات الأوزبك والتركمان إلى المنطقة، بدلًا من الكرد والعرب، وبهذا تم التلاعب بالتكوين الديموغرافي”، مؤكدًا على أن “العائلات العربية والكردية التي أعربت عن رفضها لذلك اضطرت للهجرة من المنطقة”.

وقال “بدأت المدارس تقديم دورات لتعليم اللغة التركية، وأعلن الأهالي عصيانهم أربعة مرات، وخرجوا إلى الشوارع، ولكن المسؤولون الأتراك استمروا فيما يقومون به”.

على الرغم من أن الحكومة التركية أعلنت انتهاء عملية درع الفرات “بنجاح” في شهر مارس, إلا أن تلك العملية لم تترك وراءها إلا قطعة صغيرة من الأرض (تغطي أجزاءً متفرقة من إعزاز, وجرابلس, والباب) تحاصرها قوات الأسد في الجنوب, وقوات حماية الشعب الكردية في الغرب من جهة مدينة عفرين (بالتعاون مع القوات الروسية) وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة قوات حماية الشعب الكردية من جهة الشرق في مدينة منبج ( بالتعاون مع القوات الروسية والأمريكية).

ولعل الأمر الأكثر إذهالاً, هو إعلان تركيا انتهاء عملية درع الفرات, من دون تحقيق أحد أهم أهدافها: انتزاع مدينة منبج من قوات سوريا الديمقراطية بعد تحرير مدينة الباب من قوات داعش. كانت قوات سوريا الديمقراطية في شهر مارس قد سلّمت أطراف مدينة منبج لنظام الأسد, في ظل صمت تركي مطبق.

صفقة حلب

شهدت مدينة حلب نهاية عام 2016 وقائع مأساوية ومحزنة، جراء استهدافها من قبل نظام الأسد، مما أسفر عن مقتل العشرات من أبناء الشعب السورى الأبرياء.

وسقطت حلب بشكل مفاجىء بيد قوات النظام بعد أكثر من 4 سنوات من سيطرة المعارضة على المدينة ، وهو الأمر الذي أثار تعاطفا عالميا نظرا لما أرتكبته القوات الحكومية من مجازر بحق المدنيين .

المهندس الملقب أبو إبراهيم المقرب من «جبهة فتح الشام» كشف لـجريدة  «القدس العربي» فى عددها الصادر بتاريخ 7 ديسمبر 2016 حقيقة ما حدث بحلب قائلا ” ما حدث أمر بديهي لا يحتاج إلى شرح، هو اتفاق بين الروس والأتراك على أن درع الفرات مقابل حلب المدينة».

وأضاف : «لم يعد التفاوض مع الروس سرًا، بل أصبح أمرًا معروفًا للجميع، إذ أن الفصائل التي تتلقى الدعم التركي كلها دخلت عملية المفاوضات، معتبرا انه من السذاجة أن يصدق أحد أن النظام سيطر على أحياء حلب التي خسرتها المعارضة من خلال معارك نفذها، ولو كان الأمر كذلك لكانت هذه الأحياء صمدت شهوراً قبل أن تسقط.

في لقاء أجراه مع موقع “Syria deeply”, أشار تشارليز ليستر, الزميل في معهد الشرق الأوسط, على نحو مناسب إلى أن الأتراك كانوا ” مستعدين لرؤية مدينة حلب تخرج عن سيطرة المعارضة, في مقابل السماح لهم بتأسيس حزام سيطرة لهم في شمال حلب.”

في أعقاب السقوط الحتمي والكارثي لشرق حلب في ديسمبر عام 2016, قام أردوغان بخطوتين سياسيتين, وعلى الرغم من أن الخطوتين كانتا تحملان في ظاهرهما طابعا إنسانيا, إلا أنهما خلقتا المزيد من الصعوبات للشعب السوري- وبخاصة الثوار.

أولا, نسّق أردوغان مع روسيا لتطبيق “خطة إجلاء” المتمردين والمدنيين من المدينة, متظاهرا بتقديم مساعدة إنسانية. فى حين أن الأمم المتحدة ذهبت إلى حد وصف عملية إجلاء السكان في حلب بأنها “جريمة حرب.”

كما اعتبر رئيس المجلس الوطني السوري, أنس العبدا, إن خطة الإجلاء ارتقت لمستوى التطهير السياسي والعرقي للمدينة, حيث تم نقل آلاف السوريين إلى إدلب, حيث تعرضوا هناك لجولة جديدة من الهجمات على أيدي النظام وحلفائه.

عملية إدلب

كانت عملية دخول تركيا لمدينة إدلب شمال سوريا فاضحة بالنسبة لمن يسمون أنفسهم قوات درع الفرات التي يتشكل معظم عناصرها من فصائل الجيش السوري الحر ، فلأول مرة يشارك الجيش الحر وقوات درع الفرات فى عملية عسكرية يدعمها بريا القوات المسلحة التركية وتساندها جويا القوات الروسية الحليف الرئيسي للنظام التي ارتكبت مئات المجازر بحق الشعب السوري !

عملية إدلب التي أعلن عنها فى التاسع من أكتوبر الماضي بعد أقل من أسبوع من قمة روسية تركية عقدت بأنقرة ، وزيارة تاريخية للرئيس التركي للعاصمة الإيرانية طهران ، قبل أن يجتمع الزعماء الثلاثة فى أستانة ليقرروا ضم إدلب لمناطق خفض التوتر عن طريق عملية عسكرية بالمدينة تنفذها فصائل درع الفرات بدعم تركي وروسي.

واقع الحال يشي بأنّ هذا التدخّل مرتبط مباشرةً بالأكراد وسيطرتهم على مناطق واسعة من شمالي سورية، وهو ما ظهر فى إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الهدف من العملية التركية في إدلب عدم السماح بإقامة “ممر إرهابي يبدأ من عفرين ويمتد إلى البحر المتوسط”، في إشارة إلى منع إقامة كيان كردي على حدود تركيا الجنوبية مع سوريا.

اللافت ما تناقلته بعض وسائل الإعلام، نقلاً عن مصادر ميدانية مطّلعة بإدلب ، من أنّ مقاتلي «هيئة تحرير الشام»  أي «تنظيم القاعدة»- رافقوا القوات التركية وأمّنوا لها الحماية حتى وصولها إلى حيث تقرر نشرها وهو موقف يتشابه إلى حد ما مع ما حدث فى جرابلس.

قناة الجزيرة القطرية كشفت عن حقيقة مرافقة عناصر هيئة تحرير الشام للقوات التركية بإدلب حيث ذكرت فى تحليل لها أنه لا خيار أمام هيئة تحرير الشام سوى التعاون مع تركيا، إذ إن المواجهة العسكرية معها ستؤدي إلى نهايتها، كما أن الانسحاب يعني انتهاء مشروعها السياسي، ولعل ثمة ما يوحي بأن الهيئة أدركت هذه الحقيقة بعد أن لوّحت في البداية بالمواجهة.

كما كشفت مصادر من المعارضة السورية بحسب قناة العربية أن العملية التركية جاءت بعد تنسيق استمر أسابيع بين هيئة تحريرالشام ( جبهة النصرة سابقاً) وضباط مخابرات أتراك لضمان عدم وقوع اشتباكات.

ختاما

يبدو واضحا لكل ذي عينين أن أى تحرك تركي تجاه سوريا يرتبط بشكل مباشر بمحاولة الوقوف فى وجه المشروع الكردي العدو الأول لدولة أتاتورك ، ولا يجد أردوغان حرجا من وصف قوات حماية الشعب الكردية بالتنظيم الإرهابي رغم أن معظم الشواهد تكشف عن تنسيق تركي واضح مع التنظيمات الإرهابية سواء وما حدث بإدلب وما كشفه المنشق عن قوات درع الفرات خير دليل .

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password