كوباني، الدروس والعبر

مصطفى بالي

سنواث ثلاث مرت على إطلاق زغرودة البشارة بتحرير كوباني، حيث سالت دموع الفرح والأسى بقدر ما سالت دماء أبناء كوباني وعموم الشعب الكردي دفاعًا عن المدينة التي أصبحت محطّ أنظار العالم آنئذٍ، وما زالت الكثير من خفايا تلك الحرب، وأسرارها، دروسها وعبرها خافية على الأبصار والبصائر، أو إذا شئنا الدقة، فما زالت ملحمة كوباني كأرض خصبة تنمو فيها الدروس والعبر كنبتة الكمأ، كلما زخ عليها مطر بيعي خرجت إلى السطح مستلهمة الحياة من مطر ذاك الخريف، حيث المدن والبلدات، القرى والأرياف كانت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، ووصل العالم؛ العالم بأكمله إلى مشارف التسليم بالأمر الواقع، وأنّ تنظيم داعش ودولته أصبحا جزءًا من الخريطة السياسية والجغرافية للشرق الأوسط، وبدأت بعض دول المنطقة بإقامة علاقات شبه رسمية مع داعش، كان لكوباني رأي آخر، بوصلة أخرى، لا تتواءم مع رياح داعش وحلفائها ، وكان ما كان.

الأوضاع الدولية و انتشار الإرهاب سقوط الموصل

عشية سقوط الموصل تحت قبضة تنظيم داعش ، كانت أوربا تعيش كابوس و رعب انتشار الإرهاب في مدنه ، حيث كان تنظيم القاعدة قد عشش في مختلف المدن الأوربية خلاياه النائمة مستفيدا من الأنظمة و القوانين الأوربية و كذلك مستخدما طاقاته هناك ، لإشغال الأوربيين بأنفسهم و من داخل مدنهم ، حيث كانت تشن الهجمات داخل المدن الأوربية وأصبحت الانفجارات داخل محطات المترو و الأماكن العامة خبرًا اعتياديًّا متكرّرًا في أكثر من مدينة أوروبية وعلى كل شاشات الإعلام.

الكثير من الدول كانت تغضّ النظر عن نمو النشاطات الإرهابية في أوروبا، بعضها انتقامًا من أوربا لكون تلك الدول كانت متضرّرة من السياسات الأوربية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، بالإضافة إلى كونها أساسًا متضرّرة من خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتأتي روسيا على قائمة هذه الدول، أمّا البعض الآخر فكان لا يكتفي بغض الطرف، بل يقدم التسهيلات انتقامًا من النظام الغربي الذي قسم أملاك الرجل المريض، و لأنّه يعيش أحلام استعادة أمجاد السلطنة، والحديث هنا هو تركيا التي لطالما خرج ساستها على شاشات التلفزة ليهددوا أوربا بالإرهابيين حينا و بالمهاجرين أحيانا أخرى.

ما سمي بالربيع العربي كان قد تحول إلى خريف أصفر، محمّل بالغبار، أفقد الشعوب البصر والبصيرة، وتسرّب الإرهاب من خلاله إلى كل الدول والمجتمعات التي اجتاحتها هذه الأغبرة الصفراء، و تحولت البحار إلى جسور خطرة لهروب الشعوب من أتون الحروب التي أشله الإرهابيون في كل مكان ، حتى أصبحت أوربا أمام كابوس حقيقي متمثل بثنائية الهجمات الإرهابية و النزوح الجماعي الذي يجتاح سواحلها.

في الشرق الأوسط ، كانت الفصائل الإسلامية التي تتحرك تحت مسمّى ما كان يدعى حينها بالجيش السوري الحر تميط اللثام عن نفسها رويدًا رويدًا ، وتكشف حقيقتها التي أخفتها تحت عباءة مختلف المسميات، و خرج إلى السطح تنظيما داعش و جبهة النصرة ، وسط فوضى إدارية وسياسية في العراق ، ودوامة عنف وحشي في سوريا ، فسيطرت داعش على الموصل أكبر المدن العراقية و معقل الترسانة العسكرية العراقية خلال ساعات و سط ذهول العالم ، حيث ألحق ما يقارب (1000) إرهابي الهزيمة بما يزيد عن (100) ألف جندي عراقي مدجج بالسلاح.

سوريا ، إماطة اللثام و سقوط الأقنعة
في سوريا ، وبعد أن فشلت كل مسميات ما يسمى بالجيش الحر في إلحاق الهزيمة بوحدات حماية الشعب ( YPG ) بدءا من سري كانيه وصولا إلى كوباني ، فقد خرجت داعش إلى واجهة الأحداث من خلال السيطرة على الرقة و إعلانها كعاصمة لخلافته المزعومة و الانتشار سريعا كانتشار النار في الهشيم ، حيث سقطت المدن تباعا تحت قبضتها و استولت – كما فعلت في الموصل – على الترسانة العسكرية للقطع العسكرية السورية في المنطقة الشرقية و التي تمثلت بالفرقة السابعة عشر التي مقرها الرقة و اللواء ثلاث و تسعون مدرع في عين عيسى و السيطرة على مطار الطبقة.

كانت مفخخة واحدة كافية لسقوط مدينة و هروب فصائل الجيش الحر منها ، و مشاهد قطع الرؤوس و تعليقها أصبحت جزءا من اللغة البصرية لما كانوا يسمونه بثورة الحرية و الكرامة ، و مع ذلك ، كانت شخوص المعارضة ، تكابر على نفسها و تحاول تلميع وجه الإرهاب ، و تهرب نحو الأمام ، و كأنها في سباق مع نفسها لتجاوز عقبة ما.

العلاقات التركية مع داعش كانت علنية ، فمعبر تل أبيض لم يتوقف لدقيقة واحدة ، بعد أن استلمتها داعش من أحرار الشام ، و ذات الأمر ينسحب على معبر جرابلس ، بل على العكس فقد ازداد التبادل التجاري و حركة المسافرين ذهابا و إيابا في كلا المعبرين ، كما أن الفريق الدبلوماسي التركي أعضاء قنصليتها في الموصل ، عبروا من تل أبيض إلى تركيا قبيل بدء الحرب على كوباني ، و كل المؤشرات تشير إلى أن الإفراج عن هؤلاء الدبلوماسيين كان صفقة بين حزب العدالة و التنمية من جهة و تنظيم داعش من جهة أخرى لشن الهجوم على كوباني.

من مفارقات تلك المرحلة ، و على مستوى كل مناطق انتشار داعش ، فقد لوحظ حفاظ داعش على قبر السلطان سليمان شاه العثماني في الوقت الذي كانوا يفجرون كل المراقد و المزارات الإسلامية

 

وضع كردستان و سقوط شنكال

سيبقى الثالث من آب ، يوما أسودا في تاريخ الشعب الكردي ، وستبقى تلك المشاهد عالقة في الأذهان لسنوات طويلة ، وسيحتاج الكرد للكثير من الزمن ليتجاوزا آثار ما حل بهم في شنكال من خيانة و غزو و سلب و نهب و سبي ، فقد اختلط على الجميع مشاهد الغزو الوحشي ، مع مشاهد هروب بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني بتلك الصورة المخزية و التي شكلت وصمة عار في تاريخ هذ الحزب و قواته.

لا شك أن هجوم داعش على شنكال لا يقل أهمية – مادية و معنوية – عن هجومه على كوباني ، فشنكال التي لطالما كانت عصية على حملات الإبادة و الصهر القومي و الثقافي و الديني ، كانت شوكة في حلق كل أنسال الغزاة ، بدءا من عياض بن غنم وصولا إلى أبو بكر البغدادي ، و لذلك فبالإمكان تسمية الهجوم على شنكال بأنه استهداف لآخر جذور الكردايتي المغروزة عميقا في سفوح شنكال مع جذور البلوط النابتة في صخوره.

هذا الهجوم الإيديولوجي ، استهدف توجيه ضربة أخيرة و قاضية للوجود الكردي في شكله الأول ، قبل الأسلمة ، و محو الذاكرة الجمعية الكردية عن البقية الباقية من آخر المقاومات الملحمية و التي كانت آخرها مقاومات درويش عفدي و القضاء نهائيا على أولئك الكرد العنيدون المصرون على التشبث بدينهم و قوميتهم ولغتهم رغم ما حل بهم من كوارث و مآسي جراء ذلك

أقليم كردستان كان يعيش أزمة سياسية خانقة ، بينما داعش كانت تتوسع في محيط شنكال و نذر الشر كانت تلوح في الأفق ، و رغم العديد من النداءات و المحاولات التي وجهها قادة حزب العمال الكردستاني بإنشاء قوة عسكرية مشتركة في شنكال فحمايته من المخاطر إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني منع ذلك و أكد أنه لديهم 12 ألف مقاتل في شنكال قادرون على حمايتها ، و قد أكدت الكثير من الشخصيات الشنكالية هذه المعطيات فيما بعد .

الأنكى من ذلك أن حزب العمال الكردستاني أرسل (12) مقاتلا من قواته إلى شنكال كإيفاد رمزي يرمز إلى الفرسان الاثني عشر في ملحمة درويشي عفدي ، ليكون عونا للإيزيديين في شنكال ، فقد انكشف أمرهم من قبل بيشمركة البرزاني فاختطف ستة منهم ، فيما لاذ الستة الآخرون بالجبل ، و كان لهم دور عظيم بإنقاذ أكثر من مئتي ألف مدني عندما التجأ المدنيون إلى الجبل ، و قاد هؤلاء المقاتلون الستة تنظيم و توزيع الأدوار في الجبل ريثما يفتح ممر بين روج آفا و شنكال.

تدخلت وحدات حماية الشعب مباشرة في شنكال بعد هروب البيشمركة ، و كانت أول قوة كردستانية تنفذ مهاما خارج الحدود الدولية لإنقاذ مئات الالاف من المدنيين العالقين في شنكال ، و خاضت معارك عنيفة في الجزعة و ربيعة و خلف الحدود العراقية و استطاعت أن تفتح ممرا آمناً لإجلاء المدنيين ، بعد أن ضحت بخيرة مقاتليها التزاما منها بواجباتها الوطنية و القومية و الإنسانية ، و هذا الانتصار الذي حققته وحدات الحماية سيكون واحدا من الصفعات التي لن ينساها الإرهاب و يحاول الانتقام بالهجوم على كوباني.

الدور التركي في توجيه داعش ضد الكرد (أفراد القنصلية التركية)

تركيا بطبيعة الحال ، وبكل تشكيلاتها السياسية و العسكرية ، تعيش الفويا الكردية ، هذه الفوبيا المبنية على وهم يتقوقع فيها العقل السياسي و العسركي التري و المتثل بأن إنشاء كردستان كبرى يعني تركيا صغرى ، و تبديد آخر أحلام استعادة أمجاد السلطنة ، و لذلك فلم يخفي الأتراك بمختلف حكوماتهم عداءهم العلني لكل ما هو كردي على وجه الأرض ، و في هذه الجزئية تظهر طبيهة و جهر الاختلاف بين الصراع التركي ضد الكرد عن مثيلته لدى العرب أو الفرس ، فلم يحدث في التاريخ مثلا أن أنكر العرب أو الفرس وجود الكرد كعنصر بشري ، بل كان الصراع و الخلاف دائما ، حول طبيعة العلاقة و حجم الحقوق و تجاذباتها ، ذلك أن العرب أو الفرس لم يعتبروا في أي مرحلة من التاريخ بأن الكرد هم خطر وجودي يتهددهم ، لكن في تركيا اعتبر الكرد خطرا وجوديا ، و لذلك حارب الأتراك كلمة (كردي) بغض النظر عن مكان أو زمان تواجده ، حتى وصلت الجرأة بهم ليقولوا أنه (لو نصبت خيمة في آخر الكون و كتب عليها كردستان لأحرقناها) و هو تعبير صريح واضح عن حجم العداء التركي للكرد.

عندما هاجمت داعش الموصل ، هربت منها جميع البعثات الدبلوماسية لمختلف الدول ، باستثناء الفريق الدبلوماسي التركي ، الذي بقي في القنصلية التركية ، و وبقوا في ضيافة داعش في الفترة التالية التي سبقت الهجوم على شنكال و كوباني ، و عبروا فيما بعض إلى تركيا من معبر مدينة كرسي سبي/تل أبيض و أمام أنظار العالم في صفقة أسمتها تركية بالاستخباراتية ، لكن المعطيات على الأرض كان تقول أنه عودة طبيعية لفريق دبلوماسي من دولة جارة و حليفة ، ولا سيما ان الجانب التركي لم يفصح تفاصيل (صفقته الاستخبارية) و الثمن الذي من المفترض أنهم دفعوه لاستعادة بعثتهم.

و إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن داعش كانت تذبح كل أسراها في تلك الفترة ، منتشية بفعالية النتائج التي تجنيها من خلال الرعب و الصدمة ، و تعنتها في فتح ملفات إمكانية الإفراج عن مخطوفيها ، وبالإضافة إلى ربط هذه العملية بإبقاء داعش على مرقد السلطان سليمان شاه ، فإن المعطيات كلها تشير إلى علاقة أعمق من أن نصفها بالآنية ، أو المصلحية المؤقتة ، بل تعبر عن وحدة حال بين مشروع حزب العدالة و التنمية المنبثق من الأفكار الأخوانية ، وبين مشروع داعش المنبثق من نفسة المنظومة الفكرية للأخوان ، فالمصدر الفكري و التنظيمي واحد لكلا الجهتين ، و التناغم في مستواه الأعلى ، ولا سيما مع ظهور بوادر إمكانية إنجاح مشروع السلفية الجهادية و جعله أمرا واقعا هذه المرة.

بناء على هذا الواقع أرادت تركيا توجيه بوصلة الإرهاب إلى الكرد و إلحاق الهزيمة بمشروع الأمة الديمقراطية و الفيدرالية اللامركزية التي يقودها الكرد ، و لا سيما أن كل استثمارات تركيا السياسية و العسكرية فشلت في سوريا ، و سقطت كل خطوطها الحمر و تحول الكرد إلى حصان الرهان في إخراج سوريا من دوامة العنف عبر تقديم مشروع مشروع سياسي و إداري متكامل و منطقي .

قدمت تركيا كافة التسهيلات اللازمة لداعش داخل تركيا من خلال السماح لها بالتنقل عبر مطاراتها و الإقامة في مدنها و نشر الدعاية الجهادية للتجنيد في تركيا ، كما أقامت تركيا علاقات تجارية مع الخلافة المزعومة و ذلك بافتتاح المعابر الحدودية الرسمية المتمثلة بمعبري تل أبيض و جرابلس الرسميين ، عدا عن المعابر غير الرسمية على طول الحدود المشتركة ، و ازدياد نسبة التبادل التجاري في هذه المعابر و ازدياد حركة السفر ذهابا و إيابا عبر هذه المعابر.

كما وضعت تركيا مشافيها العامة في خدمة التنظيم لمعالجة جرحاه في كل من مدينة أورا و عينتاب عدا المشافي المتخصصة الكبرى في إسطنبول و أنقرة ، و كل ذلك مقابل أن تبدأ داعش هجوما واسعا ضد مناطق الإدارة الذاتية و إنهاءها أسوة بما فعلته داعش بمدن منبج و جرابلس و تل أبيض و غيرها من المدن التي استولت عليها بسهولة.

لماذا الهجوم على كوباني

إن اختيار داعش كوباني كنقطة استهداف أولية ، لم يكن اختيارا اعتباطيا ، بل تم اختيار الهدف لجملة من الأسباب التي وضعت كوباني على رأس أولويات داعش ، و وبإسقاط كوباني يكون داعش قد نجح في توجيه الضربة القاضية إلى القضية الكردية عموما و في أجزاء كردستان الأربعة ، واستكمل ما بدأه في شنكال .

فالهجوم الذي وصفناه بالإيديولوجي المستهدف لآخر جذور الكردايتي في شنكال ، تحول إلى هجوم تنظيمي في كوباني ، يستهدف آخر تقاليد الدفاع الذاتي الكومينالي المتبقي في كوباني و المتمثل في العشيرة و تحالف البرازية الذي حافظ على كوباني في آخر مئتي سنة ضد مختلف أنواع الهجمات العسكرية و الثقافية ، و حافظت على الكرد من الصهر و التذويب.

إذا بإمكاننا اختصار أسباب الهجوم على كوباني في جملة من النقاط هي :

  • كوباني ، آخر المدن التي ما زالت تحتفظ على بقايا أنظمة الدفاع الذاتي الطبيعي و المتمثل بتركيبتها العشائرية ، و التي يعبر عنها بتحالف عشائر البرازية التاريخي ، و هي من العشائر التي لطالما اشتهرت بالعصيان ، سواء ضد العثمانيين ، او ضد الفرنسيين او حتى ضد الأنظمة السورية المتعاقبة ، وكذلك حافظت على الأعراف المجتمعية المعبرة عن الكومينالية في معظم مفاصل الحياة.
  • كوباني هي المدينة التي لم تستطع حكومات الإصلاح الزراعي من التوغل فيها و تغيير ديموغرافيتها إلا بنسبة ضئيلة تمثلت في تجريدها من مراعيها و المتمثلة بالمساحة الممتدة بين صرين و الطبقة و التي كانت تسمى مراعي البرازية
  • كوباني هي المدينة التي انطلقت منها ثورة 19 تموز و رفضت الانضواء تحت عباءة ما كان يسمى بثورة الحرية و الكرامة.
  • الموقع الجغرافي المتوسط لكوباني ، يضعها بمثابة القلب من تجربة الفيدرالية ، و إسقاطها يعني تقطيع الوصال و إنهاء الحلم في مهده
  • كوباني هي المدينة التي استقبلت قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان و تفاعلت مع أفكاره و منها خرجت أولى المجموعات الأنصارية التي شكلت نواة القوات القتالية لحزب العمال الكردستاني فيما بعد ، وهذا الأمر بالذات يؤكد الدور التركي في اختيار كوباني بغية الانتقام منها
    إذاً فالهجوم يحمل في طياته أبعاد تنظيمية ، تستهدف إنهاء حالة الدفاع الذاتي الكومينالي الطبيعي ، و و ينسجم مع الأبعاد الأيديولوجية للهجوم على شنكال، وفيما إذا تكررت مشاهد شنكال في كوباني يكون قد تم تجهيز الكرد كمجتمع ميت جاهز للدفن النهائي في ركام التاريخ.

المشهد الإعلامي الكردي حينها

الإعلام ،  كرديا ، كان قد اتخذ قراره و بشكل نهائي ، حيث عبر عن حجم الشرخ الذي يعتري الحالة الكردية ، فبينما قررت روناهي و ستيرك  و وسائل الإعلام المقربة من حركة المجتمع الديمقراطي أن تقف إلى جانب المقاومة و الشعب الكردي ، على قلة إمكاناتهم ، و غياب التمويل عنهم و اعتمادهم على العمل الطوعي ، كان هناك إعلام آخر قد قرر أن يقف على الطرف النقيض من ذلك و يسقط عن نفسه كل قناع و يظهر بصورة واضحة و جليه في خندق الهجوم على كوباني ، فقد كانت قناة روداو مثلا هي أول قناة تنشر خبر سقوط اول قريتين في ريف كوباني الغربي ، قبل سقوطهما فعليا بمدة 48 ساعة على الأقل ، كما انها هي القناة الوحيدة التي اهتمت بكل ما يسيء إلى وحدات حماية الشعب في تلك الفترة و توزع الأدوار مع قناة أورينت و الإعلام التركي ، فبينما كانت وحدات حماية الشعب تخوض المعارك بكل ما تمتلكه من إمكانات ، و سكان كوباني ينزحون عن القرى و يتجهون للحدود تاركين كل شيء خلف ظهورهم لكي لا تتكرر مشاهد شنكال ، كانت روداو تنشر أخبار ملفقة عن مصادرة وحدات حماية الشعب لسيارات المدنيين ، متجاهلة المقاومة الأسطورية لهذه الوحدات.

بث الإخبار الملفقة و الخطاب الانهزامي المحبط و الإساءة للقوات العسكرية و المقاتلين تحول إلى الشغل الشاغل لقناة روداو و راحت تعد التقارير الإخبارية تباعا عن سقوط القرى ، كما أنها أخذت قصب السبق باستنطاق المدنيين النازحين في الشمال بشكل يوحي بأن كوباني سقط ، رغم أن المعارك كانت ما تزال بعيدة عن كوباني المدينة بمسافة لا تقل عن عشرين كم ، بالإضافة إلى ذلك فقط كانت روداو في كل نشراتها تقيس المسافة المتبقية بين مرتزقة داعش و بين أولى أحياء كوباني بالأمتار و كأنها شغلها الشاغل أن تصل يصل هؤلاء بسرعة إلى كوباني ، فمثلا في إحدى نشراتها استخدمت المقياس (300)متر كمسافة متبقية لوصول المرتزقة إلى كوباني ، ضاربة بعرض الحائط حتى المقاييس المترية التي تستخدم عادة في النشرات الإخبارية

متى انتصرت كوباني

يعتقد الكثيرون أن كوباني انتصرت يوم 26 كانون الثاني ، لحظة رفع وحدات حماية الشعب (YPG) علمها على تلة كانيا كردان معلنة طرد آخر داعشي من شوارع كوباني لتبدأ بعدها رحلة الملاحقة للفلول و التي ما زالت مستمرة حتى الان.
هذا اعتقاد خاطئ ، كوباني انتصرت في اللحظة التي كانت وسائل الإعلام تتداول انهيار الخطوط الدفاعية لوحدات الحماية في الريف الكوباني ، و كانت تسقط القرى تباعا، و بالذات كان الانتصار في قريتي سرزوري ، شرقا ، و دولي داغ غربا ، بالإضافة إلى موجة النزوح العام ، مما شكل معا ثالوث الانتصار الداخلي.

سرزوري قرية تقع شرق كوباني قررت مجموعة مؤلفة من 12 مقاتلا التحصن في مدرستها و القتال حتى النهاية و إشغال داعش في معركة هم يعرفون تماما أن نهايتها محسومة عسكريا لصالح داعش ، نتيجة فارق العدة و العتاد لمصلحة داعش ، لكنهم قرروا الخوض فيها لإتاحة الفرصة و الزمن لرفاقهم للإنسحاب خلفا لإعادة ترتيب أولويات المعركة القادمة ، هذه المجموعة تجاهلت كل نداءات و أوامر الانسحاب للخلف و الحفاظ على حياتها ، و كانت على تواصل مع القيادة حتى اللحظات الأخيرة ، و صممت على خوض هذه المواجهة لترسلين رسالتين في اتجاهين مختلفين ،تمثلتا في :

الرسالة الأولى موجهة إلى قيادة ومقاتلي وحدات حماية الشعب و كذلك مواطني كوباني ، بأن فارق القوة التقنية لا يجب أن يكون هو الفيصل و المقياس في تحديد هوية المنتصر و المهزوم ، إنما هذه المعركة معركة إرادات و ليست معركة أسلحة ، لذا استمروا في المقاومة حتى النهاية ، فانتم المنتصرون

الرسالة الثانية كانت موجهة إلى إرهابيي داعش بأن كوباني هذه ليست كالمدن السابقة التي استوليتم عليها بمجرد مفخخة واحدة أو تعليق رأس واحد ، هاهنا و لكي تعبروا عليكم أن تعبروا فوق جثث المقاتلين ، و هم بطبيعتهم يختلفون عن الفصائل السابقة التي واجهتموها، و لكي تعبروا على جثثهم ، عليكم أن تدفعوا أثمانا باهظة ، و لن يكون نصركم مؤكدا.

و دولي داغ  تلة تقع في الريف الغربي لكوباني ، حيث وقف مقاتل و قيادي في وحدات حماية الشعب اسمه إريش كوباني و قال متحديا : هنا أقف على الحدود بين الحياة و الموت ، أمام دبابات داعش خيار واحد لا ثاني له لكي يعبروا إلى كوباني ، عليهم أن يهرسوا جسدي أولا ، و هو ما حصل بالفعل ، فقد أخبر قيادته العامة قراره النهائي و أن التراجع بعد الآن لن يحدث و أن المقاتلين بحاجة إلى مثل أعلى للاستمرار ، و على القيادة أن تقدم المثل الأعلى و النموذج المحتذى ، ولذلك فقد قاتل ببندقيته حتى وصلت إليه الدبابات و لم يستسلم ، و استشهد و هو يحارب الدبابات ببندقيته.

القتال البطولي و الدرس الذي قدمه القيادي إريش كوباني كانت بدورها تحمل رسالة في اتجاهين

الرسالة الأولى : كانت موجهة لقيادة وحدات حماية الشعب و مقاتليها، أن لا تتخلوا عن كوباني تحت أي ظرف ، و الدبابات لن يكون بمقدورها هزيمة إرادة مقاتل مؤمن بالانتماء إلى مدينته و شعبه

الرسالة الثانية كانت موجهة إلى سكان كوباني ، بأنه لديكم مقاتلون ، يأخذون من خنادقهم قبورا لأنفسهم و لا يتخلون عنها
عامل الانتصار الداخلي الأهم حسب وجهة نظري هو النزوح الجماعي لسكان كوباني ، كان موقفا سياسيا و له دور بارز في تحقيق النصر ، فسكان كوباني و عكس كل المدن الأخرى التي أولمت لداعش وبايعتها ، فقد نزحوا نزوحا جماعيا كليا ، و لم يبق شخص واحد في قرية واحدة من قرى كوباني ، و هو ما يشكل رسالة واضحة المعالم موجهة لداعش و لكل العالم بأن الكرد و إن لم يستطيعوا تحقيق النصر عسكريا ضد داعش فإنهم لن يقبلوا بالأمر الواقع و لن يتعايشوا مع داعش .

أما عوامل الانتصار الخارجي فكانت متمثلة بالتجاوب العظيم مع نداء النفير العام الذي أطله قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان لحماية كوباني و الذي لعب الدور المفصلي في

  • تدفق مئات المقاتلين من مختلف أنحاء كردستان و مختلف انحاء العالم للانخراط في حرب كوباني و مقاومتها
  • الحراك الجماهيري الكبير في مدن شمال كردستان و خروج عشرات المدن من السيطرة و ظهور بوادر تدحرج كرة اللهب إلى الداخل التركي مما خلق رعبا و إرباكا لدي الدولة التركية كجهة داعمة لداعش و اضطرارها لتقديم التنازلات لصالح مقاومة كوباني
  • الحراك الجماهيري لدى الجاليات الكردية في اوربا و إصابة المطارات و محطات القطار و المترو بالشلل التام مما شكل ضغطا سياسيا على أوربا لتساهم في وضع كوباني ضمن مخطط ضربات التحالف الدولي ضد الإرهاب و تقديم الدعم للمقاومة في المدينة

دروس و عبر

 

الدرس الأول : الإرهاب لا يهزم بالبيانات و الدعوات و الصلوات ، إنما يهزم عندما تقرر أن تهزمه

الدرس الثاني : في الوقت الذي وصلت المجتمعات إلى درجة شبه يقينية بأن التكنولوجيا هي التي تقرر المنتصر من المهزوم ، قررت كوباني أن إرادة الشعوب هي الفيصل في تحديد النصر

الدرس الثالث : في الوقت الذي كانت وسائل السلطة قاب قوسين أو أدنى من إعلان نصرها في تحويل الشعوب إلى قطعان مسيرة لا روح فيها ، و و دفنها في ركام القومويات الضيقة ، قالت الشعوب كلمتها بالتضامن مع كوباني و إعلان يوم عالمي لكوباني يعبر عن وحدة مصالح الشعوب و مصيرها.
الدرس الرابع : في الوقت الذي كان العالم يعتقد بأن تشي غيفارا هو آخر الثوار الحالمين ، تدفق الثوار من مختلف أصقاع الأرض لينهلوا ما تيسر لهم من نهر مقاومة كوباني.

الدرس الخامس :في الوقت الذي قرر العالم أنك مهزوم لا محالة ، و تخلى عنك الجميع ، أنت قررت بأنك منتصر ، متمثل ذلك بالبيان الذي أصدرته و حدات حماية الشعب في أواخر أيلول و بدايات تشرين ، بأن قواتهم لا تنسحب من كوباني و لا تسلم المدينة لمصيرها ، بل باقون حتى آخر مقاتل و آخر طلقة .
الدرس السادس : ليس كل أبناء جلدتم مثلك بالضرورة و إن أظهرت الألسن ما ذلك ، فالبعض منهم كان ينتظر سقوطك ليشمت بك (إنشاء فصائل جيش حر في سروج)
الدرس السادس : الإعلام أشد فتكا بك من سلاح العدو لا سيما إذا كان هذا الإعلام ناطقا بالكردية (روداو نموذجا)

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password