متسترون بدلًا من عكس الواقع

جودي دهام

واقع إعلامنا اليوم التستر وقلب الحقائق.. واقع إعلامنا اليوم واجب أخلاقي على كافة الوسائل الإعلامية التقيد والتركيز على الآلام والأوجاع التي يعيشها المجتمع سياسياً، عسكرياً، اقتصادياً، تربوياً، دون التحيّز لأصحاب السلطة أو التخوف من سخطهم وعدم عكس الحقائق إرضاء لهم, اليوم يتحوّل الإعلام من مرآة للمجتمع إلى أداة بأيدي القوى المستبدة وصاحبة الأطماع الاستعمارية في البلاد, الإعلام اليوم يُسخَّر لمن يدعم ويدفع أكثر وآلة لنشر ثقافة وفكر رعاته.

تتخاذل الوسائل الإعلامية عن أداء واجبها الأخلاقي في التوعية، وكشف المستور وتسليط الضوء على أوجاع ومعاناة الشعوب ولا سيما في سوريا, بدل عكس حقيقة الواقع المعاش في سوريا كالمرآة جرّاء الظلم والاستبداد والقتل والتدمير بعيد الثورة السورية عام  2011على أيدي النظام السوري، ومجموعات ما تسمى بالمعارضة السورية، والمجموعات المتأسلمة,  تتوجّه وسائل الإعلام اليوم إلى تزييف الوقائع وتوجيه عقول وأنظار الشعوب إلى مصالح إقليمية ودولية في سوريا حسب ما أجبرتهم عليه رعاتها.

الإعلام واجب أخلاقي على كل من نذر نفسه لخوض هذه المعركة ضد الفساد والسلطة والأفكار المتطرفة ولنشر ثقافة المجتمع الإنساني الذي نشأ على أساس تنوع الأعراق والأديان واللغات والشعوب, والتقيّد بهذه الأخلاق يحتم على كل إعلامي أو أية وسيلة إعلامية عكس ما يجري على أرض الواقع دون التحيز إلى أي طرف على حساب الطرف الآخر, كما ويحتم عليه بناء مجتمع مثقف حضاري بعيد عن التمييز بين فئة وأخرى, وبعيداً عن إثارة الفتنة بين طرف وآخر, والتركيز على أهمية مكانته والثقة الممنوحة له من المجتمع المحيط به.

اليوم هنا في سوريا ومع دخول أزمتها العام السابع نشهد كل يوم انتهاكات جسيمة بحق أبناء الشعب السوري من قتل وانتهاك الحريات واعتقالات وسفك لدماء الأبرياء هنا وهناك بغض النظر عن الجهة المرتكبة دون رقيب وحسيب لا مراقبة إعلامياً ولا سياسياً ولا مجتمعياً, ويعود التخاذل  المجتمعي جراء عدم توحد كلمة الإعلام تجاه ما يدور في المنطقة كما ذكرنا آنفاً, فمنها من تتستر على جرائم النظام وبعضها الآخر متستر على انتهاكات ما تسمي نفسها بفصائل المعارضة السورية المسلحة.

قنوات تلفزيونية ووكالات إخبارية عدة أصبحت جميعها تتغنى بمسمياتها التي تظهر ارتباطها بالمنطقة المعنية لها, وشعارات رنانة تطلقها هادفة إلى كسب أذهان وعقول متابعيها, جميع تلك الشعارات والتسميات في واقعها لا تستند إلى حقائق على الأرض ولا تمت للواقع بصلة ولا حتى بأرض تلك المناطق بل تهدف إلى زيادة أرباحها المادية بالدرجة الأولى بالإضافة إلى إفراغ مضمون ثورة المجتمع إن كانت اقتصادية او اجتماعية أو ثقافية والتعتيم على ما يدور هناك لأهداف أنشأت لها بالأساس.

عفرين اليوم تشهد المئات من حالات قتل المدنيين الأبرياء بهجمات همجية من طائرات الجيش التركي وهجمات ما يسمى بمقاتلي عملية غصن الزيتون التي أطلقتها الدولة التركية متحججة بحماية أمنها القومي من الاكراد, متناسية تنوع المنطقة بأعراقها وأديانها وثقافتها ومكوناتها, وبالدرجة الأولى أبناء إدلب وحلب وحمص والغوطة وغيرها الذين باعتهم تركيا للنظام السوري، هم الآن يقطنون في عفرين, هنا أليس حرياً بالإعلام أن يركز على هذه الهجمات وفضح كافة مخططات الدولة التركية في المنطقة وإظهار واقع هؤلاء المدنيين الذي يقعون كل يوم قتلى وجرحى بالقصف التركي, أم أنه يمكننا اعتبار وسائل الإعلام تلك شريكة في إطالة عمر الأزمة السورية؟.

جرائم حرب ترتكب في مناطق عفرين وسط تكتم إعلامي كبير على وسائل الإعلام العربية والإسلامية، رغم توفر كافة الإمكانيات في عفرين لتغطية هذه الجرائم, الأمر الذي يؤثر على عكس هذه الصورة للراي العالمي, فهنا ليس لنا الحكم إلا أن التخاذل الإعلامي في تأدية واجبه تجاه عفرين وما تتعرض له هو إتمام لمخطط الدولة التركية ومحاولة لصرف النظر عما يدور في إدلب من انتهاكات للنظام السوري بحق ابناء تلك المدينة, وليست إلا دليلاً على تواطؤ تلك الوسائل الإعلامية مع دول داعميها رغم شعارتها التي تنادي باستقلاليتها الإعلامية.

الحرب الإعلامية والنفسية التي تدور في عفرين بين وسائل إعلامية مؤيدة لعملية غصن الزيتون ومعارضة لها من داخل عفرين  حسب توجه وسياسة تلك الوسائل تشوه الصورة الحقيقية وتشتت أفكار المجتمع وتصرف أنظاره عما يدور على أرض الواقع, كما ويؤثر على الرأي العالمي حيال ما يدور في تلك المنطقة .

لا يمكننا أن نشمل وسائل الإعلام المتواجدة اليوم في عفرين على حد سواء مع تلك الوسائل القاطنة في الخارج وتعتمد على بعض الموارد الإعلامية المأجورة, فمن يعيش ويعكس الواقع من تحت القصف ومن المناطق التي تتعرض للهجمات هو الذي يجب الاعتماد عليه والابتعاد كل البعد عما يخطط ويذاع من مطابخ الحرب الإعلامية الخاصة في الخارج.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password