الموليا في وادي الفرات والجزيرة السورية

ياسر الشوحان

هو لون من الألوان الغنائية الفراتية يعتمد على الشعر الشعبي الغنائي التقليدي الذي اشتهرت به منطقة وادي الفرات على وجه الخصوص، وتذكر بعض المصادر أن المولية قد غُنت ببغداد منذ القران الرابع الهجري إلا أنه لا يوجد ما يُثبت ذلك. وقد غنّاها النساء والرجال بمرافقة الدف والربابا أو بدونهما، وتُغنى في كافة المناسبات الاجتماعية (الطهور، الولادة، العرس). ويغنيها أبناء منطقة وادي الفرات منذ القدم، ويتناقلونها عن طريق الرواية الشفوية وهي تستوعب الكثير من مجالات التعبير، وهي مجهولة المؤلف أو زيد على القديم منها على وزنها وقافيتها عليها مع المحافظة على اللحن.

ويذكر الباحث عبد القادر عياش أن الموليا هي شعر الزجل عند السكان رجالاً ونساءً ويسهل عليهم نظمه لكثرة معاناتهم له، ولاستعدادهم الفطري لنظم الشعر.

تتميز الموليّة بالصدق والبساطة وسهولة الكلمات والإيجاز في التعبير بالإضافة إلى التنويع والعفوية ووحدة الموضوع وأغلب مواضيعها الغزل المعبّر عن الحب الإنساني. وتعتمد أحياناً على القدرة على الارتجال والابتكار.

يعتبر مجتمع منطقة وادي الفرات مجتمعاً ريفياً، إذ يتميز بقدرته على الحفاظ على تراثه القديم شأنه في ذلك شأن جميع المجتمعات الريفية وإذ يُقصد بوادي الفرات فإن المقصود بذلك هي منطقة وادي الفرات الأوسط وهي المنطقة المحصورة فيما بين جرابلس (كركميسش) في الشمال السوري وحتى عانة في العراق أو مدينة هيت. وقد غنتها النساء قديماً في منطقة وادي الفرات الأوسط قديماً بمرافقة الدف، وقد تُغنى أيضاً في المنطقة الوسطى من سورية كحمص وحماة وإنما تقليداً حديثاً للون الغنائي الفراتي وليس لوناً أصيلاً لديهم.

وقد ساعد هذا اللون الغنائي (باعتبارها تراثاً موسيقياً يعتمد على ألحان أصيلة وكلمات تلامس الذائقة الشعبية للعامة) على توثيق الحياة الاجتماعية أو الحدود المكانية لها من خلال ذكر بعض الأماكن  التي لم تعد موجودة الآن:

– الْريمْ هَدْ وْسَرى مِنْ دَرْبَ الِشْغيني          ياحِسِنْها يارَبِعْ ماشافِتو عِيني

– كَامَتْ تْمَشْط الْزِلُفْ وِتْجُرْ بالِحْسيني         ياعينِها تِذْبَحْ اِلگانوصْ  علْ مية

 

الموليا والوزن الموسيقي

تُنظم المولية على البحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن) مع الاستفادة من زحافات البحر، ولها طرق في كتابتها أشهرها الرباعيات وهذا يعني أنها تتألف من أربع شطرات تنتهي الشطرة الرابعة بياء مشددة وألف طويلة أو تاء مربوطة أو هاء مثل:

– ياخُوي مالي دَرُبْ تَرْگا على رَضْوانْ        مَذكُورْ عِندو حَوارِ وِثْنينْ بالْبِسْتانْ

– ياحْجولِهِنْ مِنْ ذَهَبْ وِخْصورْهِنْ مِرْجانْ        يا ثْيابِهِنْ  سُندُسِنْ مالِبْسَتو بْنية

تُغنى الموليّة على نغم البيات والنهاوند في منطقة الرقة وعلى نغم الحجاز في دير الزور بشكل فردي، وإذا استرسل المغني وتعب من الغناء فإن من يسمعه يستطيع التناوب معه في الغناء وإن كانوا أكثر من واحد فقد يتناوبون جميعاً في سهرة واحدة إذ يتحول الغناء إلى غناء جماعي، وقد يُؤدى بشكل حوار.

ويذكر الباحث سعيد حمزة أن هناك أخطاء في تدوين التسمية (المواليّا) وهذا يعني الموال السبعاوي (سبع شطرات) والشرقاوي والشروقي والبغدادي فهذا ما تعنيه هذه المفردة ويقترح على كتابة كلمة الموليا كالتالي (الموليّة) وذلك لتمييزها عن الموال في كتابته ومعناه.

ومن ميزات الموليّة أنها كثيرة الأنغام، غزيرة المادة، متباينة الأغراض، متعددة الأسماء. وأنها تعتمد في صياغتها الشعرية على التشبيه والاستعارة والجناس والتكرار. كما تتميز بخفة وزنها، وكلماتها الموجزة، ويغلب على قالبها الدوبيت أو ” الرباعيات ” وهي من لون ” الهزج “.

وقد ذُكرت المرأة كثيراً في المولية، بل على الأصح قد تكون المرأة هي محور الغناء في هذا الفن كما يذكر الباحث عبد القادر عياش في أن وصف الموليّة للمرأة وصف حسي مستوحى من البيئة فالقوام يشبه الحور، والعيون تشبه عيون الريم، والوجه بدر، والخد ورد، والريق عسل. وفي مواضع أخرى فإن الموليّة تذكر القسوة والكبت والحرمان ورفض للتقاليد. ولها لازمة تسمى الردة، ويأتي بها المغني بعد بضعة أبيات، ومنها:

  • الله على أبو الزلف عيني يا موليا          يا ام العباية الحبر حلوة يا ديرية

 

تُغنى المولية عادة بشكل مفرد بدون أي آلة موسيقية في الجلسات التي يكون هدفها المتعة وإضفاء البهجة أما قديماً فقد كانت تصاحبها الزمارة والطبل أو الدف والربابا والناي في الحفلات والأعراس، وقد ترافقها الربابا ولكن بلحن الزمارة في مدينة الرقة، وهي الأبطأ، أما الآن فترافقها الآلات الموسيقية الحديثة كالأورغ والآلات الإيقاعية الحديثة بالإضافة إلى العود والكمان.

 

قد تصوّر الموليّة أبناء منطقة وادي الفرات في سورية، وقد تذكر أحداثاً تاريخية، أو تفصح عن طريقة معيشة معينة أو عن العواطف والمشاعر أو حتى عن العادات والتقاليد. وقد تذكر المولية أنماطاً معينة من العمل. أو قد تُعبر عن معاناة ما، مثال:

– يا ريمتي فرعي  ساق الحَجَل ساقـﭻ                         يا غاليات الثمن ما اقدر على سياقـﭻ

– والله الما نطوني  هلـﭻ لصير بواگــﭻ                      حسوا علي الصبح گـالوا حراميا

 

اللغة والسياق في الموليا

على الرغم من قدم الموليّة في منطقة وادي الفرات وتوفر مغنيها إلا أن السكان تناقلوها برواية شفوية ولم يدونوها ولم يعتن أحد من أبناء المنطقة ولا من خارجها بجمعها وتبويبها وتنسيقها أو دراستها وتنويطها ونشرها ولهذا السبب ضاع كثيراً منها، ويضيع الكثير أيضاً لعدم تدوينها. وتُنظم جميع قصائد الموليّة باللهجة المحكية في منطقة وادي الفرات ذات القرب الشديد من لهجة أبناء الريف.

تتألف من أربع شطرات، الثلاث الأولى متحدة القافية وهي جناس تام بمعاني مختلفة، والشطرة الرابعة تختتم بياء مشددة مفتوحة والف طويلة، وبعضهم يكتبها بياء مشددة مفتوحة وهاء مربوطة.

وقد تأتي بعض بدايات أبيات الموليا حسب تسلسل الحروف الهجائية مثلاً ما يخص حرف الميم:

– الميم مسني الهوى وأثر على چـبودي                      چـثير مثلي ابتلى لكن انا بزودي

– ماگـلت لك ياخوي خذن علي رودي                         النسا كلهن خبث من دور الامية

 

لا يوجد أصل متفق عليه عن تسمية الموليا، إلا أن المتفق عليه هو منشأها شط الفرات في العراق وسورية. وتذكر بعض الروايات أنها تعود إلى سلالة المواليا التي ابتكرها البرامكة في عهد الرشيد، وعلى الغالب تتألف من بيتين مقفّيين، تُختم أشطرهما الأربعة بروي واحد، وله ثلاث أعاريض تشبهها أضربها: وهي (فاعلن)، و(فعْلن)، و(فعْلانْ) ومن أمثلتها أبيات قالتها جارية من جواري البرامكة:

– يادارُ أين ملوك الأرض ؟ أين الفُرسْ؟                      أين الذين حمَوْها بالقنا والتُرس؟

– قالت: تراهم رمم تحت الأراضي الدُرس                  سكوت بعد الفصاحة ألسنهم خُرْس

 

لم يعد هناك ممارسات عرفية للمولية وذلك كون آلية الغناء قد تطورت وأصبح للكثيرين ولع بها بشكل شعبي، إلا أنه لم تعُد للمولية حفل خاص بها لتأخذ طابع يميزها عن بقية الحفلات.

 

الموليا وخطر الاندثار

يذكر الباحث المرحوم عبد القادرعيّاش أن السكان من أبناء دير الزور كانوا يغنون أكثر من مائة نوع من الأغاني الشعبية في أفراحهم في الدبكة ولم يبق منها حتى الآن سوى (العايل، النايل، الأبورداني، وأهم ما تبقى منها الموليّة).

إن الخطر الذي يهدد الممارسة لا يتعدى عدم التوثيق، فتوثيق المولية بأبياتها الشعرية يحفظها من الضياع، بالإضافة إلى احتكار بعض الموثقين لها ما يحفظونه، إضافة لعدم اهتمام من يحفظون بالنشر وبالتالي فإن ضياع هذا العنصر التراثي قد يعود سببه إلى عدم اهتمام الناس بنشره وإلى عدم التوثيق، وإلى ظهور بعض الألحان الجديدة الطاغية على اللحن الأصيل.

كما أن أهم ما يهدد النقل هو عدم معرفة من ينقل النص الشعري به بأمانة النقل، وقد يكون عدم إلمامه طريقاً يؤدي إلى تغيير النص الأصلي أو تحويره، وبالتالي ضياع النص الأصلي وفقدانه، وظهور أبيات شعرية جديدة مشوهة عنه قد تبعده عن الأصل. أما اللحن فلا خطر عليه من حيث الحفظ لأنه ذو إيقاع واحد ونمط موحد لا يخرج عليه المؤدون.

 

المراجع

1 ـ فاخوري، محمود: سفينة الشعراء ـ مكتبة الثقافة ـ حلب ـ 1979 ـ الطبعة الثالثة.

2 ـ عياش، عبد القادر: غزليات من الفرات ـ سلسلة تحقيقات فلكلورية من وادي الفرات الجزء 18 ـ دير الزور ـ سورية ـ 1967.

3 ـ رويلي، محمد رشيد: الحركة الثقافية في محافظة دير الزور خلال القرن العشرين ” دراسة وبيبلوغرافيا ” ـ دير الزور ـ سورية ـ 2003.

4 ـ لقاء خاص مع الباحث سعيد حمزة.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password