العلاقة بين السلطة والمعارضة وتبادل الأدوار بينهما – الجزء الأول

العلاقة بين السلطة والمعارضة وتبادل الأدوار بينهما

دراسة تحليلية في واقع البلدان عموماً – الجزء الأول

رشيد عبّاس

 

العلاقة بين السلطة الحاكمة والمعارضة في بلدٍ ما هي علاقة شراكة دائمة، ومصلحة وطنية  متبادلة تقوم في جوٍّ من الاستقرار التام يعمل كلّ طرفٍ من جانبه على توفيره من أجل التنمية المستدامة للبلد، والعيش الكريم للمواطنين، وتأمين الاحترام المتبادل والعلاقات السليمة مع البلدان الأخرى؛ ووجود المعارضة في أي بلد دليل على وجود حالة طبيعية وصحية جيدة يعيشها البلد تؤدي به الى التقدم والبناء الحضاري، ركيزته مؤسسات مدنية، وأحزاب سياسية يشارك فيها المجتمع من غير قيود أو عراقيل تعيق عملها. في هذا المجال هناك مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق السلطة القائمة من ضمنها دعم المعارضة وتوفير المجال لعملها قبل دعم المعارضة نفسها لعملها، وذلك لأن السلطة القائمة، من منطلق امتلاكها زمام الأمور، كفيلة بهذا الدعم، ومسؤولة إزاءه من قِبَل المجتمع لأسباب عدة من بينها:

أ- تشجيع التنافس السلمي بين أطياف المجتمع المتنافسة على السلطة من خلال الدعم والمساندة وتهيئة الأجواء المناسبة لهذا التنافس، وتأتي شرعية السلطة القائمة من خلال هذا الدعم الذي تقدمه للمجتمع، كونها سلطة حاكمة تقود الدولة والمجتمع في فترة زمنية معينة.

ب- عملية تداول السلطة ذاتها متوقفة على هذا الدعم، ومرتبطة به لأن السلطة القائمة ربما كانت في وقت مضى في موقع المعارضة، ثم وصلت إلى السلطة، وعليها من هذا المنطلق أن تتوقع نفسها في الموقع المعارض مرة أخرى، كما ينبغي عليها أن ترضى بهذا الموقع، إن عادت إليه مرّةً أخرى، بصدرٍ رحب دون أدنى اعتراض، ولا اتخاذ سلوكٍ مغايرٍ، أو ردة فعلٍ متطرفةٍ.

ج- المصلحة الوطنية وقضية الأمن العام للبلد تقتضيان من السلطة القائمة أن تدعم المعارضة انطلاقا من أنّ هاتين القضيتين وما شاكلهما تتطلبان من الدولة والمجتمع إيجاد صيغ وتفاهمات مشتركة بين السلطة والمعارضة تحت سقف القوانين والمواثيق الوطنية المتفق عليها بغية عدم الانجرار إلى التوتر الذي قد يؤدي إلى افتعال قضايا غير مرغوب بها يمكن أن تؤدي بالبلد إلى ظرفٍ سيءٍ سوف يلقي عواقب سلبية، وانعكاسات خطيرة على الدولة والمجتمع.

كما يُتطلّب من المعارضة أن تتخذ مواقف سليمة تخدم الدولة والمجتمع، وأن تؤمن بالانتقال السلمي للسلطة وتداول الحكم، وأنْ تعي أنّ الوجود في الحكم مسؤولية صعبة تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والنهوض الاقتصادي والتطور العلمي والتقدّم الحضاري، وأنّ التنافس من أجل هذه المسؤولية مهمّة نزيهة ينبغي أنْ يشارك فيها جميع أطياف المجتمع بشكلٍ ديمقراطي عبر آلية صحيحة من غير تطرّف أو تعصّب أو ردود أفعال سلبية تؤثّر في الأمن والاستقرار.

من خلال ما سبق يمكن التأكيد على أنّ تصوّر وجود مثل هذه الحالة المثالية بين السلطة القائمة والمعارضة يبقى ضربا من الخيال، ولا يمكن مقاربة هذه الحالة حتى في أرقى المجتمعات وأكثر الدول تقدّماً؛ فالواقع يخالف ذلك وإنْ بدرجات متفاوتة بين مجتمع وآخر، أو دولة وأخرى. فمن خلال الملاحظة نجد أمثلة كثيرة لا تطابق تلك الحالة المثالية المتصورة في الأذهان، بل تخالفها بشكل غريب جداً في كثير من الدول بما فيها الدول المتقدمة التي يتم فيها تبادل السلطة بشكل ديمقراطي إضافة إلى كونها وضعت لبلدانها القوانين التي تحافظ على الحريات وتحترمها، وتتباهى بالطريقة المثلى التي تتم فيها قيادة الدولة والمجتمع، وبالأسلوب الشفاف القائم على تداول السلطة وانتقالها بين الأطراف المتنافسة عبر انتخاباتٍ حرّة ونزيهةٍ. ففي الوقت الذي تحاول المعارضة أن تتهم السلطة بما تقترفه وبما لم تقترفه وتلقي اللوم كله وبشكل دائم عليها في أبسط مسألة سلبية تظهر على السطح ربما تكون السلطة بريئة منها، والمعارضة على علم تام ببراءتها. في الوقت ذاته وفي الجهة المقابلة نجد هذه السلطة أيضاً تحاول تضييق الخناق على المعارضة للحدّ من عملها في المجتمع، ولسدّ الدروب أمامها بغية عرقلة وصولها إلى السلطة مقابل ترك المجال لنفسها لأجل البقاء مدة أطول في الحكم وتبرير وجودها فيه من خلال الاتهامات التي تلقيها هي الأخرى على المعارضة، كما تحاول اختلاق القصص والمواقف التي تعيق دورها في المجتمع، بينما تسعى هذه السلطة إلى تجميل صورتها أمام الرأي العام1.

وسواء المعارضة أو السلطة الحاكمة، كل طرف من جانبه لا يدّخر جهداً إلا ويستخدمه في استغلال الإعلام والصحافة الحرة في اتهام الطرف الآخر إلى حدٍّ يصل فيه تبادل الاتهامات إلى واقع معاش ومألوف، غير أنّ هذا الأمر يبقى في صورته الكوميدية، أحياناً، لاقترابه من الهزل والسخرية من خلال النظر إلى المواضيع، والتمعّن في القضايا التي تتعلق بهذه الاتهامات المتبادلة بينهما ومقارنةً مع القضايا الجوهرية موضوع الخلاف في الدول النامية.

تلك العلاقة تخص، كما ذكرنا، الدول المتقدمة التي تتسم بالاستقرار السياسي والهدوء الأمني التام والازدهار الاقتصادي والثقافي، ووجود دستور منجز ومنفذ منذ زمن غير قصير، وذات أنظمة حكم واضحة ومعروفة، وتتميز بأنها تؤمّن دخلاً عالياً لكل فرد في مجتمعاتها.

أما بالنسبة إلى البلدان النامية أو التي تشكلت حديثاً بسبب التقسيم أو الانفصال على الأساس العرقي والمذهبي2، أو الاستقلال من السيطرة الاستعمارية المباشرة، أو الدول التي تعاني من عدم الاستقرار في مختلف المجالات فالقضية معقدة جداً ومتشابكة بشدّة، بالنسبة إلى وضع نظام الحكم من جهة ووضع المعارضة من جهة والعلاقة بين كلا الوضعين من جهةٍ أخرى، سواء أكان الأمر متعلقاً بالسلطة الحاكمة وكيفية وصولها إلى هذا الموقع وشكل إدارة المحتمع والدولة، أم كان الأمر متعلقاً بالمعارضة والأطر السياسية المتمثلة بها والبرامج التي تتبناها والمشاريع المستقبلية التي تضعها نصب عينيها. وعلاوة على ذلك فإن هذه القضية المعقدة والمتشابكة جزء من قضايا جوهرية أخرى ذات أبعاد أكثر تعقيداً وأشد تشابكاً تعيشها هذه البلدان النامية، وتتحمل أعباءَها كلٌّ من الدولة والمعارضة والمجتمع بجميع أطيافه في كل من هذه البلدان النامية، كما تعطي صورةً سلبية لها أمام الرأي العام العالمي تؤثّر على جميع مواطنيها.

ففي هذه البلدان النامية تكون السلطة الحاكمة قد حصلت على الحكم بالوراثة أو بانقلابٍ عسكريّ، أو أنها وصلت إلى سدّة الحكم بطريقة شرعية في ظرفٍ ما ثم استحوذت على كل المؤسسات بعد أن استفردت بالحكم بنسف الشرعية التي أوصلتها إلى الموقع الذي تتمسّك به، وتحمي كيانها فيه3. في ضوء هذه الحالة السيئة لا يمكن إنكار الممارسات الخاطئة من قبل السلطة الحاكمة بأشكالها المختلفة، كما لا يمكن استبعاد الممارسات المتمثّلة بالضغط الشديد على المجتمع من خلال مصادرة حرية عمل المؤسسات المدنية بكل أنواعها بأساليب مختلفة، وإن أرادت السلطة الحاكمة أنْ تترك هامشاً من الحرية لعملها فإن هذا الهامش مدروس بدقة، فالمراقبة الشديدة تجري باستمرار، ويتم بشكل كامل تمرير الآيدولوجية التي ترغبها والتي تراها مناسبة لوضع البلد وفق منظورها4؛ فلا تنسى وضع الشعارات التي تخدم هذه الآيدولوجية في كل مكان، وهذه الشعارات هي في الغالب عبارات فضفاضة ذات أبعاد ضبابية، تمَّ وضعُها دون أن تؤمن بها، ولا تعمل من أجلها، فقد وضِعَتْ لغايات معينة من ضمنها تضليل الجماهير وإبعادها عن مطالبها الضرورية وأهدافها الحقيقية. كل ذلك في ظل غياب الحريات العامة وتزييف الديمقراطية وإفراغها من مضمونها الحقيقي، وتوجيه أنظار الجماهير إلى أهداف خارجية وأخطار مزعومة بحجج واهية؛ كذلك في ظل غياب المعارضة وأحزابها، فإما معارضة مصطنعة تتكفل بها السلطة القائمة لتغطية الهامش المحدّد من قبلها، أو بعض الأصوات التي تعمل في الخفاء بعيداً عن أنظار الرقابة، وهي إن حاولت أنْ تشكل لنفسها أطراً سياسية فإنّ هذه الأطر ضعيفة ومشتّتة بسبب العمل السريّ الذي تمارسه؛ ذلك في أفضل الأحوال عندما لا تلجأ السلطة إلى القمع والعنف بشكل استبدادي مباشر، بل عندما تلجأ إلى المرونة في التعامل وتسمح قليلاً من حرية التعبير، أما في أسوأ الأحوال فإن اللجوء إلى القمع واستخدام العنف من أهم الأساليب وأكثرها استخداماً لتثبيت الحكم واستمرار البقاء فيه، مثل الاعتقالات السياسية، والسعي الحثيث خلف الأصوات المعارضة، ووضع الرقابة الشديدة على أصحابها من أجل قراءة أفكارها والحدّ من دورها، وعرقلة أيّ تحرك متوقّع من قبلها من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة أمن السلطة الحاكمة ويهدّد وجودها في الحكم، أو ينتقد الأخطاء التي ترتكبها عبر مسيرتها.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password