القهوة وصناعتها وتقاليدها وعاداتها في التراث الفراتي

جاسم الهويدي

القهوة من شجرة البن، تزرع في بلاد اليمن جنوب شبه جزيرة العرب والحبشة وترتفع إلى مستوى شجرة الرمان، وتنبت طبيعية في الأقاليم الحارة من بلاد النوبة، وعلى شواطئ البحر الأحمر، وللبن ثلاثين نوعًا، ويبلغ طول الشجرة 15إلى 20 قدمًا، وتنقسم إلى فروع متقابلة، معقّدة قليلًا، وأوراقها خضرة دائمًا، مائلة إلى الاصفرار، وجميلة مع لمعان في وجهها العلوي، وفيها قتامة.
والبن عديم الرائحة قبل التحميص، وإن استشعر الحس بعض الرائحة، أما أزهار الشجرة فهي ذات رائحة ذكية.
ويجنى من شجرة البن ما يقارب 5 أرطال من حب البن، مرتين في السنة، وذلك في الربيع والخريف، خلال 30 إلى 40 عامًا، وثمارها تنضج بعد الزهر، بـ4 أشهر.
وقد سنحت لي الفرصة عام 1981، لأدرسَ في ريف مدينة تعز باليمن طلاب الصف السادس والثالث، ولم يكن في المدرسة مقاعد مدرسية، فكانت تظلهم شجرة البن وارفة الظلال، ذات العناقيد الخضراء المائلة للصفرة الممتلئة بالحبوب الجميلة، والروائح الزكية.
أما شرب القهوة مرارًا وتكرارًا؛ فإنه يغير استقلاب الجسم، والإفراط في شربه يؤثر في انعدام الشهية للطعام.
وورد في قصة الملكة الفارسية التي كان زوجها يشرب القهوة كثيرًا، ففقد بذلك أي اهتمام جنسي بها.
وورد في كتاب الفوائد الإلهية الواردة عن خير البرية للحاجة درية الخرفان، ص133: أن الجن قدّموا سليمان عليه السلام فنجان القهوة.
ونشرت مجلة ألمانية أن شرب فنجانين من القهوة كل يوم يساعدان على التركيز ويعطيان الإنسان حاجته العادية من فيتامين ب6 – وب12.
وإذا أفرط المرء في شرب القهوة، فقد يشعر بتعب وقلق على فم المعدة.
والاستمرار في الإفراط، ربما يورث ضعفًا في أعضاء الجهاز التناسلي، غير أن هذه الأعراض تزول بالامتناع عن شربها، ومن الآثار الإيجابية لشرب القهوة خصوصًا قدراتها على بنية العقل للدراسة أو العبادة، وتحتسى القهوة بصحبة الأصدقاء، فلها ذوقها، وإذا شربت القهوة بعد الأطعمة الثقيلة فإنها تقوي الهضم.

جلبَ العرب شجرة البن من أثيوبيا (الحبشة) واليمن منذ زمن بعيد، ونقلت الشجرة إلى الهند ثم إلى أوروبا، وأخيرًا إلى أمريكا الجنوبية, ويلقى مشروب القهوة الإعجاب في بلاد أوروبا، وانتشرت في إستنبول، والتي حملها السلطان سليم عام 1507م مباشرة من مصر.
أما في إيران فكانوا يشربون القهوة المغلية من القشر، وانتشرت في دمشق عام 1540م.
واختلف الناس في دمشق في شربها، فبعضهم من شجع على شربها، وبعضهم حذّر من شربها، قال أحدهم:
– نصاب القهوة فنجانان، قالوا وفي رمضان ليس لها نصاب

القهوة تثير النشوة في الجسم، وهناك من حرّم شربها، وهذا من التخلف الفكري. إنها تزيل الصداع من الرأس وتشفي أمراض عسر الهضم والدورة الدموية.
يروى أنّ انتشار شرب القهوة في دمشق كان عن طريق المتصوفة الذين قدموا بلاد الشام مباشرة من الأراضي المقدسة في الجزيرة العربية.
جاء عن الشيخ الشهير عبدالغني النابلسي في كتابه (خمرة بابل وغناء البلابل) عن القهوة وميزاتها في طرد الهموم، وجلب المسرّات دون أن تعرض الجسد للمخاطر.
– فنجان قهوة ذا المليح وعليه الكحلاء حارت فيهما الألباب

والقهوة مشروب اجتماعي تقدمه للمدعويين:
– فنجان قهوة بن زكت تعيد أيام الصبا للعجوز

وشرب القهوة يطفئ جمرة الكسل، ويقال عن العالم أحمد شهاب الدين الخفاجي المصري أنه لم يجد أفضل من أن يشرب فنجان قهوة في الصبوح، وهو مستعد لممارسة مهامه بوصفه قاضي القضاة في مصر وسورية وسالونيك.
والقهوة تدفع النوم عندما يعمل الإنسان في الليل، ويقول محمد عمر الحريري:
– هـــاتـــها قـهوة خلاصة بن مـــرة لــذوق تدفع النوم عني
– إنما النوم في الحقيقة موت هل يحب المـوت امرؤ متهني
– واسقنيها بالــهال يعبق منها طــيبه فــوق طـيبها وادن مني
– فـهـي بعد الطعام أفكه شيء يحتســيه الإنســــان حين يثني
– وهـــي عند الكرام أول أمر تقتضيــه الضيـفـان دون تـأنـي
– تجمع الناس حولــها حلقات حيــث مهباشــها بضـرب يغني
– كـــلّ بـيـت تدق فـيـه تــراه لمـقــر الضيــوف كــعبــة أمـن

وشاعت عادات إضافة الحليب للقهوة خاصة في الصباح الباكر وهو شيء حسن.
والقهوة مشروب الكتاب والمدرسين والعلماء والشعراء وأهل الأدب، ولشيوخ العشائر والقبائل خصوصيات في صناعتها وتذوقها عندما تشعل النيران، ويكون وقود صناعتها جمر الحطب.
وشرب القهوة عادة اجتماعية ذكورية ونسائية، تؤدي إلى تقارب جماعي وصداقات، بالإضافة إلى أنّها مادة تحفّز التفكير والدراسة.

صناعة القهوة
تؤخذ كمية من حبوب القهوة الخضراء إلى المحماس، وتوضع على موقد النار لتحمص حتى تحمر، ويتغير لونها، ثم توضع في مجمع القهوة الخشبي، وتفرغ من المجمع إلى نجر القهوة المصنوع من خشب السويد.
وفي المرحلة الثانية تدق حبوب القهوة في داخل النجر، حتى تصبح ناعمة كالطحين، ثم تعاد للمجمع ليصبح بكرًا صافيًا، ومن الملاحظة عدم لمس البن بالأيدي، ثم توضع بالكمكوم دلّة القهوة الكبيرة، ويسمّى طباخ القهوة، ثم تغلى حسب الطلب فوق التشريبة (العشرة) ثم تصفى في المصب ويضاف لها الهيل.

أسماء أوعية القهوة؛ (الكمكوم – المصب – الدلة الصغيرة – النجر – المنساف –المهباش – الفناجين – إبريق الماء).

ما يضاف للقهوة أثناء تصنيعها: يضاف للقهوة ما يسمى الهيل، وهو ملح القهوة، وجوزة الطيب؛ وهي بهار القهوة، وعشر حبات من حبوب القهوة الساخنة من المحماس للمصب، وهذه القهوة تسمى البجر، وهو إيدام القهوة.

ومن عادات الناس وما تعارف عليه الجميع
1- يقدم فنجان القهوة للشارب باليد اليمنى
2- يأخذ الشارب الفنجان الأول بيده اليمنى ثم يهز الفنجان بيده، وهذا يعني ألّا يعيد الساقي ملء الفنجان مرة ثانية، وإن لم يهز الفنجان فعلى الساقي ملء الفنجان مرة ثانية. ولا يعطى الفنجان للمرة الثالثة إلا بشروط.

قيل عن القهوة وصناعتها :
– كوم ســــــوي فنجان بجر صـــــافي من نجر ابن كسران عليها تواصيف
– واحمس وزين حمسها يا الســـــنافي وكبها ونســـفها على النجر تنســـيف
– واحرص عليها من سريب المصافي ومن قولة الشـــراب يا حيف يا حيف
– وإن صبّـــها تشـــبه دم الــــــرعافي وإلا الذهب من فوق روس المشانيف
– بـــهارها من ديــــرة الـــهند لافـــي بي مركب حاديها جـري العواصيف
– صبــــها لـــمن يثني خــلف المحافي يوم الفرنجي يجذف المــلح تجــاذيف
وجزها عن اللي بالحرب يكون غافي

أثناء تصنيع القهوة يجب مراعاة ما يلي:
– ألا يشتد حرق البن لأن القهوة تفقد جزءًا من صفاتها الجليلة ويغير طعمها.
عندما يكون البن محمّصًا تحميصًا مناسبًا أي لونه أشقر, يوصى بطحنه ونقعه حالًا, ويستعمل حارًا, لأنّ عطريته ولطافته تفقدان، إذا مضى الزمن على غليه وطبخه.

المواد التي تضاف إلى البن – القهوة – أثناء تصنيعها:
الهيل – الزعفران – الشمطري – العنبر – المسمار – الزباد – العويدي

قال أحد الشعراء عن صناعة القهوة:
– يمــل قلب كل ما لـــتم الإشـــــــفاق من عام الأول به دواكـــــــيـك وخفوق
– إن عن له تذكار الأحباب واشــــتاق باله وطف بخاطره طاري الشـــــــوق
– قربت له من غايــة الـبن مــــــا لاق بالكيف صافيها عن العذف منســـــوق
– احمس ثلاثة يا نديمي على ســــــاق ريحها على جمر الغضا يفضح السوق
– حذراك ونياها وبالك من الإحـــراق واصحــــــا تصير جل الحمس مطفوق
– لي اصفر لونها ثم بشــــت بالعـراق وغدت كما الياقـوت يطـرب لها المـوق
– وعطت بريح فاضـــح فاخـر فــــاق تقول عنبر ريحــها بالأنفاس منشـــوق
– وزلها على وضحة بها خمسة ارناق هيــل ومســـمار بالأســـباب مســـحوق
– مع زعفران والشمطري ليا انســـاق ريحها مع العنبر على الطــــاق مطبوق
– لي أصبـــــح هـــذا وهـــــذا باتفــاق صبــها كفيت العــــــوق عن كل مخلوق

لاتخلو مضافات ودواوين وأوضات العامة وربعات العوائل العربية والسريانية والكردية في بلادنا الشرقية والبيوتات عامة في سورية والعراق وبلاد الخليج والأردن والمغرب العربي من دلال القهوة وحبات البن.
أما شيوخ العشائر والقبائل فمواقدها شعّالة, ووقّادة، ففي الصباح والمساء يجتمع الناس في مضافات الشيوخ والوجهاء؛ لتناول أطراف الحديث التراثي والاجتماعي والتاريخي والقصص وهموم الناس، ولتناول فنجان القهوة المرة الذي يطيب في هذه اللقاءات وفي هذه الدواوين العامرة.
ولا تحلو الجلسات ولا تطيب الأحاديث دون تناول فنجان القهوة المرة، بل لا يوجد ديوان أو مضافة إلا ودلة القهوة بائنة واضحة منيرة للمكان مرفوعة الهامة كصاحبها، والفناجين المذهبة حولها كالعنود بين غزلانها.
واشتهر تاريخيا (مزعل) في صناعة الدلال.
يقول أحدهم:
– مــرينه بيكم عدي واحنه بغطار الليل
– واسـمعنه دق قهوة وشمينه ريحة هيل
– ياريل صيح بقهر صيحة عشق ياريل
– هودر هواهم ولك حدر السنابل كطة

ومضافات ودواوين الجزيرة السورية والرقة والفرات تعج بريح الهيل والشمطري والزعفران من ذاك الزمن ولليوم.

المصادر :
1- شجرة البن – محمد باكثير
2- مجلة التراث العربي
3- كتاب العكيدات عيال الأبرز- جاسم الهويدي

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password