الشرق الأوسط والحرب في القرن الحادي والعشرين وآفاق الحلّ – الجزء الثاني

صلاح الدين مسلم

ثنائيّة الصراع في سوريا والشرق الأوسط

انحصر الصراع السوريّ في شخص بشار الأسد، وبات التعنت واضحًا ما بين المفهومين؛ مفهوم التشبّث به ومفهوم التخلّص منه، ومن هنا انحسرت الأزمة في (لا حلّ وسط) لإنقاذ الشعب الذي يعتبر الضحيّة الوحيدة في الصراعات الثنائيّة التعنّتية، وقد قوّى النظام العالميّ والدول الإقليميّة هذا المفهوم، لتمتدّ الأزمة ولينحصر الصراع الشرق أوسطيّ في بؤرة واحدة فحسب.

يوجد دائماً عبر هذه الحرب الضروس في الشرق الأوسط اتّفاقٌ ما بين المركز الأميركيّ وبين الأطراف، وهناك ضحيّة أو ورقة يجب التخلّص منها لكن في حينها، ففي الأزمة الليبيّة كان قرار التخلّص من القذّافي قد اتّخذ، وكذلك في مصر وتونس واليمن، لكن في سوريا لم يُتّخذ قرار التخلّص من الأسد بعد، فمن الغباء نعت هذا الصراع الحاصل في سوريا والشرق الأوسط بصراع بين الاشتراكيّة والرأسماليّة، أو بين الشيعة والسنّة، أو بين النظام والمعارضة، بين الشعب الكرديّ والتركيّ أو العربيّ… إلى ما هنالك من الثنائيات التي خُلِقت مع هذه الحرب المفتعلة بين القوى الرأسماليّة التي تريد أن تجعل أيديولوجيّتها هي السائدة، فهذه السلطة المركزيّة الأميركيّة بهيمنتها على الاقتصاد مرغمة على إكمال ذاتها بالهيمنة الأيديولوجيّة النيوليبراليّة بمساعدة الدول الأطراف على الشرق الأوسط، فكيف سيستطيع بوتين ضرْب التنظيمات الإرهابيّة دون التنسيق بينها وبين أميركا؟ فأيّ خطأ سيؤدّي إلى كارثة دوليّة.

إنّ التحليلات التي تستند إلى أنّ هناك صراعاً بين الأقطاب الكبرى (ما بين روسيا والصين و أميركا وبريطانيا..) محض غباء مستفيض في دراسة الوقائع والنتائج ودراستها، فما التدخّل القطريّ إلّا تسويقٌ للغاز، وما الدفاع الروسيّ المستميت إلّا لتدمير هذا الطريق الواصلة بين الخليج العربيّ وأوروبا، وما هذان القطبان إلّا وهمٌ لاستدراج الفكر إلى السوق، والترويج للمنتجات، وقد استطاع بشار الأسد؛ (الوسيلة) أن يكون الفتيل لتجدّد الأزمة الشرق أوسطيّة من جديد.

لقد كان افتعال الصراع الشيعي السنّي يشابه افتعال المعارضة والنظام، فلابدّ أن ينفي أحدهما الآخر، وعندما تخرج القضيّة الكردية إلى الملأ يظهر الاتهام الجاهز (الكرد مع النظام أو ضدّه، مع المعارضة أو ضدّها…) دون الاعتماد على فكرة (الحلّ التوافقيّ أو الخطّ الثالث) فالذهنية قد بُرمجت على هذا الأساس فحسب.

 

بزوغ فجر الإسلام السياسيّ وغروبه

يدور الحديث أبداً حول الدولة القوميّة حلّالة المشاكل، وأنّها السحر والحلّ الذي لا حلّ سواه، وهي الوصفة السحريّة لكلّ داء، وكلّ حلّ سواه يعتبر هراءً وضياعاً وتمضية وقت ليس إلّا، مع أنّها صانعة المشاكل أبداً، فلطالما كان البحث دؤوباً عن خليط سحريّ ينتج الدولة القوميّة، على الرغم من ضخّ الروّاد في هذا المجال، عبر روّاد اليقظة العربيّة وخروج النفحات القوميّة البدائيّة كالجمعيّة الفتاة سواء في بلاد الشام أو مصر أو العراق في بدايات الثورة العربيّة الكبرى بقيادة الشريف حسين، وسواء من خلال تحريض القومويين المسيحيين (البستاني، أنطوان سعادة، ميشيل عفلق…) أو غيرهم ممن دمجوا بين القوميّة والحداثة (صدام حسين، جمال عبد الناصر، حافظ الأسد..)، إلّا أنّ هذه القومويّة؛ (القوميّة البدائيّة التعصّبيّة) لم تنفتح للديمقراطيّة، فكان الخيار أمامهم مغلقاً، فإمّا قليل من الديمقراطيّة، فالثورات والانشقاقات والانقلابات أو القمع فبالتالي الثورات أيضاً.

فكان اللجوء إلى الإسلام السياسيّ المنفذ الوحيد للحداثة الرأسماليّة، لعلّ هذا الإسلام السياسيّ يكون حلّاً لإنقاذ هيمنة النظام، ومعاقبة من لا ينفتح للنظام العالميّ كالعراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن…

لقد أدّى الإصرار الغربيّ على تطبيق الليبراليّة على الشرق عامّة إلى ابتداع فكرة جديدة وهي الليبرالية الإسلاميّة (الإسلام السياسي)، وبات النقاش منصبًّا حول الإسلام ما بين الإرهاب أو الليبراليّة، فإمّا أنّ المسلم إرهابيّ يجب قتله أو هو ليبراليّ يجب احتضانه، فالكاتب الأمريكي الذي ألف كتاب الليبرالية الإسلامية، يؤكّد على أنّه دون وجود ليبرالية إسلامية فإن الليبرالية السياسية لن تحقق النجاح، أي أنّ الليبراليّة العالميّة بحاجة إلى الليبراليّة الإسلاميّة أو الإسلام السياسيّ لكي تكمل الوحة الليبرالية العالمية، التي تنحو نحو الغزوات التاريخية العالمية التي لم تتوانَ عن فرض ثقافتها على العالم، كما فعل المقدوني والمغول والغزوات الإسلامية والصليبية….

يقول د.منصور الشمري في مقال بعنوان الليبرالية في الشرق الأوسط: “وأعتقدُ أن السبب في انخفاض معدلات قبول الليبرالية بالشرق الأوسط هو أن الليبرالية الغربية تختلف جذرياً عن الليبرالية العربية, فالليبرالية الغربية قامت في أوروبا عبر عدة مراحل طويلة من التطوير كان سبب قيامها حاجة الفرد الأوروبي للنظام الذي يكفل حقوقه وحريته، وأستطيعُ القول بأن نشوء الليبرالية في أوروبا كانت حالة خاصة لا يمكن توظيفها على مناخ ثقافي آخر مختلف يتفرع منه الدين والسياسة والاقتصاد, كما أن الليبرالية السياسية مرفوضة بسبب أنها تشكّل خارطة طريق تخالف الأرث الديني والثقافي والاجتماعي عند كثير من المجتمعات العربية والمسلمة.”

لم يستطع الإسلام السياسيّ (بصفته قوميّة بحلّة جديدة) بريادة أردوغان أن يلقى نجاحاً في العالم العربيّ، إذْ حاول أن يوظّف الإسلام الثقافيّ لخدمته، ولم يرق هذا المشروع إسرائيل بعد أن استلم المرسيّ الحكم في مصر، إذْ أنّه هدّد الحدود الجنوبيّة بعد أن استلم الحكم، وصار يسعى إلى التعاقد مع تركيا أو الأحرى الخنوع لأردوغان ليقوى النفوذ الإسلاميّ الراديكاليّ، ليسعى إلى أن يكون غاية لا وسيلة كما هو مخطّط له، فأُجهض هذا الحلّ قبل أن يلقى النور كفاية، وقلّمت أظافر أردوغان بعد أن أكمل مهمّته في إرسال الرأسمال الماليّ إلى الشرق الأوسط.

فقد كانت المراوغة الكبرى تكمن في دمج الحداثة بالتقاليد التاريخيّة، واستحداث هجين حداثويّ غريب، فقد كان طرحاً في غاية السذاجة والغباء من قبل دعاة التنوير الشرقيّ، وكان الحلّ كلّه يدور حول الدولة القوميّة المستوردة من الخارج لا محالة.

لقد كانت الحلول أجمعها تنصبّ في عدم القدرة على التعبير عن المعاني الساميّة الموجودة في الثقافة الشرق أوسطيّة، فلم يكن بمقدورها تحديد مسار إرادة الحياة والذهنيّة التاريخيّة للحضارة المتجذّرة في ذوات الشرقيّ الذي تشرّبت جذورها من مهد الحضارة الأولى في بلاد موزوبوتاميا، ممّا أدّى بها إلى العقم واللاحلّ وعدم الإنتاج، وبالتالي أدّى به إلى الثورة على هذه الثقافة الجديدة المستوردة التي لا تعتبر من لدن هذه الحضارة التي يستقي منها رغماً عنه.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password