الشرق الأوسط والحرب في القرن الحادي والعشرين وآفاق الحلّ – الجزء الثالث

صلاح الدين مسلم

النزاع – التوافق الإسرائيليّ الإيرانيّ

إنّ إسرائيل بهذه الحرب قد أبعدت الأنظار كلّيّاً عنها، وصارت في طيّ النسيان، فما عادت قضية العرب والإسلام المحوريّة هي إسرائيل، بل صار الالتفات إلى التنقيب عن الصراعات بين السنة والشيعة، والعرب والكرد هو الهاجس الوحيد الذي يقض مضاجع المتصارعين.

فالثقافة الإيرانيّة ذات الجذور الفارسيّة التي ارتدت لبوس التشيّع كنظام دولة، في حرب ضروس مع الحداثة الرأسماليّة والدولة بحدّ ذاتها، فالحداثة الرأسماليّة تصارع من أجل إركاع هذه الثقافة الفارسيّة وضمّها إلى ركبها، وهي أمام حربين: (حرب الديمقراطيّة والتعايش مع الشعوب الأخرى في إيران كالشعب الكرديّ في شمال غرب إيران، وحرب الحداثة والحفاظ على هويّة الشرق الأوسط من خلال ريادتها في المقاومة حتّى الآن) لكنّ يبدو أنّ هذه المقاومة ضدّ أميركا هي وسيلة وليست غاية، وذلك لجعل تلك المقاومة سلاحاً فعّالاً في الابتزاز للحصول على لقمة الأسد في هذه المعركة الطاحنة بين الحداثة الرأسماليّة المتجسّدة بتركيا وأعوانها والحداثة الديمقراطيّة المتجسّدة في ثورة الشمال السوريّ والمجتمعات التي تنضمّ إليها يومًا بعد يوم، وكلّ هذه التوازنات وحروب بسط الهيمنة لا تخرج عن نطاق نظام المحاصصة، والبحث عن قطعة في هذه الحفلة الدمويّة، لذلك فاحتمال الانصياع الفارسيّ لنظام القوّة العالميّة المهيمنة أمر وارد جدًّا، بل هو قريب المدى سواء بالحرب أم بالسلم، وبعد أن قصّوا جناح إيران في هذه الاتفاقيّة النوويّة بينها وبين النظام العالميّ.

لكنّ الصراع بين إسرائيل وإيران في بسط النفوذ مازال جارياَ، وكلاهما يتنازعان – ويتفقان في بعض الأحيان – على فرض النظام على الشرق الأوسط، وكانت الثورة السوريّة بمثابة المنقذ لإسرائيل لإنهاك من يقف أمامها، فلذلك جاهدت في إطالة عمر الأزمة، ممّا أدّى إلى التدخّل الإيراني، وبالتالي روسيا، وبالمقابل تركيا وقطر والسعوديّة، وصارت سوريا أرضًا خصبة لتصفية الحسابات، فهذه الطلقات والبراميل وكلّ هذا التدمير المبرمج يفوق ميزانية سوريا في تغطيّة هذه الحرب، وصارت الفرصة مؤاتية لأردوغان للقضاء على الكرد وإبادتهم وطيّ الصفحة الكرديّة في روجآفا وباكور، والانتقال إلى باشور للقضاء على هذه الدولة القوميّة الكرديّة الناشئة؛ البديل عن الحلم الكرديّ، الذي غيّروه  بعد حوادث كركوك والاستفتاء على للاستقلال، ثمّ البدء ببسط نفوذه على الشرق الأوسط، واستعادة أمجاد الإمبراطوريّة العثمانيّة الغابرة بحلّة الحداثة الرأسماليّة، لكنّ ثورة روجآفا والشمال السوريّ ومعركة المصير؛ كوباني كانت الفيصل لهذه الطموحات.

 

القضيّة الكرديّة والدولة العميقة التركيّة

في الدول اديكتاتورية لا تحتاج الدولة إلى دولة عميقة، فقانون الطوارئ والإجراءات التعسّفية يمكنها القضاء على القانون والأخلاق دون مساءلة، لكن في المثال التركي وغيره من المثال الذي انتهج الديمقراطيّة الشكليّة والأنظمة والقوانين، ارتأت أن تصنع دولة عميقة داخل الدولة لتسيّير أمور الدولة، في القفز على القوانين وتمريرها لصالح الدولة القوميّة، كالاغتيالات وغيرها من الأمور التي لا تستطيع الدولة أن تقوم بها، فالدولة العميقة ليست اكتشافا جديدا،في نظر الكاتب المصري فهمي هويدي في بحث بعنوان: (سؤال الدولة العميقة فى مصر) حيث يقول: “لأن المصطلح متداول في دول عدة، بعضها في أمريكا اللاتينية، ثم أنه مشهور وله رنينه الخاص في تركيا بوجه أخص منذ أكثر من نصف قرن. ويقصد به شبكة العملاء الذين ينتمون إلى تنظيم غير رسمي، له مصالحه الواسعة وامتداداته في الداخل والخارج. ونقطة القوة فيه أن عناصره الأساسية لها وجودها في مختلف مؤسسات ومفاصل الدولة، المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية. الأمر الذى يوفر لتلك العناصر فرصة توجيه أنشطة مؤسسات الدولة الرسمية والتأثير في القرار السياسى. وللدولة العميقة وجهان، أحدهما معلن وظاهر يتمثل في رجالها الذين يتبوؤون مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة والجيش والبرلمان والنقابات إلى جانب مؤسسات الإعلام ونجوم الفن والرياضة. الوجه الآخر خفى غير معلن يتولى تحريك الأطراف المعنية في مؤسسات الدولة لتنفيذ المخططات المرسومة.”

لا يمكن الحديث عن أيّة مشكلة في الشرق الأوسط دون إقحام الدور التركيّ في هذه المأساة، فهي التي استوردت هذا المشروع عبر الهجين (حزب الاتّحاد والترقيّ) ذي النشأة المشبوهة، وصولاً إلى حزب العدالة والتنميّة هذا الحزب الذي صبّ كلّ طاقته لقتل الديمقراطيّة والسلام، وكان السلام التركي الابتزاليّ الغبيّ المؤلف من جملة (لنلهيهم قليلاً ولنتصرف تكتيكياً معهم، حتى نقوم بتصفيتهم فيما بعد، إنّها سياسة العصا والجزرة التي ما عادت تنفع مع نهضة الكرد إثر ثورة حركة التحرير الكردستانية المصيريّة، وأردوغان الذي يكرّر العبارات القومويّة الفاضحة المبتذلة دون خجل أو حياء من مناصريه غير الأتراك، وكان هدفه يكمن في تعميق كلّ مرادفات الدولة القوميّة الفاشيّة، حتّى أنّه صار يتباهى بأنّه هتلر العصر، وقد حوّل الصراع إلى صراع سنّيّ شيعيّ، ودفع كلّ التحالفات إلى هذا المنحى، وبدعم من الهيمنة المركزيّة.

إنّ نشوء نظام أرغنكونان التابع للغلاديو الذي صمّم خصيصاً ليكون الدولة العميقة التي تقود تركيا، وهذه التسميات كلّها ليست إلا لنسب جرائم مجهولي الفاعل إلى هذه التنظيمات التي تعمل بالتوازي مع دولة القانون، وهي فكرة إنكليزيّة إسرائيليّة بحتة، فالتنظيمات الخفيّة التي يلجؤون إليها كالماسونيّة وغلاديو وأرغنكون وغيرها ليست إلّا غطاء هروبيّاً لتنفيذ أيّ مخطّط لا يستطيع رجال الدولة القيام به قانونيّاً، وهو التحايل الخبيث على الشعب باسم هذه التنظيمات السرّيّة التي تموّلها الدولة سرّاً، وذلك للابتعاد عن مساءلة الشعب من جهة، وممارسة الإرهاب من جهة ومكافحة من يخالف تطلّعات هذه الدولة القوميّة المقيتة، إنّ هذه الأنظمة تنشط في العالم عامّة وفي تركيا على وجه الخصوص تريد أن يبقى الرأسمال محصّناً كقلعة منيعة ضدّ من يحاول إفساد مخطّطاتهم، ويتجسّد العداء الأوّل ضدّ تطلّعات الشعب الكرديّ في الدولة التركيّة الذي يمثّل 40% من الدولة أو أكثر إذا حسبنا الكرد المنصهرين، فهذه الشبكات تمثّل الدولة التي تقتل وتبيد الكرد وتُحرّك الشرق الأوسط عبر القنوات التي تقودها في إسرائيل وإنكلترا، فلا حراك في الشرق الأوسط دون القضيّة الكرديّة، وقد تمّ تصفية أرغنكون العلماني الذي كان بقيادة حزب الشعب الجمهوري “CHP” ليُستبدَل بأرغنكون الديني بقيادة حزب العدالة والتنمية “AKP”.

إنّ “أرغنكون” قتل عشرة آلاف كردي، ولم يتم الكشف عن واحد فقط من هؤلاء في المحكمة، إنّ الإبادة التي تحقّقت في شنكال الموطن الرئيس للثقافة الكرديّة الإيزيديّة التي تعدّ العاصمة الروحيّة للذاكرة الكردياتيّة وإن تشوّهت في كثير من الجوانب، تعدّ الإبادة  الثالثة والسبعين بحقّ هذا الشعب جوهر اللعبة.

كان قرار إنهاء آخر معقل من معاقل الاشتراكيّة في الشرق الأوسط، قد اتّخذ في عام 1999 من قِبل إسرائيل وأميركا، وذلك بإنهاء حزب العمال الكردستانيّ PKK  من خلال اعتقال قائد الحزب؛ عبد الله أوجلان، وإنهاء القضية الكرديّة من خلال التسرّب إلى الحزب في قنديل عبر قنوات لتبثّ الفكر الليبراليّ، وتميّع الثورة عن طريق التصفويين، لكنّ أميركا كانت تريد أن تضرب الكرد والدولة التركيّة في آن واحد، وذلك بتصفية الحزب الثوريّ، وجرّ تركيا إلى دوّامة الحرب، وكي تغرق تركيا في وحل الحرب، وتشتعل المنطقة عبر القناة التركيّة، ليدير الغرب الرأسماليّ دفّة الحياة الشرق أوسطيّة بعد أن تنهك الأطراف جميعها، وهذه السياسة هي سياسة تقليديّة لدى الاستعمار، في خلق النزاعات وإضعاف الأطراف ومجيئها كدور المنقذ، فلكي  تستمر مواردهم الاقتصادية فيجب أن تستمر الحرب.

ودائمًا أردوغان ييعتقل الناس بحجة أنّه مع أرغنكون، وأردوغان يستعمل أرغنكون لإبادة شعبه، إنّها مهزلة السياسة القوموية في تركيا وفي العالم بأجمعه، أن يكون هناك تنظيم سري لا يعرف إلى حساب من يعمل، سوى أنّه تنظيم ضدّ مصالح الشعوب والمجتمعات، ونرى كاتبًا يقول إنّ أرغنكون ضدّ الدولة العميقة في تركيا، وكاتب آخر يقول إنّ الدولة العميقة ضد الدولة التركيّة… إلى ما هنالك من ترّهات لا معنى لها، لقد أصبحت الدولة العميقة بمرور الوقت كياناً موازياً للدولة الرسمية، وهذا ما يؤكّد عليه د. هاشم حسين بابكر في بحثه: (الدولة العميقة).

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password