لا عجب ممن أسقطوا رمز الحرية في عفرين فقد أسقطوا رمز الثورة في إدلب قبله!

لزكين إبراهيم

من أكثر المصطلحات التي باتت تثير السخرية ولايزال الإعلام يرددها والتي لم تعد تعبر عن حقيقتها ويمكن اعتبارها أنها تستخدم مجازاً لا حقيقة هي مصطلحات “الثورة السورية، الجيش السوري الحر، المعارضة السورية” لأننا إن قارنا بين المعنى الحقيقي لتلك المصطلحات ومن يطلق عليهم هذه التسميات على أرض الواقع حاليا سنجد أنها لا تعبر عن معناها ابداً، بل قد تعبر عن نقيضها، لأن الثورة سقطت أخلاقيا وذهنياً بعد تحولها إلى بيدق بيد تركيا.

وما يؤكد السقوط الفكري والأخلاقي للثورة السورية هي اسقاطهم بأنفسهم لكافة رموز الثورة والحرية وتمسكهم بالذهنية الشوفينية والعنصرية والسلفية والإرهابية، فلا يمكننا لاستغراب ممن أسقطوا تمثال كاوا الحداد رمز الحرية للشعب الكردي في آذار 2018 بمدينة عفرين لأنهم أنفسهم من أسقطوا تمثال إبراهيم هنانو رمز الثورة السورية وأحد أبرز قادة الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في آذار عام 2015 في مدينة إدلب قبله! وهذا دليل على أن هذه الذهنية المتحكمة بالثورة تجردت من كافة القيم الثورية وتحولوا إلى مجموعات مرتزقة وإرهابية، وهؤلاء بطبيعة الحال لن يجلبوا لمكونات الشعب السوري بكرده وعربه إلا الدمار والنهب والسلب، لأن هذه الذهنية التي اسقطت معاني ورموز الحرية والثورة استبدلوها بذهنية الغزوات واللصوصية، وهم مستعدون لأن يموتوا في سبيل اشباع رغبتهم في القتل والحصول على الغنائم حتى وإن كانت الغنيمة تيساً أو دجاجة، فالأمر لم يعد بالنسبة لهم قيمة الغنيمة إنما اشباع روح الارتزاق الذي عشعش في نفوسهم.

فلو عدنا وقارنا مصطلح الثورة السورية والجيش السوري الحر، مع من يدعون اليوم أنهم يمثلونها سنجد تناقضاً كبيرا في المعنى والمضمون، فالعملية الثورية كلها مرتبطة بذهنية الثورة، ولا يمكن التحدث عن الثورة وعملية التغيير والتحول دون القيام بتحويلات وتغييرات كبيرة وجذرية في الفكر والذهنية، ولكن المجموعات المسلحة بكافة تسميات والتي تدعي أنها تحمل لواء الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 نراها اليوم ساقطة أخلاقياً وذهنياً ولا تملك أي برنامج ثوري من أجل الشعب السوري وابتعدت كثيراً عن المطلب الجماهيري.

ومن يبتعد عن قاعدته الشعبية يفقد القيم الثورية والأخلاقية ويتحول تلقائيا إلى مرتزق لا تهمه في حربه سوى مكاسبه الشخصية وما سيغتنمه من معركته، وسيحتاج إلى بديل عن الشعب لدعمه في غزواته وإمداده بالعدة والعتاد، ووجدت تركيا ضالتها في أولئك المرتزقة الذين برزوا كديدان من تفسخ الثورة السورية التي ماتت في مهدها بعد تحولها إلى ثورة مسلحة، لتجمعهم تركيا تحت جناحها وتمرر بهم سياساتها في المنطقة، وما ساعدها على السيطرة عليهم حالة التخلف الفكري والذهني لمن صعدوا على ظهر الثورة.

فالموضوع الأساسي في كل ثورة هو مدى نجاح القوى الثورية في تحقيق أهداف وبرنامج الثورة من النواحي العملية والنظرية. فالتطبيق مرتبط بالنظرية بشكل وثيق، فمدى وضوح النظرية والرؤية، يحدد وضوح برنامج وأهداف الثورة أيضاً ولكن ثوار سوريا اليوم لم يعد يحملون في مخططاتهم الثورية سوى ذهنية القتل والغزو وترديد شعارات عنصرية وطائفية وجهادية وسلفية لم تكن كلها موضوعة في برنامج ثورة الشعب السوري الذي خرج عام 2011 بشكل سلمي يطالب بالحرية والكرامة، وبعد أن تحولت الثورة إلى مسلحة في البداية رفعوا سقف المطالب إلى اسقاط النظام، ولكن ثوار سوريا اليوم المطلقين على أنفسهم اسم “الجيش السوري الحر” وفي الحقيقة لم يعد لا حراً ولا سورياً ولا جيشاً، لأنهم جلبوا للشعب السوري كل شيء إلا الحرية والكرامة، واسقطوا كل شيء إلا النظام، وتحولوا إلى أداة تنفيذ بيد تركيا فبأمر من أردوغان لم يعد يقاتلون النظام حتى، لذا لا يمكن أن نطلق على المجموعات المسلحة الموجودة اليوم بأنهم ثوار وجيش حر، ولا يمكن الحديث عن ثورة سوريا أصلاً، لأنه بابتعاد الثورة عن الأهداف والبرامج الثورية الحقيقة القائمة على مطالب الشعب، لا يمكن تسميتها بثورة، بل يمكن اعتبارها ثورة مضادة خرجت من أحشاء الثورة الحقيقة وقتلتها لتتغذى على جثتها وتتوسع باسمها على حساب دماء الشعوب.

وكان واضحاً منذ البداية أن العناصر المضادة للثورة باتت تطفو على السطح ويوجهون دفة الثورة نحو الصخور بدلاً من بر الأمان، فمن نهبوا مؤسسات الدولة وحتى المدارس وهدموها معتبرينها جزء من النظام لا يمكن أن يصبحوا إلا مرتزقة وغزاة، ومن قتلوا الموظفين في الدوائر الحكومية والاسرى من المجندين معتبرينهم تابعين للنظام لا يمكن أن يصبحوا إلى إرهابيين وقتلى، لأنهم بهذه الأفعال اسقطوا الدولة ومؤسساتها التي هي لخدمة الشعب بدلاً من اسقاط النظام، بل وكانت أفعالهم هذه سببا في تقوية النظام أكثر بابتعاد الشعب عن هكذا ثورة، وللأسف هذه الذهنية هي التي استحوذت على الثورة السورية التي لم تتمكن من الدفاع عن نفسها فاستسلمت لهذه العناصر، وهؤلاء الذين حولوا أهداف الثورة إلى النهب والسلب والقتل وتنفيذ مخططات تركيا الراعية لهم.

وبالمقابل مادامت الثورة ماتت ولم يعد هناك ثوار، وحل محلهم مجموعات مرتزقة وإجرامية، هنا وبشكل تلقائي لايمكن الحديث عن المعارضة السورية أيضاً، لأن المعارضة مرتبطة بتلك الثورة المطالبة بتغيير النظام لإحلال بديل أفضل محله، ولكن من يطلقون على أنفسهم اليوم اسم المعارضة ويعتبرون الواجهة السياسية لتلك المجموعات المرتزقة التي قتلت الثورة، وهي الأخرى لا تملك برنامجاً ثوريا يهدف إلى الحرية والعدالة والديمقراطية، إذا لا يمكن أن نسميهم بمعارضين، بل قد يكون المصطلح الأنسب لهم هو تجار أو مافيا السياسة، لأنهم لم يعد يحملون في جعبتهم هموم وطموحات وآمال الشعب، بل يمتصون باسم الشعب مقدرات الشعوب ويتاجرون بدمائهم، ولم يعد يحق لهم معارضة أحد سوى من تعارضهم تركيا لأنهم باتوا مجردين من الإرادة بتجردهم من الذهنية الثورية الحقيقة.

فكيف لهذه المعارضة أن تتحول إلى قوى ديمقراطية ولا تعترف بالغير ولا تقبل بوجوده أو تمارس سياسة الإنكار والإبادة ضده. كيف لها أن تدعي الثورة والمعارضة ضد الدولة ومؤسساتها الموجودة وتمثل ذهنية الدولة نفسها. إذاً هناك وضع غير سليم في مجال الذهنية والفكر.

وهنا يمكننا القول صراحة أن الثورة السورية فشلت وماتت في مهدها، والعلة الأساسية في ذلك هو عدم قدرة الثورة تغيير ذهنيتها وتنظيفها من أفكار الشوفينية والعنصرية والجهادية وعدم اتخاذها الشعب قاعدة اساسية لنضالها الثوري، وعدم قيامها بتغيير جذري في ذهنية المجتمع، لأن أي ثورة أو تغيير حقيقي يجب أن يستهدف قيام مجتمع ديمقراطي سياسي أخلاقي، أي تحقيق قيم المجتمع الطبيعي وفق زمان ومكان الذي تتم فيه هذه التغييرات والتحولات.

والسبب الرئيس في عدم وضوح الرؤية في الانتفاضات الحاصلة في الشرق الأوسط ضمن إطار مرحلة ربيع الشعوب، هي هذه النقطة بالذات أي عدم وجود نضال جدّي وحقيقي بصدد تغيير الذهنية أو خلق ذهنية جديدة ضمن المجتمع. لأن الذهنية القديمة لا تبني الجديد، بل الذهنية الجديدة تبني الجديد.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password