الشرق الأوسط والحرب في القرن الحادي والعشرين وآفاق الحلّ – الجزء الرابع والأخير

صلاح الدين مسلم

الإرهاب الداعشيّ طريقة النظام المهيمن في الحلّ
بحسب رؤية الكاتب المصري؛ أحمد علواني “إنّ الاشتباكَ مع إسرائيل سيبدأُ بعدَ الاستيلاء على كامل بلاد الشام، وبهذه الخطوةُ وبعد الاشتباك مع إسرائيل سوف تنقضي المرحلة الرابعة وتبدأ المرحلة الخامسة، وسيأتي الدورُ على الحكّام العرب مما يؤدّي إلى انهيار هذه الأنظمة بعد تعريتها أمامَ الرأي العام الإسلامي والعربي، والتي ستظهرُ في صورة الحامية لإسرائيل في المنطقة، فستنتفضُ هذه الشعوبُ في وجه حكّامها، مما سيفتحُ البابَ لتوسّع المناصرين والداعمين للإسلاميين في المنطقة، وبذلكَ يُفتحُ الطريقُ للبدء بالمرحلة السادسة ومرحلة الإعداد الشامل وحدوث المعركة الكبرى بين المسلمين والكفّار في مدينة دابق قربَ حلب بحسب الأحاديث النبويّة، وهذه المراحل ال5-6 ستبدأ من العام 2010 إلى العام2020 بحسب الرؤية!”
يمكننا أن نلخّص الحرب الداعشيّة والتركيّة على إنّها حرب استنزاف بكلّ معنى الكلمة، حرب إرهاق المجتمعات لإرضاخها على قبول هذا اللبوس الذي لا يُعدّ لبوسها، تريد هذه المنظومة العالميّة أن تلحق الجميع بركب هذا النظام، وتُركع كلّ الإرادات وتجعلها تستسلم إلى سطوتها، وكأنّه يقول: (فإمّا أن تكونوا معي بالإيمان بمشروعي الإلهي، أو سأمزّقكم إرباً إرباً، فسأشرّدكم وأقصف منازلكم، وأبيدكم، فإمّا أن تنصهروا أو تُبيدوا، وسأصادر العقول منكم ليبنوا دولتي، وسأحرق الباقي.)
إنّ الحداثة الرأسماليّة تلجأ إلى قراءة تاريخ الشرق الأوسط، ليس لشيء؛ إنّما لاستخلاص الخلافات الأثنيّة والعرقيّة والجروح الغائرة في القدم، والتي صارت في طيّ النسيان لنبشها وتأجيجها، فمازال شعارها الدؤوب (فرّقْ تسُدْ) بالفرقة تصبح سيّداً، ومازالت الدولة تختال بهذه المصطلحات اللاأخلاقيّة، وتفتخر بها.
إنّ نظريّة استنزاف القوى، وغياب المشروع الديمقراطيّ هما اللذان قد ولّدا داعش، فمن الغباء تفسير ظهور داعش في هذه البيئة، إن كان هناك حلّ أو أيديولوجيّة واضحة، أو إذا كان الحلّ الدولتيّ فعّالاً، أو إذا كانت الديمقراطيّة السلطويّة تنصبّ في خدمة المجتمع، إنّ هذه الأرض كانت أرضيّة خصبة لولادة هذا الوحش بعد غياب وضوح الرؤية وانهيار قدسيّة الدولة القوميّة بسرعة البرق، هذا الانهيار الذي صعق الغرب قبل الشرق، لذلك كان البديل الداعشيّ الحلّ الرائع والوصفة السحريّة لعقم الحلول البديلة عن الدولة القوميّة، حتّى يتمّ ترميمها من جديد، بعد رسم الحدود من قبل هذا الهجين الداعشيّ، والذي يعدّ أفضل وسيلة لتوجيه بوصلة الحرب أينما أراد النظام المهيمن، وكذلك لقتل كلّ هذه القيم المتراكمة في الذاكرة الشرقيّة من خلال التشويه الداعشيّ للتاريخ والحضارة الشرقيّة هذا عدا عن إبادة الآثار ومحو معالم المنطقة حول الفرات ودجلة، فقد كان خلق داعش في هذه البقعة الحضارية ليس بالمصادفة بمكان، هذا بالإضافة إلى أنّه تنظيم منقطع السلالة عن التنظيمات الراديكاليّة المعهودة كالقاعدة وغيرها، وإن لم تكن تختلف عنها كثيراً، وما تدمير القاعدة لتماثيل بوذا في أفغانستان، وتدمير حضارة ما بين النهرين من قبل داعش إلّا استمرارٌ لهذا التلاقح غير الطبيعيّ بين الحداثة الرأسماليّة الغربيّة وبين الشرق، فعلى الرغم من أنّ الحضارة الإسلاميّة استمرت أكثر من أربعة عشر قرناً على هذه المنطقة لكنّها لم تدمّر هذه المعالم التاريخيّة ولم تمحُ كلّ هذه الذاكرة كما تفعل الآن هذه التنظيمات الهجينيّة.

 

آفاق الحلّ
في هذه الحرب الضروس ثمّة فراغ في مخيلة الرأسماليّة؛ ألا وهو سقوط الدولة القوميّة المحتوم الركن المهمّ للحداثة الرأسماليّة، وهم في بحث عن الحلّ البديل الذي يرضي طموحاتهم في فائض الإنتاج والربح الأعظميّ؛ إذاً هو ترميم بقايا الدولة القوميّة الساقطة، وهي أزمة بنيويّة في أساسيات الحداثة الرأسماليّة، فتداعي الدولة القوميّة في الشرق يعني إمكانيّة تداعيها في الغرب، بل الحتميّة التاريخيّة تثبت ذلك، لذلك نعيد ونكرّر: إنّ الحداثة الرأسماليّة تجدّد نفسها في الشرق الأوسط.
لا يمكن الحديث عن هذه الحرب بمنطق السلطة الضيّق، فقد تجاوزت مفهوم السلطة لدى أولئك السلطويين الصغار في المنطقة، لقد صارت الحرب أكبر منهم حتّى، فهذا النظام يمتلك من الحيلة والبراعة ليستلم زمام الأمور من أيّ قائد، ويحوّلها إلى غيره إذا اقتضت الضرورة، فأمثلة ولاية قطر الأميركيّة وسوريا التي لا تعرف من يقودها وتركيا المتخبّطة… حاضرة في هذا المجال.
إنّ حاجة شعوب الشرق الأوسط في الوضع الراهن هو الديمقراطيّة ولا سواها، وهذا ما صدحت به أصوات الجماهير صدّاحة، فصارت الحاجة إلى الديمقراطيّة كالحاجة إلى أساسيّة من أساسيّات الحياة، فهي شعوب متعطّشة إلى الحرّية والانعتاق والديمقراطيّة، وقد صار مصطلح الديمقراطيّة غائباً عن هذه المعادلة العقميّة.
لا يمكن تحليل الصراع في الشرق الأوسط بعيداً عن نظام الهيمنة القائم أي نظام الحداثة الرأسماليّة الذي يعتمد على الربح الأعظميّ والدولة القوميّة والصناعوية، ومن الجليّ إدراكه بعد مئتي عام من هذه الهيمنة على العالم، لم تستطع أن تفرض وجودها بشكل فعليّ على الشرق الأوسط (مركز الثقاقة البشريّة)، فوضعها مازال عصيباً في هذه البؤرة التي تريد أن تجدّد نفسها فيها، بعد التخبّط الفظيع في دولها، فالعراق على سبيل المثال صار مقبرة الدولة القوميّة.
لقد تجسّدت هذه الهيمنة من خلال الحملات الاستشراقيّة من قبل الرحّاليين والباحثيين العلميين بعد الازدهار العلميّ الأوربيّ من خلال وعيهم الحقيقة، فحاولوا نقل هذه الذهنيّة الغربيّة إلى الشرق الذي كان مفتقراً إلى إدراك نفسه وتدنّى مستوى الحقيقة مقابل أولئك المسلّحين بالعلم، وذلك قبل قرنين من الزمان وحتّى الآن، وبما أنّ الرأسماليّة تستطيع الاستفادة من كلّ الأفكار والآراء والفلسفات والنظريات والنهضات، فاستطاعت أن تبثّ سمومها في الشرق عبر هذه القنوات الاستشراقيّة، وبالتالي فقد الشرق اعتباراً من القرن التاسع عشر بعضاً من استقلاله الذهنيّ واستسلمت الذهنيّة الفكريّة لهذا السحر الغربيّ، فانضوى المفكّرون تحت لواء هذه الأفكار الغربيّة، حتّى أنّ الدين لم يسلم من هذا المنهج الغربيّ، ومن الوضعيّة العلميّة، لكنّ الشعب بشكل عام لم يستسلم لهذه الذهنيّة.
إنّ هذه الحرب المستعرة المجنونة في هذا الشرق المدمّى، هي حرب ذهنيّة ثقافيّة كما أسلفنا، فالشعوب بطبيعتها لا تعرف العداء، ولم يهضم المجتمع الشرقي هذه الوصفة السحريّة الغربيّة الغريبة، إذْ من المحال أن يهضم الشرقيّ ذي الثقافة الممتدة إلى مئات القرون وأكثر ثقافة قرنين من الزمان، مهما كانت الرائحة عبقة، حتّى أنّ العطور الشرقيّة في السعوديّة أغلى من العطور الغربيّة، وأكثر رواجاً.
فظاهرتَا الحرب والسلطة على الرغم من كونهما من أقدم المؤسسات القائمة في المنطقة، إلّا أنّ العلاقة بينهما وبين الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تعاني من انقطاع ومفارقات مذهلة، ولم يستسغ المجتمع الشرقي هذه الظاهرة، ولم تتجذّر في أنزيماته، فالعراق على سبيل المثال كان في حالة ثورة دائمة، فلم يستطع الحجاج ولا زياد بن أبيه ولا قبل من النماردة والسلاطين والأباطرة والأكاسرة من إركاع هذا الشعب، فكان الحلّ المؤقّت يقبع في الديكتاتوريّة الصارمة التي تدلّ على عجز الحكم إلّا بالرعب، ولم يستسلم هذا الشعب عبر تاريخه المديد للأوليغارشيّة البعيدة عن الشعب، فقد كانوا يغردون خارج السرب أبداً.
من المحال تحليل الشرق الأوسط بالأسلوب العلميّ الوضعيّ الدوغمائيّ، فهذا الأسلوب لا يأخذ بالحسبان الميثولوجيّات والأديان التي انبثقت من لدن هذا الشرق ولا التصوّف ولا الأدب….، فذاتانية الشرق المثالية تتميّز بتفوقها اللامحدود على موضوعانية الغرب الشيئية بمعالجتها الأخلاقيات الموجودة في المجتمع والطبيعة على السواء، وعلاقة الإنسان الشرقيّ بالطبيعة، وهناك يكمن موطن الاغتراب التحليليّ اللامحدود.
لم يعِ الغرب أنّه من العسير استسلام الشرق الأوسط لهذه الثقافات الخارجية والعصرية، وبات من المحال صهرها هذا الصهر الصارم في بوتقتها، لذلك باتت الحرب العنوان الرئيس لهذه الممارسة الاستسلاميّة الهروبيّة من الحلّ.
كلّ المقاومات التي حصلت تجاه الحداثة الرأسمالية في العالم على الصعيد الثقافي باتت بالفشل، عدا منطقة الشرق الأوسط، فكلّ من قاوم الحداثة الرأسماليّة كالصين وروسيا على سبيل المثال، قد انصهر في سيل الحداثة الرأسماليّة الذي جرفها دون استسلام، فهذا برهان ناصع على رسوخ البنية الثقافية في الشرق على الصعيدين التاريخيّ والاجتماعيّ.
لا يمكن الحديث عن الحلّ بعيداً عن التآلف الاجتماعيّ، ويعدّ أنموذج (الأمّة الديمقراطيّة) البديل عن الدولة القوميّة، ولا يمكننا في هذا البحث الاستفاضة في أنموذج الحل القويم الوحيد الذي لا حلّ سواه؛ (الأمّة الديمقراطيّة) المتعايشة مع الدولة، في دستور وعقد وقانون تتوافق فيه الشعوب مع الدول التي تعيش في كنفها، من خلال الدولة التي تقتات على القانون، والأمة الديمقراطيّة التي زادها الأخلاق والسياسة.

المصادر
– الأساطير اليونانية والرومانية – أمين سلامة
– جون لوك وأساسيات الثقافة الليبرالية – د. محمد عبد الستار البدري
– الليبرالية في الشرق الأوسط – د.منصور الشمري
– الليبرالية الإسلامية – ليونارد بايندر
– الإسلام بين الليبرالية والإرهاب – السيد يسين
– الدولة العميقة – د. هاشم حسين بابكر
– سؤال الدولة العميقة فى مصر – فهمي هويدي
– أسبابُ ظهور تنظيم داعش، وأهدافه، وتوجّهه الفكري والعقائدي – أحمد علواني

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password