التعايش الأخوي بين مكونات الشمال السوري

جاسم الهويدي العبيد

سورية مختلفة عن باقي الدول العربية والعالم في مكوناتها البشرية وعلاقة هذه المكونات مع بعضها البعض بل تشكل سورية لوحة فسيفساء رائعة ومبهرة أذهلت عقول البشرية جمعاء.

والشمال السوري جزء من سورية وفيه الجبال الشامخة والسهول الخصبة والوديان السحيقة والمياه العذبة والمراعي المعشوشبة طيلة أيام السنة، وفيه الأزهار والورود والرياحين، وفيه الأثمار من طلح منضود وظل ممدود وفاكهة كثيرة، وفيه البساتين والخضرة، فيه التين والزيتون وفيه عفرين معجزة الصمود وفيه الإنسان.

عفرين من المدن المهمّة في الشمال السوري وتقع في الزاوية الشمالية الغربية من سورية، وواقعة بالقرب من الحدود التركية، بل تبعد عنها 30 كم من الشمال و25 من الغرب ويحدها من الشمال والشمال الغربي جبل الأكراد، وتقع في نهاية سفحه الجنوبي الشرقي ويحدها من الشرق والشمال الشرقي جبل سمعان وهضبة فاطمة البازلتية، أما في الجنوب فتنفتح على السهل الذي يرويه نهر عفرين والمسمى بسهل الجومة الذي يتصل غربا ببحيرة العمق.

تبعد عفرين عن حلب 60 كم إلى الشمال الغربي، وطول البلدة واحد ونصف كم ومساحتها واحد ونصف كم مربع. فالمرتفعات تحيط بها من ثلاث جهات، وتحميها من تأثير الرياح التي تهب عليها.

والبلدة حارة أثناء الصيف وليست باردة أيام الشتاء وتتميز عفرين بمناخ خاص فالثلوج لاتهطل عليها أبدا إلا في بعض السنين . مياهها باطنية عميقة ويوجد بها ينابيع حارة وكبريتية وأطلق على هذه الينابيع اسم حمام وأغزرها حمام الجومة الذي يبعد 25كم غرب عفرين والواقع على حدود المنطقة مع لواء اسكندرون وفيها الينابيع الفوارة ومنها – عين الباسوطة – عين دارة – عين فطمة – وعين رج عبدالله علي..

وكلمة عفرين لاتينية وتعني المستنقع ونهر عفرين ينبع من الأراضي التركية من عدة ينابيع من عينتاب ويدخل سورية ليصل بلدة بلبل ويصب في بحيرة العمق قبل أن يرفد نهر العاصي ويبلغ طوله 150 ك0م .

تحتوي منطقة عفرين على بقايا غابة متناثرة تغطي مساحة 30 ألف هيكتار لكنها تقهقرت في الآونة الأخيرة بسبب تأمين الفحم الخشبي والحطب الضروري للتدفئة.

أما الحيوانات البرية فالذئب والضبع وابن آوى والخنازير والثعلب والغريري موجودة وكذلك الحيوانات المائية من الأسماك وغيرها.

تربة عفرين حمراء بركانية ولحقية وتزرع الرمان والتين والتفاح والجوز واللوز والفستق الحلبي والكرز والسفرجل والعنب والزيتون والخضروات.

الطبيعة في عفرين خلابة جبل وسهل نهر وبحيرة ورود وزهور فأنى شخصت بعينيك ترى الجمال وترى لوحة خضراء غناء تفوح عطرا رائعا غريباوكما يقول أحد الشعراء:

– فراش قضـــــا بصنع قدرت    غـــــبرا كربو مثال جتت

– مشاطة صفــت جهان ديرن    تزيين كربو عروس آبين

– هريك زنوال وكوه ودشتان    ره شــــبهتي نيب هشتان

أي : جعل الله الأرض على مثال الجنة بقدرته

 

وقد زين الطبيعة القاحلة كما تقوم المزينات بتزيين العروس، فكل واد وجبل وسهل يشبه ركنا من أركان الجنان.

وتشتهر عفرين بصناعات متعددة أهمها الصابون والصناعات الغذائية والزبيب والصناعات الميكانيكية وصناعة الزيوت .

كان عدد سكان عفرين عام 1935 /1500 نسمة .

توالت على منطقة عفرين عبر العصور القديمة أمم شتى وأقوام متعددة فهي موجودة فيما قبل التاريخ وتعتبر عفرين في فترة ما كان الإنسان قد فقد حلقة في تطور البشرية فوجدت في عفرين!

ترك الإنسان القديم آثارًا عظيمة في منطقة عفرين من قلاع وكهوف حصينة ولقى غريبة منها مدينة قورش (النبي هوري) قرب ملتقى نهر عفرين بنهر صابون سي على منحدر تلة قائمة على الضفة اليمنى لنهر صابون سي تبعد عن عفرين 23 كم، ويمكن الوصول إلى النبي هوري عن طريق كفرجنة الذي تحيط به غابات شجر الزيتون أما القادم إليها من أعزاز، فإنه يعبر نهر عفرين ثم نهر صابون سي على جسرين رومانيين قبل الوصول إلى المدينة. وحين الوصول إليها يغيب المرء في قدم الحضارة والتاريخ، وكأنه يعيش إحدى فتراتها، وفي حالها يتذكر قصة داوود مع أوريا حنان، ويتخيل المكان الذي أقام فيه القائد صلاح الدين الأيوبي، ويتذكّر ما قرأه عن الطبيبن الشهيدين؛ قزما ودميان، وحين يقف المرء بصمت بين تلك الأبنية المتهدمة والمتناثرة أحجارها هنا وهناك يتداعى له وكأنه يسمع أدعية في هيكل من هياكل الميتانيين للإله تيشوب.

أما الموقع الفلكي لمدينة قورش النبي هوري الذي حدد من قبل أرسطاطاليس اليوناني الذي قدم مع الإسكندر إلى بيروا حلب حاليا فقد حدد بأربع وستون درجة وعرضها خمس وثلاثون درجة وخمس وأربعون دقيقة داخلة في الإقليم الرابع بخمس وأربعين دقيقة بيت حياتها أربع درج من العقرب ومن العواء عشرون دقيقة تحت اثني عشرة درجة من السرطان طالعها الصرفة بيت ملكها الجبهة يقابلها اثنتا عشر.

ويسكن منطقة عفرين من قديم الزمن عشائر من الأكراد وقليل من العرب والأرمن فقد استوطنت عشيرة عميكي منطقة عفرين من مئات السنين، وعمل كثير من أبنائها بالرعي والزراعة، ثم لحقت بها عشيرة الشكافي، لتستقر جوار القبيلة الأولى بعد أن هجرت موطنها الأصلي قرب بحيرة وان، ثم جاءت قبيلة الشيخان من الجزيرة العليا وجاورتهما، وجميع أبناء هذه القبائل الكردية عمل برعي الماشية وتنقلت بين سهول المنطقة وجبالها،  وكانوا يسكنون في أكواخ صغيرة وخيام محمولة، ثم ثبتوا في المنطقة وحولوها إلى مزارع وبساتين كأنها الجنان.

أما عرب العميرات والبوبنا فقد جاؤوا إلى المنطقة فيما بعد، حينما وردت قبيلة البوشعبان العبيدية الزبيدية منطقة الرقة وحلب ومنبج وكان موطنها الأساسي حويجة العبيد في العراق في محافظة صلاح الدين وتكريت، وقد جاور أجدادهم سابقا الأكراد في صلاح الدين بالعراق، فهم أخوة في المواطن وفي الرزق والحلال منذ أزمان بعيدة، وعاشوا مع بعضهم البعض يصدون الرياح العاتية القادمة من الشمال متعاونين متآخين في الحر والبرد في النور والعتمة يشد بعضهم أزر بعض.

ويسكن منطقة عفرين مجموعة من الطائفة الأرمنية جاؤوا من أنطاكية واستوطنوا عفرين بعد الحرب العالمية الثانية وشكلوا ثلث سكان عفرين عام 1929 م، لكنهم تركوا عفرين وغادروها إلى حلب المدينة الصناعية الكبيرة، لولعهم بالصناعة والتصنيع وبقي منهم حوالي خمس عوائل إلى فترة قريبة، وقد عاشوا مع أسر عفرين بكل محبة وسلام يخدمون بعضهم البعض بكل تفان وصدق.

سكن الأرمن قرب الطريق الصاعد إلى راجو وامتداد ذلك إلى الشرق داخل جسم عفرين وقد تميزوا بالخلق والنبل العظيمين.

يقول أحدهم : “كنت طفلًا صغيرًا، وحينما فتحت عينيَّ على جيراني الذين كانوا من الأرمن. إن الصورة التي أحملها عنهم هي صورة رائعة مليئة بالمحبة والأخلاق والنبل، فالدار المقابلة لدارنا كان أصحابها من الأرمن ومن الذكريات الطريفة التي أتذكرها عنهم هجوم إوزهم علي حينما أدخل مع أمي إلى دارهم، وما أكثر زيارات أمي لهم تلك الأوزات كانت تهاجم الأطفال الصغار فقط ولذلك كنت أحتمي بأمي وأنا أصيح وبنات الجيران يضحكن . وقدتعلمنا منهم اللغة التركية والأرمنية وتعلمن منهم صناعة الباستيق والسنجق الملبن ولكن كانت لحظات حزينة حينما ودعنا أولئك الجيران في نهاية الأربعينات من القرن الماضي أثناء مغادرتهم عفرين إلى أرمينية تلبية لدعوة ستالين للمجيء إلى أرمينية السوفييتية .لقد عشنا مع بعض ثلاثة عقود من الزمن مليئة بالألفة والسعادة والسرور وما زالت صداقتي ومراسلاتي مع جاري سركيس مستمرة وكذلك أولادنا”.

 

منطقة أعزاز

أعزاز من المناطق القديمة والمهمة في الشمال السوري. وتتبع منطقة أعزاز محافظة حلب، وتتعايش فيها العشائر العربية مع باقي أبناء العشائر الأخرى بكل احترام وإنسانية.

منذ زمن بعيد عاشت عشيرة الهنادي مصرية الأصل، والتي قدُمت مع حملة إبراهيم باشا  في مارع، وكان شيخها ابن أبي علي. فهم عرب أقحاح وكانت بنات الهنادة في ريف مصر يغنين على مشايخهم:

– الشيخة ماهي بالجوخة   ولابكبر العباية يابنية

– الشيخـــــــــة صب القهوة     زي العــــــــــيون الـــــــروية

 – الشيخة جر المناسف     في الســــــــــــــــــنين الردية

 

وسكنت الهنادة في منطقة منبج في قرية أبي قلقل، وفي خربة العشرة، ورسم الغزال، وقد جاؤوا من كفر الدوار ودمنهور والعريش في مصر.

كما جاء البوخميس وهم من العشائر الرحل سابقا وجذورهم البعيدة زبيدية من قبيلة الدليم في لواء الأنبار بالعراق،  ويمتلكون الماشية من الضان والإبل والخيل إلى مناطق أعزاز، ويرأسها من فخذ السحيلات علي الراشد في قرية كفين من ناحية نبل، كما تعيش في المنطقة عشيرة الغنائم وهم من عشيرة الولدة ويرأسها شلاش الدرويش المقيم في منبج.

وعشيرة المجادمة الزبيدية وتنتمي إلى قبيلة الجبور ويرأسهم سابقا محمد الأسود القاطن في جبل سمعان في قرية المسلمية.

أما عشيرة العجيل فهم ينتسبون إلى قبيلة الجبور الزبيدية، والتي شيخها في محافظة الحسكة؛ عبدالعزيز المسلط أبوحواس رحمه الله، ومن العجيل في قرية هيمو قرب القامشلي، ومنهم رحالة من مكان إلى آخر. أما البوبطوش  فهم من قبيلة العبيد الزبيدية، ورئيسهم يونس العبد الحميد في قضاء منبج، وهم أشداء، ومنهم في حلب ومن بطونها البوخليفة في قرى صوران ودابق وتل رفعت وبني جميل التي يرأسها الشيخ كبيبة في قضاء الباب والعصيلات في قرى دابق وصوران وقزل مزرعة ومنهم في مدينة الباب وقراها، في أم شكيف ومران وسرحة وسريجة وصويران وتلورين وتادفية.

أما العميرات فهم في عفرين وفي قضاء كوباني، وشيخهم حمود الغزال ومن أفخاذهم المطر والخطاب في قرى تلعار وكفرنايا، وينتمون إلى عشيرة البوشعبان الزبيدية العبيدية، وكان قسم منهم رحالة وعاشوا في عفرين أخوة مع الأكراد متحابين يحترم بعضهم بعضا.

أما قيس وفي لغة العرب جيس فهم عدنانيون ويسمون دود الفرث لكثرتهم، وأجدادهم فاتحو الأندلس، ومنهم في حران وأورفة وشيخهم العام محمود رشاد ذو الجود والكرم، أشداء، طويلي القامة والهامة، لم يدفعوا الجزية للعثمانيين. عاشوا في حلب في حيلان ومنهم شعبان البري، وفي سهل الغاب وفي قرية مريمين وتل أعور.

 

وفي قضاء الباب

عشيرةالحديديين جاؤوا من العراق من الموصل وحديثة وهم من آل البيت سادة وعرف منهم عجان الحديد، وينتسبون إلى محمد الغنطوس، ويسكنون قرى كثيرة منها رسم العبود وديرحافر وجب الصفا وشيخهم نوف الصالح.

 

الوهب

هم أحد فروع قبيلة الأسلم الشمرية الأربعة مذري بن سراي وامبيجان والوهب والصايح وشيخهم في القامشلي حواس بن كنعان الصديد ويقال أن جزء من قبيلة البوسرايا منهم .

 

النعيم

من عشائر السادة الحسينية وجدهم عزالدين أبوحمرا وهم مشتتون في بلاد الشام والعراق وفي الجولان وحمص والبوكمال والميادين وحماة والجزيرة .

 

قضاء جرابلس

تستوطن قرى ومدينة جرابلس عديد من العشائر العربية مثل بني سعيد الزبيدية ومن عشيرة الغانم من الولدة من البوشعبان العبيدية ومن البوبطوش ومن العكيدات الزبيدية ومن المجادمة الجبورية ومن العجيل فهي تشكل لوحة مع باقي الفئات الأخرى من تركمان وأكراد وأرمن وسريان يعيشون المحبة والأخوة الصادقة الكل يخدم الكل وكما يقول الشاعر ك

– الناس للناس من بدو وحاضرة      بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

 

ومن العشائر الكردية التي تتعايش مع من ذكر في تلك المناطق الشيخان؛ فهم من فرق البرازية وشيخهم في مناطق الرقة نوح بن الشيخ بوزان في قرية ترميك، ومنهم في أعزاز ومناطق الباب وفي الجزيرة.

والدنادية فهم فرقة من المللية التي يرأسها إبراهيم باشا بن تيمور في راس العين، جاؤوا إلى جنوبي مدينة حلب من أورفة وسروج، ويقطنون تل عرن وتل حاصل وكفر الصغيرة في قضاء الباب، وأفخاذهم القره كج والكتيكان والبيش آلتي وظهر منهم حمكي أغا.

ويتعايش في تلك المناطق التركمان وهم بداة الترك وهم أهل ضرع وخيام رحل في الجذور يحلون منطقة ويرتحلون إلى أخرى مواطنهم الأصلية أواسط آسية بين جزر الخزر، وبحر خوارزم ونهر جيحون وهم أول من أسلم من الترك، ولذلك يدعون التركمان، ويتواجدون في أصقاع المعمورة في اللاذقية في البسيط وفي لبنان في عكار وفي حمص في الوعر وفي دمشق وفي الجولان وفي حوران وفي حلب وفي الرقة وفي ديرالزور وريفها.

عاشت هذه القبائل العربية والكردية والأرمن والتركمان مع بعضها البعض تحت ظلال الحر والبرد والشمس والمطر في الظلمة والنور يدافع بعضها عن بعض حينما تشتد الأزمات وتظهر الملمات ويكشر الوحش المستعمر عن أنيابه فتلوذ العشائر وتلتف حول بعضها البعض وتستعد لمقاومته، والدفاع عن نفسها وعرضها وشرفها، لاتدخر جهدًا ولا غال ولا نفيس إلا وتظهره وتمده للآخر كي تحمي نفسها من العدو المفترس.

 ___________________________________________________

المصادر

عشائر الشام — أحمد وصفي زكريا

عفرين دراسة اقليمية – باشراف الدكتور عبدالرحمن حميدة

عفرين أواخر الأربعينات – جمعة عبدالقادر

عشائر العراق – العزاوي

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password