طبول الحرب تدفع “الحرباء” التركية الاستعداد لتغيير لونها فهل ستسلم جرتها من الكسر هذه المرة؟

لزكين إبراهيم

على وقع دق طبول الحرب على النظام السوري والذي يشكل تصعيداً خطيراً، قد يكون الأخطر من نوعه منذ اندلاع الأحداث السورية بعد التصريحات والتهديدات التي تتبادلها كل من واشنطن وموسكو، على خلفية اتهام النظام السوري بتنفيذ هجمات كيماوية على مدينة دوما بالغوطة الشرقية آخر جيب متبق للفصائل المعارضة في الغوطة الذين باعتهم تركيا مقابلة صفقة عفرين مع روسيا. يرى مراقبون أن الرئيس التركي أردوغان المعروف باتباعه سياسة اللعب على الحبلين وأحياناً على عدة حبال في آن واحد، أنه يهيّئ نفسه لإعادة التموضع مجددا، ضمن الحلف الأميركي في سوريا، في حال صدق الأخير في نواياه حيال توجيه ضربات للنظام السوري.
بيد أن أردوغان المعروف عنه بسياسة “الحرباء” التي تتلون بحسب تغير الظروف السياسية وما تقتضيه مصلحته، يبقي على خط الرجعة مفتوحا إذا ما تيقن أن هذا التصعيد الغربي ليس سوى عملية تهويلية لن تبلغ حد شن هجوم موسع على نظام الأسد، وهذا ما يفسر تحاشيه تحميل الأخير مسؤولية ما حدث في دوما، حتى يتجنب المزيد من الإحراج أمام الجانب الروسي في حال لم تنفذ الضربة.
ورغم أن أردوغان لم يحمّل النظام السوري مباشرة مسؤولية الهجوم الكيمياوي، إلا أنه شدد الثلاثاء على أن منفذيه “سيدفعون الثمن باهظا كائنا من كانوا”، فيما بدا تكرارا لتصريحات نظيره الأميركي دونالد ترامب الذي قال إن “الأسد سيدفع ثمنا باهظا للهجوم الكيمياوي الذي أودى بحياة كثيرين بينهم نساء وأطفال”.
ويثير الموقف التركي غضب الأوساط الرسمية الروسية وسط شكوك في إمكانية كبيرة لحدوث انقلاب تركي في سوريا، وهو ما ترجم في تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي طالب أنقرة بتسليم منطقة عفرين إلى الحكومة السورية.
وهذه المرة الأولى التي تطالب فيها موسكو علنا أنقرة بتسليم عفرين إلى الحكومة السورية وتعتبر وجودها في المنطقة احتلالا “مؤقتا”، فلطالما تحاشى المسؤولون الروس التطرق للأمر. وقد استفز ذلك على ما يبدو الرئيس التركي الذي سارع إلى الرد بأن هذا “الموقف خاطئ”.
وكان واضحاً أن تقارب تركيا مع روسيا جاء ردا على طريقة التعاطي الأميركي مع الملف السوري، حيث أن أردوغان كان يريد تدخلا أكبر للإطاحة بنظام الأسد وإطلاق يد تركيا في سوريا واحتلال مساحات واسعة والقضاء على أي مشروع كردي في الشمال السوري، بيد أن الولايات المتحدة لم تكن متحمسة لذلك واقتصر دورها منذ بدء الأزمة على محاربة تنظيم داعش بدعم من الكرد وضمان وجود طويل الأمد في مناطق السيطرة الكردية.
ويبدو أن تغير المقاربة الأميركية تجاه سوريا، لجهة إمكانية التحرك العسكري ضد نظام الأسد، يدفع أنقرة إلى إعادة حساباتها، ويدفع الروس للاستعداد لانقلاب تركي جديد.
ويقول دبلوماسيون إن حجم الضربة التي من المتوقع أن تتبناها قوى غربية سيتحدد وفقا للتنازلات التي ستبدي روسيا ونظام الأسد استعدادا لتقديمها في مستقبل الصراع.
ولم يعد لدى القوى الغربية اهتمام كبير باستكمال مسار الحل السياسي الذي بدأ ببيان جنيف1 وقرار مجلس الأمن رقم 2254، لكن في المقابل لا تريد أن يمضي الروس قدما في خططهم البديلة المتمثلة في بناء زخم لإعادة كتابة الدستور في سوريا، بما يضفي شرعية على بقاء الأسد.
كما لا تنظر الولايات المتحدة وأوروبا بارتياح إلى آلية أستانة، التي يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توظيفها لإحداث شقاق بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وترى إدارة ترامب أن الفرصة مواتية الآن للقيام بعملية عسكرية خاطفة، الغاية منها ليس فقط إجبار الأسد وحلفائه الإيرانيين على الالتزام بالقانون الدولي، بل إرسال إشارات قوية للدول اللاعبة في المشهد السوري بأن لدى الولايات المتحدة أكثر من خيار لضمان تأثيرها في الملف السوري.
وستعطي الضربة العسكرية، أيضا، فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين ترامب والرافضين لانسحاب القوات الأميركية من سوريا داخل المؤسسات التقليدية في الولايات المتحدة. وعلى رأسها وزارة الدفاع (البنتاغون) التي لم تخف معارضتها لتصريحات ترامب الأخيرة عن سحب القوات الأميركية من سوريا، والتي فهمت على أنها إعلان بالتراجع أمام النفوذ المتصاعد لكل من روسيا وتركيا وإيران وتسليم بالأمر الواقع.
ولكن هذه المرة يبدو أن سياسة الحرباء لن تفيد تركيا بشيء لأن كافة الاحتمالات باتت تنطوي عليها مخاطر بالنسبة لتركيا التي “لعبت بذيلها” كثيراً، فلو افترضنا أن تركيا عادت إلى الخندق الأمريكي فهل ستتمكن حينها من الاستمرار في تهديد المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية؟ أم أنها ستتخلى عن سياسة العداء تجاه تلك القوات المدعومة من التحالف الدولي، وهل ستتركها روسيا وإيران تستمر في احتلال مناطق الشمال السوري بعد عودتها للحضن الغربي؟
وفي حال وقفت مع الجانب الروسي فهذا يعني أنها وقفت بجانب إيران والنظام السوي أيضاً، وهذا مستبعد أن يحصل لأن الإقدام على مثل هذه الخطوة ستعتبر انتحاراً لتركيا لأنها ستكون في مواجهة مباشرة مع حلف الناتو التي هي عضو فيها، ولن تتمكن حينها من الاستمرار في خداع المعارضة والمجموعات المتطرفة والجهادية السنية لاستخدامهم في تمرير سياساتها لأنه لا يمكن أن تقف مع المحور الشيعي وفي نفس الوقت تدعي دعمها للمعارضة السورية والمجموعات المسلحة التابعة لها ذات الطابع السني المتشدد، وبالتالي ستخسر كافة الأوراق التي تلعب بها على الساحة السورية.
علماً أنه لا يمكن أن تقف تركيا على الحياد بشكل تام إن نفذ الغرب تهديداته وضربوا النظام السوري وحصلت مواجهة مباشرة بين القوى الغربية وروسيا وإيران، لأن تركيا باعتبارها عضو في حلف الناتو قد يطلب منها لعب دورها في الدعم ومشاركة القوات الغربية في هذه الضربة ضد روسيا وحلفائها، فإن رفضت هذا يعني أنها خرجت من الناتو وباتت في الطرف الخصم، وإن قبلت هذا يعني أنها ستخسر كل الاتفاقات التي أبرمتها مع روسيا في سبيل احتلال الشمال السوري وستكون قوات تركيا ومرتزقتها الموجودة في جرابلس والباب واعزاز وعفرين وادلب أهدافاً مشروعة لروسيا وإيران، وبالتالي خسارة كل ما خططت له طيلة الأعوام الماضية.
إذا والحال هكذا، فهل ستتمكن تركيا مرة أخرى الاستفادة من التغيرات الجديدة الحاصلة باتباع سياسة “الحرباء” أم أنه سيطبق عليها هذه المرة المثل الشعبي القائل “مو كل مرة تسلم الجرة” فهل ستنكسر جرة تركيا هذه المرة وسط تضارب مصالح الدول الكبرى على الساحة السورية؟ وهل ستجد تركيا بعد الآن من يثق بها بعد سياسات القفز من حضن لآخر؟ أعتقد أنه في الحالتين ستتلقى تركيا هذه المرة الصفعات، جزاء ما اقترفت يداها من مكر وخداع.
وفي حال لم يحصل أي ضربة من الغرب للنظام السوري وتوصلت أمريكا وروسيا إلى اتفاق وتسوية جديدة لعدم المواجهة المباشر، فإن تركيا ستكون أيضاً الخاسرة الوحيدة لأنها ستخسر الطرفين معاً وقد تكون كبش الفداء وتتلقى هي الضربة هذه المرة بدلاً من نظام الأسد وسيفرض عليها الانسحاب من كافة الأراضي السورية.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password