الربيع العربي؛ من الهدف المنشود إلى الواقع المفروض

يمكن القول إن ما تشهده المنطقة العربية من صراعات داخلية ليست كما يظن البعض ويلاحظه من الوجهة السطحية صراعات بين الشعوب وأنظمتها الحاكمة في هذه الدول التي تجري فيها الصراعات، ربما هذا أمر بسيط أو جزء غير مهم من الصراع بالنسبة إلى القوى التي تحاول إثارة النزاعات، لكن أصبح هذا الأمر عاملاً من عوامل زعزعة هذه الأنظمة وقد تم استغلاله لتسهيل عملية التغيير المطلوبة؛ فالنظر بعمق إلى هذه الصراعات يكشف لنا حقيقة مهمة تفيد أنّ هناك قضايا كثيرة بقيت عالقة بدون حل تركتها القوى الكبرى عندما تركت المنطقة بشكل مؤقت وربطت الكثير من أنظمة الحكم فيها باتفاقيات وعقود تجعل دول المنطقة غير مستقلة استقلالا تاماً، كما عملت على دعم فئة معينة دون أخرى للسيطرة على مقاليد الحكم مع تركها تتخبط في عملية قيادة الدولة وبناء مؤسساتها الضعيفة من جميع الجوانب، والسير بخطىً مترنحة في العمليات التنموية والخطط الإنتاجية.

لذلك لا يمكن إنكار حجم المعاناة التي تعانيها شعوب هذه المنطقة جراء الوضع المعيشي المتدنّي الناجم عن الفقر والبطالة، إضافة إلى الانعزال عن التطور التقني والتقدم الحضاري، والمعاناة من الممارسات القمعية المتّبعة من قبل الأنظمة الحاكمة نتيجة احتكار فئات محددة للسلطة وعدم إشراك الجماهير بالعملية السياسية الديمقراطية، علاوة على ذلك فإن بعض الأقليات الموجودة في هذه البلدان تعاني اضطهاداً مركباً نتيجة الغبن الملحق بها من عدم الاعتراف بحقوقها المشروعة.

 وإزاء هذا الوضع المتردّي لا بد من التأكيد على أنّ هذه الجماهير كانت تبحث عن الفرصة السانحة للتعبير عن مطالبها وفق أطرٍ سلمية بعيدة عن اتخاذ العنف.

 كما أنّه لا يمكن أيضاً إنكار أن ما يحدث في المنطقة من صراعات ونزاعات

داخلية هي في الغالب حروب مفتعلة تقف خلفها قوى كبرى تحركها بأساليب مختلفة وتعمل على تحويل وجهتها مع اختيار زمانها ومكانها؛ في محاولة من هذه القوى المؤثرة في النزاعات الداخلية القائمة في البلدان المعنية لكسر المفاهيم المعهودة وتغيير الثقافة السائدة لدى هذه الشعوب أولاً، وكشف الملفات المطوية وإظهارها وخلطها وفرزها من جديد ثانياً، وتغيير الفئات الحاكمة واستبدالها بفئات أخرى ثم أخرى وأخرى كحلولٍ إسعافية بغية تهدئة الأوضاع المحتدمة بشكل مؤقت ولفترة زمنية مطلوبة ثالثاً. كل ذلك ريثما تستطيع هذه القوى إنجاز سياساتها أو جزء منها،

 فالهدف الأساس لهذه الصراعات لا كما هو معروف لدى الشرائح الواسعة من الجماهير أنّ القضية هي بهذه البساطة تدور حول الشعار التالي:

(الشعب يريد إسقاط النظام)، ربما هذا الشعار هو السبب الذي أشعل فتيل الصراعات الدائرة الآن، أو الشرارة التي أدت إلى هيجان الجماهير وحثتها على القيام بحراك شعبي واسع من خلال دغدغة مشاعرها واستغلال رغبتها في الوصول إلى ما تتوق إليه من آمال وطموحات منشودة، على اختلاف هذه الطموحات. وإنْ كان غير ذلك فما معنى أن تجري هذه الصراعات في دول تتصف بأنظمة حكم متشابهة تتخذ النظام الجمهوري لحكمها (تونس _ ليبيا _ مصر _ السودان _ اليمن _ سوريا _ العراق) دون أن تنتقل إلى دول تتصف بأنظمة حكم مغايرة؟! فهل محض صدفةٍ أن تنحصر الصراعات فقط في دول بعينها ولا تتعدّى إلى دولٍ أخرى مجاورة؟!!

فالقضية أعمق بكثير مما نتصور وأبعد من تخيل الشريحة الواسعة من الجماهير وحلمها بالحرية والعيش الكريم؛ ويظهر أنّ المنطقة مقبلة على تغييرات مهمة سوف تشهدها، وإنْ بشكل تدريجي عبر فترات زمنية متلاحقة، وأنّ القضايا العالقة المتراكمة عبر عقود طويلة من الزمن والمتروكة بدون حلول سوف تظهر هنا وهناك وبشكل كثيف إلى حد الدهشة والتعقيد، وسوف تهب عواصف كثيرة تقتلع جذور كثيرٍ من المفاهيم التي توارثتها الأجيال الماضية والمترسخة في أذهان الفئات المختلفة من شعوب المنطقة الحاضرة الآن على مسرح الأحداث. ولا يمكن فهم هذه المعضلة إلا إذا عدنا بالذاكرة إلى الماضي من خلال قراءة التاريخ لملاحظة تشكيل خارطة المنطقة وكيفية رسم الحدود بين الدول المتشكلة آنذاك، وما هي القوى المهيمنة التي كانت موجودة والتي كانت بيدها زمام الأمور في ذلك الحين ومقارنتها بالقوى التي تهيمن على الأحداث وتدير مجراها في أكثر من منطقة؟ وهل توافق الخارطة الحالية للمنطقة رغبة ومطامع القوى المتحكمة بالأحداث الدولية والإقليمية؟ وإلى أيّ حدٍّ تنسجم هذه الخارطة مع طموحات شعوب المنطقة وإرادتها في التغيير؟ وما هي أوجه الاختلاف والتوافق بين إرادة التغيير ومطامع القوى المتحكمة؟ كذلك ما هي الثغرات التي يمكن أن تستغلها القوى الكبرى للدخول منها إلى زعزعة المنطقة، وتشكيل مناطق نفوذ مختلفة، وبالتالي إلى رسم معالم الخارطة المستقبلية المطلوبة؟!!

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password