الأمثال الشعبية في وادي الفرات

ياسر أحمد الشوحان

الأمثال الشعبية هي فن من فنون النثر، وأحد قوالب الأدب، والمثل في الاصطلاح هو: العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تصاغ لتصور موقفاً أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حالة أخرى مشابهة لها.

ويعتبر المثل الشعبي بتغير ألفاظه من صميم اللغة، ويدعم الناس أقوالهم بالمثل، ويستشهدون به توضيحاً لمقاصدهم الكلامية، واكتفاء به عن الشرح الطويل، فالأمثال تُغني المتكلم والسامع عن كلام طويل، وتدخل في الأحاديث كمسلّمات بها كون أن المثل الشعبي ذو أثر بعيد في العقلية بالإضافة لإيمانهم بصحة الحقائق التي تضمّنتها الأمثال العامية وعلى الرغم ما بها من تضارب وتناقض، إلا أنهاتعتبر أيضاً مصدراً هاماً لأدب أي شعب من الشعوب، ومن ميزات المثل الشعبي قلة ما يصيبه من تحريف أو تغيير بحكم رواجه من قبل العامّة.

أصل المثل

يُعد المثل في الغالب من صنع الإنسان العادي أو قد يكون أحياناً استجابة لمتطلبات الحياة بشكل عام، فهي تعبير الأناس العاديين من تعامل وحالات مختلفة، أو ما تعكسه الحياة من أخلاق أو فوضى أو أوضاع اقتصادية معينة أو حالة نفسية في حياة المجتمع المتخلف أو نظرة المجتمع إلى حالة معينة أو تتناول النواحي الإيجابية والمشرقة من فترات الحياة.

ولا يقتصر المثل على جماعة معينة دون أخرى فالأمثال الشعبية يتعامل بها الجميع أو يشيرون إليها، ومع ذلك فإن المثقف يعتبر أقل إيراداً للمثل من نظيره العامّي كون المثقف يمتلك ثقافة لغوية أقل محدودية من الآخر تساعده على التعبير أكثر من إيراد المثل بإيجاز، وفي الوقت نفسه لا يستطاع رد كل مثل إلى أصله وقائله. لأن التاريخ لم يحفظ اسم قائل المثل العامي وهو الرجل العادي الذي أبدع الأدب الشعبي بكل قوالبه وأساليبه، بينما احتفظ بأسماء قائلي المثل الفصيح وأساليب أدبه.

وتظهر في بعض الأمثال الشعبية أصلها، كأن نقول: ( أهل مكة أدرى بشعابها )، أو أن نقول: ( إبن حمص أعرف ببلدو )، وقد تأثرت الأمثال بمصادر متعددة وأقوال لكنها تُرجمت إلى اللهجة المحلية فأصبحت كلاً جديداً، لا يُنكر أصله أو يتبرأ منه.

وتتضمن الأمثال العامية وصفاً لنواحي الحياة الإنسانية، وقد تشابهت الأمثال الشعبية بدلالاتها وتميزها ومقارنتها وترتيبها، وهناك الكثير من الأمثال السورية نجدها في مصر والعراق وحتى في السودان وإفريقيا والسبب في هذا الانتشار هو هجرة طوائف من القبائل بسبب التجارة والاختلاط، ولهذا فلا يُظن أن للمثل موطن أصلي يمكن أن يُنسب إليه، فهو يرتحل من موطن إلى موطن آخر ويعيش في كل البيئات.

وقد يعود المثل إلى أصل أسطوري لا وجود له أصلاً سوى ما يحتفظ بألفاظه من حكمة.

جغرافية المثل

لا توجد منطقة خاصة تُذكر أو تضرب فيها الأمثال العامية، فالأمثال نتاج شعب، كما لا توجد أمثال خاصة بمنطقة معينة وذلك نتيجة اختلاط الناس فيما بينهم، وأيضاً توجد أمثال عامة لإقليم معين، فنجد أن الأمثال الشامية والحمصية متقاربة مع الأمثال اللبنانية، والأمثال الديرية والرقية تتشابه مع الأمثال العراقية وأمثال منطقة الجزيرة تتشابه تقريباً مع أمثال الشمال السوري لفظاً أما المعنى فإنه يتشابه في جميع الأمثال أو قد يحمل المعنى نفسه حتى خارج حدود اللغة كالأمثال التركية أو الفارسية أو حتى الفرنسية.

الأمثال الشعبية كأدبٍ أصيل

ليس من السهل أبداً وضع تعريف دقيق وشامل للمثل، ولكن تعارف على القول اصطلاحاً بأنه: قول موجز سائر صائب المعنى تُشبه به حالة لاحقة بحالة سابقة. والمثل في اللغة العربية: هو الشبه والنظير، وتماثل الشيئان أي تشابها وماثله شابهه، ومثّل أي صوّر، وتمَثّل بالشيء: ضربه مثلاً، ويذكر أبو هلال العسكري أن أصل كلمة المثل من التماثل بين الشيئين في الكلام مثل: كما تُدين تُدان. أما الميداني فيذكر أن الأصل في المثل هو التشبيه مثل: مواعيد عرقوب.

وتُعد الأمثال شعبية كانت أو فصيحة جنساً أدبياً قائماً بذاته كالشعر والخطابة والقصة ، ويذكر المرحوم أحمد شوحان في مخطوطته “الأمثال الديرية”: أن المثل لا يقصد به بالضرورة موعظة أو حكمة معينة، وإنما قد يعد دستور لحادثة أو رمزاً لها أو قد يكون مجرد كناية أو قول مأثور أو مجرد تعبير. ودليل هذا على أن هناك الكثير من الأمثال لا ترد فيها جانب الفضيلة وذلك لأن كل فئة من الناس تتداول الأمثال التي تبرر بها سلوكها”. وبالوقت نفسه هناك الكثير من الأمثال التي ليس لها هدف تعليمي أو تحدد سلوكاً خاصاً مثل: ( حماتك تحبك ) الذي يطلق على شخص وافق قدومه حدثاً يُكرم به حتى وأن هذا لا يعد من باب المثل وإنما من الأقوال الشائعة. إلا أنه ليس جميع الأمثال الشعبية تعتبر دساتير أو حوادث وليس كلها ذات حكم وتشابيه أو نصائح.

كما احتلت الأمثال مكانة رفيعة نتيجة قدمها إذ نجد أن الأمثال تهاجر وتختلط بأمثال الشعوب الأخرى وعلى سبيل المثال فإن مثل ( لاعين تشوف ولا قلب يحزن ) قديم جداً، ومثل (  طب الجرة على تمها تطلع البنت لإمها ) مثل قديم وقد ورد في سفر حزقيال من التوراة، أو مثل ( اللي بيتو من قزاز ما يرمي الناس بحجارة ) هو مثل إسباني، أو مثل ( مو كل شي يلمع ذهب ) روماني الأصل، و( الكلب ما يعض ذيله ) إنكليزي.

وبالعودة إلى كتاب الباحث محمد فيصل شيخاني ( بعض الأمثال الشامية في منطوقها الحمصي ) نجد أن أن الباحث قد أجرى مقارنة حول الأمثال التي تقع في وسط البلاد الشامية ، والمناطق الأخرى كحلب في الشمال والأمثال اللبنانية في الغرب وأمثال جبل العرب في الجنوب وما جاور تلك المناطق، فوجد أحياناً تطابقاً في اللهجة والمعنى. وأحياناً وجد اختلافاً طفيفاً في اللفظ وتطابقاً في المعنى.

               

خصائص الأمثال الشعبية

إن ما يرتبط بالأمثال من عناصر مادية هو في الواقع أنها هي التي تذكر هذه العناصر المادية في الأمثال الشعبية وعلى هذا فإن ما يُذكر في المثل هو ذو أصل مادي يرتبط به قولاً وبشكل مباشر، فالمثل الفصيح القائل: ( وافق شن طبقه ) يوافق المثل العامي الفراتي: ( لقت القدرية غطاها ) لقت: عثرت بـ، القدرية: الطنجرة، والمثل نفسه يُذكر في الشام بـ ( طنجرة لقت غطاها )، وبهذه الحالة فإن الأمثال لا توثق حالات الناس بعبرة أو قصصهم أو ما أحاط بهم وإنما أيضاً تذكر الحيوانات والطيور والأسماك والحشرات والناس والأواني وجميع الصفات وفصول السنة وأعضاء الجسم والنبات والشجر وغيره وأكثر ما يُضرب المثل ويبدأ للتشبيه بكلمة ( مثل ) فيقال: (  مثل برميل البلاوي ) والبرميل يتسع لما يزيد عن 100 ليتر، والبلاوي: جمع بلية ويُراد بها الأوساخ. ويضرب المثل للرجل السمين الغليظ الذي لا خير فيه.

وترتبط جميع الأشياء في المثل الشعبي من أدوات الزراعة والحراثة والملابس والسيارة وغيرها.

أو قد ترتبط بالمثل أسماء مناطق كأن نقول: ( يمشي بساحة الحدادة ويقول شنو هالطخ )، وهذا مثل فراتي من دير الزور، وهنا توثيق للمكان الذي لا يزال قائماً في مدينة دير الزور في الساحة الرئيسية بدير الزور. وينم هذا المثل عن جهل ابن الريف في المنطقة أو جهله العام إذ هي أصلا مكان للصناعات الحديدية وكثيرة الضجة  والقرقعة، ويتساءل عن سبب هذه القرقعة؟؟.

اللغة والسياق كمادة رابطة في الأمثال

عادة يرتبط المثل بقصة صغيرة ذات ( حكمة مترابطة ) تجمع الحكمة فيها، ويُعبر عنها بلفظ جميل، وقد تتشابه الآلاف من الأمثال الشعبية في معناه بين جميع المناطق في سورية ونذكر على سبيل المثال:

يقال في حمص مثل: ( الكلام بمحلو متل الدهب بمصرو )، وهو ما يقابله في منطقة الفرات ( الحجرة بمكانها ثقيلة ). وهنك الكثير من المقارنات والمقاربات اللفظية التي تخص الأمثال العامية.

والأمثال الشعبية خاصة سهلة  يسرة  مظهرةً قيم المجتمع الأخلاقية وأحاسيس الإنسان ومعتقداته وأسلوبه في الحياة، وتخضع للهجة البيئة التي تنتقل إليها، وتتميز أمثال كل منطقة بألفاظها وأسلوبها ومعانيها، وكون أنه لا توجد أمثال خاصة بمنطقة دون أخرى سوى في سياق الكلام أو اللهجة ويخضع المثل لنفس العبرة في النهاية ولكن بلهجات مختلفة مثلاً: في منطقة الشام وغرب سورية يُذكر المثل ( طُب الجرة على تمها تطلع البنت لإمها ) بينما يُذكر بالمعنى نفسه ولكن بلهجة أخرى ( كسير البصلة وشمها تطلع البنت على إمها )، وفي الوقت نفسه يُستخدم المثل نفسه عند أبناء البادية وأهل الريف على الشكل التالي ( بنت الدعور دعور ).

وتتميز الأمثال بكثرة كناياتها والكناية لغة: ما يتكلم به الإنسان ويقصد به غيره ، وهي نوع من أنواع المجاز وتُعد في بعض الأحيان جزءاً من الاستعارة.

                وفي الإشارة إلى الأمثال في سورية نجد أن اختلاف اللفظ لا يغيّر أبداً في معناه، فمثلاً في منطقة حمص ووسط بلاد الشام يُذكر المثل ( اللي ما بيوصل عدالي بيقول عنا حصرم )، بينما يُذكر في منطقة الساحل اللبناني ( اللي ما في يطال العريشي بيقول عناقيد حصرم ) أما في دير الزور ومنطقة وادي الفرات فيُذكر المثل ( الما يناط العنقود يقول حامظ ) “أي حامض”  وقد ذكر شيخاني في كتابه ( بعض الأمثال الشامية ) حول اختلاف اللفظ ففي حمص يقال ( المي ما بتمر على عطشان ) وفي حلب يقال ( المي ما بتعدي على عطشان )، أما في الساحل اللبناني فيقال: ( الموي ما بتمر عـ/عطشان ). ويُذكر في دير الزور مثل ( صاحب الحق مدلل )، ويذكر في الوقت نفسه في دمشق ووسطها بلإاضافة إلى الساحل اللبناني ( صاحب الحق سلطان ). كما يُذكر مثل شامي: ( الحكي إلك يا جارة واسمعي يا كنة )، بينما يُذكر في منطقة الفرات ( إسمع يا شل الصوف )، وقد ذكر هذا المثل الزمخشري والإبشيهي وتيمور بلفظ فصيح ( إياك أعني واسمعي يا جارة ).

                وقد يدل المثل على وعي المجتمع عن غيره من المجتمعات فنجد أن في المثل في بلاد الشام: ( الأكل مانو حشو مصران لأنو العين بتاكل ) وهذا المثل يُضرب لضرورة الاهتمام بتحضير الطعام وتزويقه وترتيبه، بينما نجد أن في منطقة وادي الفرات لا يهم ما هو نوع الأكل أو ترتيبه بقدر ما تكون كمية الطعام مشبعة فيقال: ( حشوة مصران ) فقط بدون تتمة المثل.

تأتي أغلب الأمثال العامية بصيغة الغائب فيقال: ( اللي بدو يعمل جمّال يعلي باب داره )، وتأتي بعض الأمثال الشعبية بصيغة المضارع الذي يدل على العمل كحقيقة واقعية أو عادة مستمرة مثل(  ما بيصير خاين وأمين ) ومثله المثل الفراتي ( أمين وخوّان ما صارت ).

                ويذكر شيخاني أن الأمثال الشعبية قد تاثرت باللغة السريانية الرديفة ونجد فيها أيضاً توالي السكونين والتي هي ممنوعة في اللغة العربية لأنه يشير إلى أن أبو الأسود الدؤلي قد استعان ببعض علماء السريانية واقتبس النقاط والحركات وبعض الكلمات ففي العربية نجد بعض الكلمات التي نستخدمها وهي ذات أصل سرياني على سبيل المثال:

العربية     السريانية  العربية     السريانية  العربية     السريانية

جدة          ست          ثقب          بخش        غرس       شتل

معوّج       مفشكل     متى          إيمتا         حر           شوب

ماء           مي           مشوَش     مصرصع يد             إيد

وسام         نيشان       قطع         فرم           مشتري    زبون

جذر         شرش       فَحَصَ       بحّر          جُرعة      شرقة

صغير      زْغِير       بئر           بير           داخل        جُوّا

 

ويتداول جميع الناس الأمثال الشعبية على مختلف شرائحهم وثقافاتهم، ولكن بشكل عام يستخدم الأمثال الشعبية العوام الذين يقومون باستخدامها لتأييد وجهة نظر معينة لديهم مستعينين بما يحمله المثل من دعم ناتج عن قدمه وتأييده من قبل الناس.

أما الجيل الحالي من الشباب ونتيجة رواج اللغات الأجنبية فيما بينهم فقل قل شيوع الأمثال فيما بينهم، لا سيما وأن الجيل السابق الذي يحفظ الكثير من الأمثال الشعبية بدأ يختفي، لكن الأمثال لا تنحصر فقط على أبناء الأجيال السابقة إذ هي مستمرة باستمرار اللغة.

طريقة انتقال الأمثال

انتقلت الأمثال الشعبية بشكل عام بين الناس مشافهة واهتموا بها كرافد لأحاديثم، ونتيجة لذلك فقد انتقلت خلال الأجيال السابقة عن طريق التواتر من جيل إلى جيل آخر وكانت طريقة التناقل فيما بين الناس هو السماع والنقل والإعادة مع بعض الإضافات الجديدة التي تناسب كل حدث وخلال السنوات الأخيرة وبعد أن زاد الاهتمام بالتراث وظهر هذا الأدب من التراث كلونٍ جديد في الأدب الشعبي ظهرت كتب كثيرة تهتم في هذا المجال أو في هذا النوع من الأدب الشعبي بشكل خاص. ولعل أهم من كتب في هذا المجال في سورية /نزار عيون السود، عبد القادر عياش، أحمد شوحان، محمد فيصل شيخاني، يسار عبيد، يوسف قوشاقجي، قصي أتاسي/ وغيرهم.

 

الأمثال مقياس لنجاة الأدب من الضياع

لا يوجد خطر يهدد سلامة بقاء الأمثال الشعبية، لأنها من طبيعتها تنتقل من جيل إلى جيل بحكم أنها تستخدم في كل الأوقات وكل مثل ما يناسبه من مناسبة. بالإضافة إلى أن الأمثال قابلة للتطور وبالتالي حفظها من الضياع وعدم نسيانها، ويذكر الباحث سعيد حمزة أن التطور في المثل ذو أهمية لحفظه من الضياع وبالتالي فإن استمرار المثل يكون بتطور أدواته التي ترافقه وأورد على ذلك مثالاً أيضاً: ( زمن الأول تحوّل )، والتطور هو انتقال المجتمع من حال إلى حال أفضل آخذاً معه بتطور الأمثال، لا سيما التطور العمراني الذي طوّر أيضاً العديد من الأمثال، ويستشهد على ذلك بمثل: ( الطاقة اللي يجيك منها ريح سدها واستريح ): وهو مثل فراتي قديم انقرضت منه مفردة ( الطاقة ) بسبب التطور العمراني واستبدلت مفردات أخرى، فلما كانت البيوتات الطينية القديمة نوافذ مربعة الشكل كان فيها أيضاً طوق ( جمع طاقة ) بداخل الغرفة وقد تكون دائرية الشكل تسمح بمرور الهواء والنور إلى الغرفة، ومع تطور العمران ببداية منتصف القرن المنصرم والاستيعاض عن الطاقة بالشباك أصبح المثل: ( الشباك اللي يجيك منو ريح سده واستريح ) أو يُستبدل الشباك بالباب بالمثل. وهذا التطور أيضاً يحافظ على بقاء المعنى مع تطور المفردة في المثل الشعبي ودليلاً على بقاء المثل حيّاً حتى وإن تغير اللفظ.

كما لا يوجد خطر يهدد النقل لأن الأمثال متعارف عليها وفق قوالبها إلا ما خرج منها عن المألوف، وحيث أن الأمثال الشعبية احتفظ بها العامة وقيدوها، إلا أن الحفاظ عليها يستمر بتداولها، وأضافت إلى الحفاظ عليها تدوينها فالكتّاب العرب القدامى قاموا بتدوين الأمثال الفصيحة، وقد تنبّه لهذا الباحثين المحدثين فجمعوا أمثال المنطقة التي نشئوا فيها، وإن كان هذا الحديث يعني سورية بشكل أولى فإننا نذكر أن الكثير من الباحثين في سورية جمعوا هذه الأمثال والأقوال السائدة بشكل مناطقي مما جعل الأمثال مستحيلة النسيان أو الاندثار.

لكن ثمة خطر ( وقد لا يسمى خطراً ) عند الإشارة إلى أحد الأمثال خطأً كأن نسمع من أحد القائلين: ( شحّاذ وعليقته قذيفة ) بينما الصحيح هي قديفة أو قطيفة وهو النوع الثمين من القماش. ويُعد هذا خطأً في النقل وليس خطراً عليه، وإن كان السامع لا يستطيع الربط بين القذيفة والقطيفة. وقد تساعد بعض البرامج التلفزيونية أو الإذاعات التي تهتم بالتراث أو بالأدب الشعبي أن تقوم بتعزيز أهمية المثل الشعبي في المجتمع السوري وخصوصاً في فترة قل الاهتمام به خلال السنوات السابقة.

إذاً فبالمحصلة فإن الأمثال الشعبية لا ترتبط بموارد مادية، إذ أن ديمومتها وبقاءها ترتبط بالعنصر المادي المذكورة فيه وبالتالي فإن انقراض مثل من الأمثال يكون سببه انقراض سبب وجود، فعلى سبيل المثال هناك المثل الديري الذي يقول: ( مثل صْطوْلة الغرّاف، واحد يصُب عالثاني ) صطل: سطل ( دلو )، الغرّاف: آلة لرفع المياه من النهر، يديرها حصان أو بغل. وقد انقرض الغرّاف في الوقت الحالي، ومعه بدأ يخف تدريجياً استخدام هذا المثل، أو المثل: ( مثل الزَوْ ما يقُص إلا ينتفِل عليه ) والزو هو مقص صوف الغنم وشعر الماعز، ينتفل عليه: يُبصق عليه. ويُضرب المثل في الإنسان الثقيل الذي لا ينجز عملاً إلا بعد ضربه وإهانته. كما أن المثل الشعبي قد ينقرض بانتهاء عصر مهنة معينة، كأن نقول في المثل الفراتي: ( الحوّاج يصيح على ما بخرجه ) الحوّاج: البائع المتجول على ظهر الحمار، على مابي: ما يوجد، وقد انقرض هذا المثل نتيجة انقراض هذه المهنة.

إن بقاء الأمثال الشعبية قيد الممارسة تكمن في حفظ الناس لها، ويتفاوت الناس تفاوتاً شديداً بمقدار ما يحفظونه من الأمثال، فبعضهم يتميز تميزاً ظاهراً ومشتهراً بما يحفظ من الأمثال العامية، ويعود ذلك إلى تفاوت مقدار الذكاء والفطنة عند الأشخاص ومقدار الاختلاط بالناس والتفاعل مع الحياة واختلاف استعداد الأشخاص لهذه الاستجابات.

_________________________ 

المراجع

1 ـ تيمور باشا، أحمد: الأمثال العامية، لجنة نشر المؤلفات التيمورية، الطبعة الثالثة، مصر، القاهرة، 1970.

2 ـ حمزة، سعيد: انقراض المفردة العامية في الأمثال الفراتية ( التطور العمراني )، مجلة واحة الفرات، مجلة فصلية تصدرها مديرية الثقافة بدير الزور، العدد 1 ، 2011 .

3 ـ الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني: تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مصطفى حجازي، مراجعة: د. أحمد مختار عمر ـ د. ضاحي عبد الباقي ـ د. خالد عبد الكريم جمعة، الجزء الثلاثون، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998.

4 ـ الزمخشري، أبو القاسم محمود بن بن عمرو بن أحمد: المستقصي في أمثال العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1977.

5 ـ شوحان ، أحمد : الأمثال الفراتية، دار التراث ، دير الزور ، ط1 ، 1984 .

6 ـ شيخاني، محمد فيصل: بعض الأمثال الشامية في منطوقها الحمصي، جمع، شرح، دراسة، وزارة الثقافة، سورية، 1991.

7 ـ عياش، عبد القادر: أمثال دير الزور حاضرة وادي الفرات، سلسلة تحقيقات فلكلورية من وادي الفرات، العدد 23، سورية، دير الزور، 1969.

8 ـ عياش، عبد القادر: أمثال دير الزور العامية، مجلة صوت الفرات، العدد 187، شباط 1959.

9 ـ الميداني، أحمد بن محمد بن أحمد: مجمع الأمثال، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت.

10 ـ الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد: الوسيط في الأمثال، تحقيق: د. عفيف محمد عبد الرحمن، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، حولي، 1975.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password