المصطلحات والشعارات البارزة في سوريا تكشف حقيقة كافة الإيديولوجيات

لزكين إبراهيم

مرَّت على “الثورة والأزمة” السورية سبعة أعوام والتي انطلقت بثورة ثم تحولت إلى أزمة بسبب انحراف مسار الثورة بعد هيمنة إيديولوجيات مختلفة عليها ولكل منها أهدافها المضادة للأخرى، وعليه استمرت الأزمة وماتت الثورة، وبينما خرج الشعب السوري “بدو حرية” من نظامه الحاكم وجد نفسه يواجه الذبح والمحتلين لوطنه، حتى أصبح النظام نفسه يبحث عن حريته ممن هيمنوا على سدة قراره، لكن بعد فوات الأوان، إلا الثورة في الشمال السوري والتي لاتزال تصارع البقاء والحفاظ على قيم الثورة ومطالب الشعب السوري، فيما المساعي جارية من قبل من جاؤوا بالذبح والمحتل لسوريا للقضاء عليها هي الأخرى.

فلو عدنا بذاكرتنا إلى بدايات انطلاقة الثورة السورية والشعارات والمصطلحات التي رافقتها وقارناها بالوضع الحالي ومصطلحات وشعارات المجموعات المسلحة المختلفة التي ظهرت في سوريا سندرك مدى عمق الأزمة وكيف أن الشعب ومطالبه تم تغييبهم بشكل نهائي عن الساحة بل انقلبت كل مطالبه إلى عكس ما نادوا به وتمنوه، فبينما كان المتظاهرون في سوريا يخرجون إلى الشوارع مرددين شعارات “الشعب بدو حرية” رد عليهم النظام السوري بالرصاص والاعتقالات، ليرتفع بعدها سقف المطالب الجماهيرية بعد أن فقد الشعب الأمل في أن يغير النظام ذهنيته التسلطية وسياسته القمعية تجاه شعبه ويمنحهم مساحة من الحرية والكرامة، ليطلقوا شعار “الشعب يريد اسقاط النظام” وقابلها النظام وشبيحته حينها بشعار “الأسد أو نحرق البلد”؟!. وبالفعل أحرقوا البلد بمن فيها.

وعندما بدأت الثورة المسلحة في سوريا وأطلق المسلحون على أنفسهم اسم “الجيش الحر” استبشر الشعب خيرا بهم في البداية لأنهم رفعوا شعار “الحرية” قبل كل شيء والتي تعتبر أهم مطلب للشعب السوري عامة، ولكن سرعان ما تسرب إلى صفوفها المتطرفون والجهاديون من كل حدب وصوب الذين حولوا أهداف ثورة خرجت للمطالبة بحرية شعب بكل طوائفه وأعراقه وقومياته، إلى ثورة ذات طابع اسلامي سني بحت يحمل في أحشائه التطرف ويعتبر الحرية والديمقراطية “بدعة من الغرب الكافر” ويعادي كل من هو مختلف عنه ويحلل قتله، لترتفع هذه المرة الشعارات الاسلامية الراديكالية وراياتها والتي كانت بعيدة كل البعد عن مطالب وتفكير الشعب السوري، ولعل أبرز مصطلح يمكن اعتباره الخيط الذي يربط بين كافة الفصائل والمجموعات المسلحة الاسلامية التي نمت على ظهر الجيش الحر هو مصطلح “التكبير” وترديدهم “الله أكبر” بسبب وبدون سبب، فباتوا يرددونها عندما ينتصرون وعندما يهزمون، وعندما يَقتلون أو يُقتلون، وحتى عندما ينهبون ويسرقون أو يذبحون الناس، فكلهم يستخدمون اسم الله قناعاً للوصول إلى غاياتهم وكل فريق يعتبر نفسه ممثل الاسلام الحقيقي ويطلق على الأخرين صفات “الكفر والإلحاد والنصيرة والرافضة…

لتتوسع الهوة بعدها بتدخلات خارجية وضخ متطرفي وإرهابيي العالم إلى الداخل السوري، منهم من دخل بيد النظام نفسه وآخرون بيد دول عالمية وإقليمية وعلى رأسها تركيا، بعد أن أصبحت الأرضية جاهزة ومهيأة لاستقبالهم وتقبلهم في سوريا إثر إلباس الثورة السورية العباءة الاسلامية، فكانت هنا الطامة الكبرى، لأن هؤلاء كانوا أشد تطرفا وإرهابا وسفكا للدماء دون تمييز بين اختلافات موزاييك الشعب السوري لأن قادة وأمراء تلك المجموعات والذين استلموا دفة قيادة المجموعات المسلحة السورية هم من الغرباء وليسوا من أبناء الشعب السوري وهؤلاء بطبيعة الحال لن يرأفوا بحال سوريا وشعبها وهمهم جعل المنطقة حقل تجارب لتطبيق أيديولوجياتهم المتشددة، وحينها برز شعارهم المعبر عن فكرهم الظلامي ألا وهو “جئناكم بالذبح” والتي تعبر عن حقيقة إيديولوجية هؤلاء المتطرفين البارزين على الساحة السورية كداعش والنصرة وفروعها بمختلف تسمياتهم الذين بالفعل ذبحوا الوطن قبل المواطن.

وكان دخول الدول الخارجية والإقليمية في الصراع السوري الذي اساسا بات يتجه نحو الهاوية زاد من الطين بلاً، لأن كل قوى اختارت لنفسها مجموعات مسلحة داخل سوريا لوضعها تحت إبطها ودعمها ضد الأخرى، لتصبح سوريا في نهاية المطاف حلبة مصارعة عالمية الكل يريد تصفية حساباته مع خصومه على حساب دماء الشعب السوري، فبينما كان الشعب يطالب بالحرية من النظام السوري بات الآن هو والنظام معاً لا يملكون حتى حرية قرارهم، وأصبح وطنهم محتلاً وحتى حق المطالبة بالحرية سلبت منهم ولم يعد يجرأ أحد طلب تحرير سوريا لأن المسألة لم تعد شأناً داخلياً سورياً، بل أصبحت بؤرة أزمة عالمية الحلقة الأضعف فيها حالياً هم السوريون.

ووسط هذه الفوضى والوضع المأساوي الذي وصلت إلهيا سوريا، كانت هناك حالة مغايرة تشهدها شمال سوريا ومناطق روج آفا ذات الغالبية الكردية، فكانت الثورة التي قادها الكرد تنأى بمناطقها عن أتون الحرب الطائفية والسلطوية التي باتت تحرق سوريا، وظهرت في هذه المنطقة دون غيرها مصطلحات وشعارات جديدة قد لا نبالغ إذا قلنا أنها جديدة على مستوى الشرق الأوسط كله، ففي روج آفا حين تشكلت نواة قوات عسكرية للدفاع عنها أطلقوا عليها اسم “وحدات حماية الشعب والمرأة” ولم يقولو وحدات حماية الكرد رغم أن الكرد هم من يقودونها، ثم تشكل “قوات سوريا الديمقراطية” التي تدل من اسمها أنها تناسب عموم السوريين وتتمسك بمطلبهم في الحرية والديمقراطية، ولم تصدر من هذه القوات من حينها إلى الآن أية شعارات عنصرية أو طائفية بل اتحد جميع الشعوب في الشمال السوري تحت رايتها وحرروا مناطقهم من داعش وغيرها.

وبعد إعلان هذه المناطق لإدارتها الذاتية وطرح مشروع الفيدرالية، بتنا نسمع مصطلحات لم يرددها أحد الأطراف في سوريا سواهم أيضاً وأهمها ” الأمة الديمقراطية، أخوة الشعوب، العيش المشترك، حرية المرأة” وغيرها من المصطلحات التي توضح الإيديولوجية التي تسير عليها هذه الإدارة والتي تتوافق بشكل عام مع موزاييك الشعب السوري ككل، وبفضل التمسك بهذه الإيديولوجية استطاعت أن تخلق نوعاً من الثقة بين شعوب الشمال السوري وتخلق التكاتف والاستقرار لمناطقتها، أي يمكن اعتبار هذا النموذج هو الأنجح مقارنة مع باقي المناطق السورية، ولأنها تعتبر النموذج الوحيد الذي لازال يسير على مبدأ “الشعب بدو حرية” ويدعوا لأن يكون الشعب هو صاحب القرار في إدارة مناطقهم والقضاء على الأنظمة السلطوية والمركزية، لذا تعرضت ولاتزال تتعرض للكثير من الضغوطات والهجمات من كافة القوى المتدخلة في سوريا سواء من النظام وداعميها أو المعارضة وداعميها وذلك للقضاء على أخر أمل للشعب السوري في البحث عن طريق لإنهاء أزمتها وأزمة الشرق الأوسط عامة، لأن كافة الجهات المعادية لهذا النظام الجديد في الشمال السوري لا يريدون وجود نموذج ديمقراطي حقيقي مطبق على أرض الواقع أمام أعين شعوب المنطقة والعالم، حتى لا يطالب أحد بتطبيقه في سوريا وعموم المنطقة مستقبلاً خاصة مع غياب أية بوادر لإنهاء معاناة الشعب أو إيجاد حل يمكن أن يزيل أزمة الثقة التي تسربت في نفوس شعوب سوريا ويعيد أمل العودة للعيش معاً وتقبل بعضهم البعض .

ختاماً يمكننا القول أن الحراك الشعبي الثوري خلق آمالا كبيرة لدى مجتمعات الشرق الأوسط، ولأجل تحقيق الاهداف الثورية الديمقراطية, أمامه مهمة ومسؤولية تاريخية اليوم لإنهاء الفوضى والازمة, وذلك بوضع أسس العيش المشترك لدى الشعوب والجماعات جنبا الى جنب من خلال مبدأ الديمقراطية والأخوة والسلام, وتحقيق الاتحاد الديمقراطي والامان والاستقرار وهذه كلها ستغدو أموراً ممكنة التحقيق في ظل مشروع الأمة الديمقراطية, والحلول الفيدرالية التي تعبر عن إرادة الشعوب والجماعات وتضمن حقوقها. 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password