الانتخابات التركية المبكرة دعوة حق يراد بها باطل

لزكين إبراهيم

توصف الانتخابات بأنها إحدى طرق التعبير الديمقراطي وحق للشعوب في اختيار ممثليهم وحكامهم بأساليب شرعية لينعم بها الشعب والدولة بحكم حر ديمقراطي، ولكن يبدو أن هذا الحق يستغله أردوغان بأساليب ملتوية لغاية في نفس يعقوب ويريد من ورائه الباطل، وكل المؤشرات منذ إعلانه الانتخابات المبكرة في تركيا تؤكد أنه سيخوض انتخابات لا تتسم بالشرعية ولا يمكن أن تكون نزيهة وديمقراطية بهذا الشكل.
فبعد أن شعر أردوغان أن الأرض تميد من تحت قدميه نتيجة سياساته الرعناء في المنطقة وزج نفسه في المستنقع السوري ومعاداة حلفائه قبل أعدائه، تذكر ما حدث في الماراثون التشريعي في أبريل 2017، حيث لحق به التراجع وكيف استخدم اساليبه المخادعة وقوة سلطته حتي تعود له الأغلبية وكان له ما أراد. الآن يعيد ذات المشهد بإعلان الانتخابات المبكرة، ولكي يبعد الشبهات عن ضعفه، بدأها بتمثيلية مثلها له دولت بهشلي رئيس حزب الحركة القومية، الذى ارتما في أحضان السلطة وتمجيد حكم الفرد، وظهر وهو يدخل اجتماع كتلته البرلمانية وبطريقة مسرحية انطلقت صرخته تدعو لانتخابات مبكرة في السادس والعشرين من أغسطس الماضي وسط تصفيق حاد من أعضائه.
وثمة إجماع بين المراقبين الأتراك بأن بهشلي، ما كان له أن يتقدم باقتراح تقديم موعد الانتخابات من دون ضوء أخضر، أو حتى طلب مباشر، من أردوغان. ويُجمع المؤيدة للحزب الحاكم والمعارضين له على حد سواء، على أن أردوغان استعجل الانتخابات، خشية استمرار التآكل في شعبيته، مع استمرار تدهور سعر صرف الليرة، وتواتر التقارير عن أداء متعثر نسبيا للاقتصاد التركي خلال العامين المقبلين. كما أن أردوغان يريد الاستثمار في “نصر عفرين” وتوظيفه في المعركة الانتخابية، هذه الحرب التي ألبسها ثوبًا مزعومًا بحماية الأمن القومي لتركيا، ولا شك أن هذه المعركة غير الشريفة، قد خدع بها قطاعًا لا يستهان به من الشعب التركي الذي وقع تحت تأثير دعاية أردوغان ووسائل إعلامه وأجهزة مخابراته التي روجت شائعات التهديد الكردي للأمن القومي التركي، ويسعى أردوغان إلى جنى ثمار هذا “الانتصار” قبل أن يبرد وينساه الأتراك. مع أن كثيرين باتوا يعتقدون أن تراجع أردوغان عن اجتياح “منبج” وشرق الفرات، ووقوفه عاجزا عن تنفيذ وعوده وتهديداته “النارية”، أثرا على صورته وهيبته، وقد يسهمان في إضعاف فرصه وحظوظه في الانتخابات المقبلة.
ولم يلتفت الكثيرون إلى المغزى من توقيت إعلان أيدن دوغان في الثاني والعشرين من مارس الماضي عن بيع مجموعته الإعلامية المملوكة له، وهي الأشهر على مستوى الأناضول وتضم الصحف حريت وبوسطا وفناتيك ووكالة أنباء دوغان وشبكتين فضائيتين بينها سي أن أن تورك، الى صديق الرئيس وهو رجل الأعمال دمير أورن الذي يمتلك أصلا صحيفتي وطن وميلليت، بقيمة 900 مليون دولار. ولم يكن الأمر في حاجة لتفسير فالهدف وفقا «لجمهوريت» الدعم الكامل لأردوغان الذي بات يبسط يده على 95 % من وسائل الإعلام المؤثرة في معركته ضد الاحزاب السياسية المعارضة ليكون هناك صوت واحد ورجل واحد.
وبالإضافة إلى اعتماد أردوغان على ترسانته الإعلامية هذه، فالمعطيات تؤكد أنه سيعتمد على الخش والتزوير أيضاً، فقبل كل ذلك أدخل أردوغان تعديلات على قانون الانتخابات والأحزاب السياسية التي دمرت مبدأ تكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور، وبها لم تعد هناك عدالة في التمثيل كما ستقضي على الأمن الانتخابي، فالاعتداد بالأوراق الانتخابية غير المختومة ما هو إلا تصريح مباشر بالتزوير وهو ما حدث بالفعل أثناء «استفتاء التعديلات الدستورية» الذي شهدته تركيا في 16 أبريل 2017 ،الفارق هو إضفاء المشروعية رسميا على الغش والتدليس.
كما أن اجراء الانتخابات في ظل قانون الطوارئ من شأنها إشاعة مناخ الترهيب والخوف، إذ تستطيع قوات الشرطة الدخول إلى اللجان الانتخابية بناء على نداء من رئيس اللجنة، ومن المؤكد أنه ستتولى عناصر مقربة من الحكم مهمة الرقابة على الصناديق الانتخابية. أما المسئولون عنها وسيكونون من الموظفين العموميين وهنا طرح السؤال كيف لهؤلاء أن يعترضوا أو يبقوا محايدين؟!
والدليل الآخر على استعدادات حكومة أردوغان لخوض الانتخابات معتمدين على التزوير، العدد الخيالي للبطاقات الانتخابية التي أعدوها مقارنة مع عدد الشعب التركي، فعدد سكان تركيا يتجاوز بقليل الــ 85 مليون نسمة، من يحق لهم التصويت في الاستحقاقات الانتخابية محلية أو برلمانية وكذا الرئاسية حوالي 55 مليونا تقريبا يشملون ايضا المغتربين بالخارج، ومع هذا قامت الهيئة العليا للانتخابات ــ التي تقول الحكومة إنها مستقلة وهذا مشكوك فيه من قبل المعارضة التي لديها أدلتها ووثائقها ــ بطبع ما يزيد على 500 مليون بطاقة اقتراع، الأمر الذي وصفه مراقبون بأنه مثير للضحك والسخرية في آن هذا أولا، وثانيا أنه يظهر بما لا يدع هناك مجالا للشك النية المبيتة للتزوير الممنهج .
ومع هذا لا يبدو أن الطريق الذي يسير فيه أردوغان مفروش بالورود، فقد أعلنت 4 احزاب تركية رسميا تشكيل تحالف انتخابي للوقوف بوجه اردوغان في الانتخابات وهذا التحالف يضم ابرز أحزاب المعارضة: “حزب الشعب الجمهوري” (اشتراكي ديموقراطي)، حزب “ايي” (يمين)، حزب “سعادة” (محافظ)، و”الحزب الديموقراطي” (يمين الوسط).
وتطمح المعارضة من خلال هذا التحالف، الذي اطلق عليه تسمية “تحالف الأمة”، الى قطع الطريق على اردوغان، بالإضافة إلى حزب «خدابار» الكردي الإسلامي السني والذي سبق ودعم أردوغان وكان على استعداد لدخول التحالف الذي أبرمه مع القوميين تراجع معلنا انضمامه للمعارضة، وقال في بيان إنه من غير الممكن القول إن عملية عفرين التي تشنها القوات التركية في الشمال السوري منذ يناير 2018، لم تخلق أي نوع من الانزعاج بين الكرد. هذا ماعدا دخول حزب الشعوب الديمقراطية بترشيح رئيس الحزب المشترك السابق صلاح الدين ديمرتاش من خلف القضبان، والذي يحظى بشعبية واسعة بين الكرد في تركيا.
فكل هذه ستكون تحديات تواجه أردوغان، بالإضافة إلى أن تاريخ تركيا ينبئ بأن خطوة أردوغان تشبه ما جرى للأحزاب الحاكمة قبله وكيف انهم سقطوا بنفس طريقة أردوغان اليوم، فلو عدنا بالذاكرة إلى خمسينيات القرن الماضي سنرى أن تركيا خلالها خاضت أكثر من 5 انتخابات مبكرة، تسببت كلها في خسارة السلطة أو تراجع عدد المؤيدين لها، وهي على الشكل التالي:
في عام 1957 شهدت تركيا أول انتخابات مبكرة، وفي تلك الانتخابات تراجعت أصوات الحزب الديمقراطي إلى 47% بعدما حصل على 57% خلال انتخابات عام 1954.
وفي عام 1987 شهدت الانتخابات المبكرة تراجع أصوات حزب الوطن الأم إلى 36%، وذلك بعدما حصل على 45% خلال انتخابات عام 1983.
وفي عام 1991 انتخابات مبكرة تسببت في خسارة حزب الوطن الأم للسلطة وتراجعت نسبة التصويت له من 36% التي حصل عليها خلال انتخابات عام 1987 إلى 24%
وانتقلت السلطة آنذاك إلى حزب الطريق القويم الذي حصل على 27% من أصوات الناخبين ليحل في المرتبة الأولى.
عام 1995 انتخابات مبكرة أدت إلى تراجع حزب الطريق القويم الحاكم ليحل في المرتبة الثالثة بعدما انخفضت نسبة الأصوات التي حصل عليها إلى 19% وحل حزب الرفاه في المرتبة الأولى بحصوله على 21% من أصوات الناخبين.
عام 1999 تراجع حزب الرفاه في الانتخابات المبكرة إلى المرتبة الثالثة نتيجة لتراجع نسبة الأصوات التي حصل عليها إلى 15%، وجاء حزب اليسار الديمقراطي في المرتبة الأولى بنسبة تصويت بلغت 22%.
وفي الانتخابات المبكرة لعام 2002 عجزت كل الأحزاب المشاركة في البرلمان عن تجاوز الحد الأدنى من الأصوات.
وهذا مثال من عشرات الأمثلة تعزز جملة من الشكوك في أن يحقق أردوغان ما يصبو اليه، وهذا ما أشار اليه رئيس شركة «صونار» للأبحاث واستطلاعات الرأي، الذي قال بعد ما حدث بقانون الانتخابات صار من يحصل على نسبة 51% ، حاكما مطلقا ومالك الدولة بكل ما فيها، لكن إذا لم يحصل من أعدها وناضل من أجلها على الأصوات التي ينتظرها وهذا ما سيحدث لأردوغان، فإنه بذلك يكون قد أنهي حكمه بيده، وعلى الأرجح هذا ما سوف نراه مستقبلاً.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password