من قبائل الكرد (المللية )

جاسم الهويدي العبيد

الأكراد شعب عريق في تاريخه متميز في عاداته مستمر في تقاليده منبته غرب إيران وشمال العراق وشرق تركية وشرق سورية وهذه البقعة المقسمة إلى أربعة أجزاء – بفعل فاعل ولهدف مستعمر غادر – تملك من الروعة في الطبيعة والجمال الخلاب من سهل وجبل وهضاب وأنهار خالدة وتربة خصبة وورود وزهور ومياه عذبة وأشجار ونباتات خضرة ووديان سحيقة ومنازل فيها العجب والندرة فيها الآثار من قلاع وحصون وأسوار قائمة إلى اليوم تحكي قصة الإنسان الأول الذي عاش على هذه البقعة من الأرض تحكي حياته وعاداته وطقوسه آلامه وشقائه، فرحه وحزنه وسعادته وكفاحه مع الأرض التي التصق بها على مر العصور.

لقد ناضل من أجلها ودافع عنها ولم تغلبه الرياح العاتية ولم يستسلم لها رغم قساوتها وشدتها وقف أمامها كالطود الشامخ يتحدى يغلب مرة ويغلب في أخرى لكنه لم يستسلم ولم يتنازل وقد وضع نصب عينيه هدف سام آملا الوصول له مهما بلغت التكاليف وقست الظروف وكثرت المطبات والعوائق.

ملأ الطموح صدره، وشمَّر عن ساعدَيه، وجد في عمله بكل قوة وثبات.

 لم ينسَ تاريخ أجداده وأسره وعشائره المرتبطة بالأرض. ولو سرنا من غرب إيران إلى كردستان العراق في الشمال، ووصلنا شرق تركية وشمال شرق سورية لوجدنا قبائل وعشائر مختلفة الأسماء غريبة الأطوار متميزة في العادات والتقاليد والطبائع والشكل.

من هذه العشائر؛ ( الخوشناو – الجاف – البريفكاني – البرزنجي – الدوسكي – الجاباري – الآشيتية – الأومرية – المللية ).

ينتمي الأكراد لهذه العشائر وهناك عشائر أخرى كثيرة تستوطن جبال زاغروس وطوروس وهذه البقعة من العالم ومنذ قديم الزمن .

وعشيرة المللية من أكبر عشائر الكرد وأغربها تكوينا وتأليفا رؤساء وعوائل وأفرادا .

كانوا في عهود العثمانيين يرتادون البقاع الجبلية وسط بلاد الأكراد في مناطق (سيورك – وبيرجيك – وآمد  ديار بكر – وويرانشهر وأورفة ).

ويقطنون سفوح جبل قرجه داغ من كانون الثاني حتى شهر نيسان فإذا حل نيسان هبطوا السهل المحيط في غربي رأس العين وامتدوا إلى جبل عبد العزيز حيث قبائل السادة البقارة وغيرها  .

 وإذا حل شهر حزيران عادوا نحو الشمال باتجاه ( آمد – دياربكر) 

وفي الخريف يذهبون رويدا نحو مشاتيهم في قره جه داغ وهكذا .

تتكون عشيرة المللية من عناصر ومذاهب مختلفة غريبة يعجب الإنسان كيف تآلفت وعاشت وكونت أخوة الشعوب ومن وفرة هذه العناصر واختلاف منابتها كانوا يقولون عن هذه العشيرة من قبل المبالغة :

( هزا ر ملت ) أي ألف ملة ومن ثم دعيت بعشيرة المللية .

ومعظم أفراد هذه العشيرة أكراد يزيدية ومنهم من أصل عربي وربما وصل عدد فرقهم الخمسون فرقة وأهم فرقهم ( الباشات أي أبناء ابراهيم باشا وهم الحمائل والرؤساء ) .

والمحليان – الكومنشفان – التركمان – الحيدران – الهيزول – الصوركان – والميتان – والجوفان – والشيخان – الرودكان – والمندان – ناصريان – كوران – خضركان – سيدان – دومبليان – حسنان – جبران – زركي – جمال الدين .

وأهم فرق اليزيدية؛ (شرقيان – خالدان – دنادا – مروان – قوبان ).

ومن العشائر العربية – العدوان – الفراجة – الجبور – البقارة – الحديديين – بني خطيب – النعيم – شرابيين الكواويس وغيرهم .

ومن هؤلاء المللية الأكراد أناس مستوطنون في دمشق وحماة والرقة

اصطدمت عشيرة المللية بالعشائر الكبرى عنزة وشمر، ودامت العداوة فترة الاستعمار الفرنسي، وفي عهد زعيم المللية إبراهيم باشا وقد جرت بينه وبين شمر معركتان كانت الغلبة فيهما لإبراهيم باشا، ممّا أدى لشهرته.

لكن العداوة والحروب خفت بينهما وزالت وانقلبت إلى مصاهرة وصلة قربى وتحالف فيما بين القبيلتين .

حاربت عشيرة المللية قبيلة الفدعان من عنزة الذين هاجموا الشاشان في رأس العين .

كما أن أولاد إبراهيم باشا ساروا في عام 1921 م مع الحملة الفرنسية التي كان يقودها الزعيم الفرنسي ( دبيوفر ولاتوريت ) في هجومها على قبيلة العكيدات لاحتلال مدن وقرى شط الفرات .

انقسمت عشيرة المللية بعد تقسيم الحدود إلى قسمين أحدهما بقي في تركية برئاسة عبد الرحمن بك الذي نفاه الأتراك إلى أدرنة والآخر بقي في سورية برئاسة محمود بك. وكان رئيس هذه العشيرة في عهد السلطان عبدالحميد ابراهيم باشا وهو(إبراهيم بن محمود بن تيمور بن عبدي بن محمود بن عبدي الملقب كلش) ويقال إن الجذور عربية ورأي آخر أنه من ايران جاءت عائلته مع ثمانمائة عائلة في زمن غابر ولهم صلة مع عائلة بيت البيك في القامشلي  .

أما كلش عبدي فقد أقام جوار بلدة قباحيدر من ولاية أورفة ثم سكن أحفاده بعده في بلدة ويرانشهر المعروفة بالسويداء. وحكموا العشائر الكردية في دياربكر ووان وبتليس وبرز منهم رجالات – تيمور باشا – أيوب باشا – محمود أغا والد ابراهيم باشا وقد طغا تيمور باشا وكان صاحب سطوة في عهده فأرسلت الدولة العثمانية إليه كتيبة عسكرية من فرسان عشيرة العبيد في قيادة رئيسها سليمان بك الشاوي من الحويجة المعروفين بالعراق فكسرته بعد معركة حامية وأنزلته من مكانه كان ذلك عام 1202 هجري

أما إبراهيم باشا فقد كان كأجداده ذا سلطة طائلة على عشيرته ونفوذ بعيد المدى على جميع العشائر الكردية في تلك الولايات وقد انتصر عدة مرات على الحملات التركية وكاد يعلن استقلاله كأمير على بلاد الكرد في جنوب تركية وقد تم تعيينه قائدًا كبيرا للكتائب الحميدية التي أنشأها السلطان عبد الحميد الثاني وقتئذ من فرسان عشيرة المللية غيرها مثل فرسان القوزاق في روسيا. وبعد موته خلفه ابنه محمود وكان يقطن في قصره الذي شيده في ويرانشهر، لكنه آثر رأس العين فانتقل إليها ولم ينس ويرانشهر.

واشتهر بمضربه العظيم ( خيمته ) ذي العواميد الستة عشر إلى أن شاخ وهرم وتوفي في صيف عام 1945 م .

أعقب ابراهيم باشا ستة أولاد هم ( عبدالحميد – محمود – اسماعيل – خليل – تيمور – عبدالرحمن ).

عبد الحميد توفي في دياربكر – وإسماعيل توفي في راس العين – وتيمور قتل وعبد الرحمن رئيس العشيرة الباقية داخل الحدود التركية أبعدته الحكومة الكمالية إلى أدرنة ظل فيها زمنا ثم هرب إلى راس العين

واستقرت رئاسة القبيلة في خليل بك الذي أصبح عضوا في البرلمان السوري وصار ابنه محمد يعاونه في إدارة العشيرة وهو شاب ذكي وهمام

متعلم ويجيد الفرنسية والتركية والعربية .

ترجم المقدم مولر في كتابه حياة ابراهيم باشا فقال: هو أحد الشخصيات التي برزت في العالم العربي أواخر القرن الماضي وكان يرأس عشيرة كردية عربية نصف متحضرة .

ألف الترك من عشيرة الملليلا جندا دعوهم – المليس –

عاش ابراهيم باشا عمرا مترعا برغد العيش والاستقلال في قرى متعددة تحيط بعاصمته ويرانشهر . وكانت خيمته التي ينصبها في الشتاء وأثناء النجعة أكبر مضرب عرف من نوعه فقد كان له 16 عمود والعرب تفتخر باليت المسوبع أو المخومس .

توفي إبراهيم باشا في قرية صفيا على نهر جغجغ على بعد 12 ك0م شمالي الحسكة وسبب وفاته أنه كان فارا من وجه الجنود الأتراك الذين عاقبوه بشدة مدة طويلة فوصل إلى مشرع في نهر الجغجغ وكان الحر شديدا والتعب واللهث آخذان منه أشد مأخذ فشرب دون حساب فأصابته هيضة قضت عليه .

وحينما كان الفرنسيون يحاولون الاستيلاء على أورفا وديار بكر وثب أبناء إبراهيم باشا على الترك وأرسلوا وفدا إلى الفرنسيين يعلمونهم بقصدهم وبعد أن اشتبك أبناء إبراهيم باشا مع الترك، وغلبوا أو غلبوا مرارا اضطروا إلى الاستسلام ثم فضلوا الهجرة فجاؤوا مع 300 بيت إلى أنحاء دير الزور في سنة 1921 م، وهناك أمدهم الفرنسيون بمدفعين وبضعة رشاشات فعادوا وهاجموا الحامية التركية. كما غاروا على الشاشان في قرية الصفح ولكنهم صدوا بشدة فرجعوا إلى ديرالزور .

وفي اتفاقية أنقرة تم التراخي على أن يعفى عنهم . ثم عادوا في عام 1922 م إلى ويرانشهر لكن الترك لايصفحون عن الزلات بسهولة لذلك ظلت حالتهم قلقة وقد سجن الترك أبناء الباشا مرارا وأطلقوهم مرارا وأخيرا سئموا واضطروا عام 1926- 1927إلى ترك أوطانهم وقراهم وأرزاقهم وقسما من مواشيهم في يد الترك .

وجاؤوا سورية ومكثوا قرب رأس العين وطلبوا من الحكومة السورية أن تقبلهم وتقطعهم أرضا يستغلونها ولسوء الحظ لم يوجد لهم سوى أراض في جنوبي حمص، فاستبعدوها وفضلوا البقاء قرب وطنهم الذي غادروه، ومازالوا قرب رأس العين .

وترجم شيخ كامل الغزي في كتابه ( نهر الذهب في تاريخ حلب ) حياة إبراهيم باشا فقال في المجلد 3 ص481: في شهر رمضان سنة 1326 هجري مات إبراهيم باشا بن معمو التمو الكردي في الموضع المعروف تل شرابه بين نصيبين ودير الزور، وهو من عشيرة المللية وهذه العشيرة تبلغ 400 بيت يقيم تحت خيام الشعر في ويرانشهر من أعمال قضاء رأس العين التابعة للواء ديرالزور، وكان والده قد توفي في حلب عام 1295هجري ودفن فيها فخلفه ابنه في الرئاسة وكان ابراهيم يعرف بإبراهيم أغا آنذاك. اقتفى آثار آبائه في شن الغارات على القبائل الكردية والعربية وامتهن الغزو خصوصا في عشيرة قرهكج وإنه لم يبق لها سبدا ولا لبدا ولما كثر تشكي العشائر منه أمسكته حكومة ولاية ديار بكر ونفته إلى سوارك فبقي فيها سنتين ومنها استغاث بوالي حلب جميل باشا وقدم له هدايا من الخيول المطهمة فشفع له السلطان عبد الحميد وعاد إلى ويرانشهر.

ولما تألفت الكتائب الحميدية من سكان البوادي مضاهاة لكتائب القوازق في دولة روسيا جعل ابراهيم أغا مقدم مائة ثم مقدم ألف ثم أمير لواء وصار يدعى باشا وكثر أتباعه واستقدم إلى إسطنبول لعرض كتيبته فشخص إليها مع عدد وافر من عشيرته الجند الحميدي في غاية من حسن اللباس البزة والرونق .

وقدم للسلطان من الخيول العربية والسمن العربي فسر السلطان بذلك وأعاده مكرما فازدادت سطوته وعظمت نكايته بالعشائر والقرى المجاورة من أعمال أورفة وديار بكر حتى أنه خرب الكثير منها بسبب جلاء أهلها وفرض الضريبة على القوافل المارة وإن لم تدفع نهبها فضج أهل تلك الديار وواصلوا الشكاوى عليه ووصلت أخباره للسلطة العثمانية . وواصل الناس الشكاوى عليه للولايات وبذلوا الغالي والنفيس لكنهم لم يجدوا أذنا صاغية لأنه كان لا يفتر عن تقديم الهدايا والرشاوى الطائلة للقصر السلطاني من ذهب وفضة وخيول وسمن .

ولما تمادى في عدوانه صار المشتكون يوالون البرقيات المحتوية على أشد العبارات التي يخاطب بمثلها السلطان عبدالحميد العظيم وأعانهم الولاة على ذلك إلى أن أصدرت الإدارة بتأليف لجنة خاصة للتحقيق في ديار بكر لكن اللجنة عادت ولم يصدر شيء ضده .

وقبل إعلان الدستور أصدر السلطان إرادته بإشخاص ابراهيم باشا وجنوده إلى الحجاز ليعاونوا جيش الدولة في ردع العشائر العربية التي قامت وقتئذ بتعارض الدولة التركية في مد السكة الحديدية الحجازية من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة . فامتثل إبراهيم باشا الأمر ونهض من ويرانشهر وقصد الحجاز من طريق حلب دمشق وما كاد أن يستقر في دمشق حتى أعلن الدستور وحدث الانقلاب على السلطان، فكرّ إبراهيم راجعا إلى حلب وويرانشهر وحينما تحققت الحكومة هربه أرسلت في طلبه الجنود فلم يدركوه إلا في جهات ماردين ملتجئًا في جبل هناك، فشددوا عليه الحصار مدة لكنه ركب جواده وقصد أن يسلم نفسه طائعًا، وكان التعب والسهر قد أنهكا جسمه، وبينما هو راكب جواده إذ وقف ونزل إلى الأرض وفي برهة دقائق فاضت نفسه إلى باريها .

كان غنيا ولديه مليونان من الليرات الذهبية وقد عمل نفقا في الأرض وكنزها فيها وقتل المعمار الذي عمل له النفق كي لا يخبر عنه أحدا .

كان سخيا جوادا وشجاعا وداهية من دهاة الشرق يتكلم الكردية التي هي لغة آبائه وأجداده وعشيرته والعربية التي هي لغة أمه وزوجته والتركية لغة الدولة وقد أنشأ في سواريك مكانًا يشبه التكية يطعم فيه الفقراء والمسافرين .هذه العشيرة تتمثل فيها الوحدة والروح المعنوية العالية والقدرة على التغيير والشهامة والمروءة وأخوة الشعبين الكردي والعربي بكل انتماءاتهم وأصولهم المتجذرة على هذه الأرض.

المصادر

1-         عشائر الشام … أحمد وصفي زكريا

2-         عشائر العراق …المحامي عباس العزاوي

3-         القبائل العراقية .. يونس السامرائي

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password