في سمات الهجرة السورية

جاسم الهويدي العبيد

حزموا أمتعتهم وحاجياتهم وغادروا أريافهم الجميلة ومدنهم الزاهية وحواضرهم الرائعة وبواديهم المربعة جماعات ووحدانى وعبروا الحدود.
أرتاد دواوين شمر وأخص مضافة عدي بن ميزر المدلول العاصي، وفي أمسية سعيدة والحاضرون كثر في المضافة والحديث حول من تركوا الأوطان وهاجروا قال عدي: لقد كان عدد الأسرة يزيد على 8 أو 10 من الأفراد فمن غادر منهم وهاجر ربما لن يرى الآخر إلى يوم القيامة.
لم يخطر ببال القسم الأعظم منهم يوما مغادرة الوطن وهجرته لكنها المسببات الكثيرة والعوامل المنغصة جعلتهم يتركون الوطن لأنهم لم يعودوا يستطيعوا العيش بأمان في بيوتهم وبلداتهم وأريافهم وبواديهم.

تشكل السمة المميزة لبيئة العائلة السورية بأنها تضم أفرادا لا يقل عددهم عن ثمانية وربما يصل إلى خمسة عشر ويعيشون في منزل واحد وينحدرون من جد واحد وهي القاعدة الأساسية للأسرة السورية .
والاغتراب هو الحالة السيكيواجتماعية التي تسيطر على الفرد سيطرة تامة تجعله غريبا وبعيدا عن بعض نواحي واقعه الاجتماعي الذي يتفاعل معه.

والاغتراب شعور ينتاب الفرد فيجعله غير قادر على تغيير الوضع الاجتماعي الذي يتفاعل معه، وعدم وجود الهدف عند الشخص المغترب أي أنه لا يستطيع توجيه سلوكه ومعتقداته وأهدافه، وعدم وجود المقاييس أي أن المغترب غالبا ما يشعر أنه لو أراد تحقيق أهدافه فإنه يجب عليه عدم التصرف بموجب المقاييس المتعارف عليها اجتماعيا وأخلاقيا .
والاغتراب هو العزل أي شعور الفرد المغترب بأنه غريب عن الأهداف الحضارية لمجتمعه . لكن انتقال الناس أفرادا وجماعات بين أجزاء الوطن العربي ظاهرة مألوفة منذ أقدم العصور .

فالقبائل العربية والعشائر تهاجر وتتغرب بحثا عن النجعة والكلأ والماء فأينما وجد الغدير نصبت العشيرة خيمها وحطت رحالها إلى فترة من الزمن، ثم تستمر في الرحيل بحثا عن الماء والعشب .

ومن العوامل التي تيسر الانتقال بين جغرافية الوطن العربي وحدة اللغة والتاريخ والدين وتقارب أساليب الحياة في العيش المشترك وعدم وجود قيود جامدة وعراقيل حكومية على هذا الانتقال .

إلا أن خضوع المنطقة العربية للاستعمار الأوروبي وفرض التجزئة عليها وإقامة الحدود المصطنعة قد أحدث هبوطا شديدا في حجم الهجرة بين مختلف أرجاء الوطن العربي بالمقارنة مع الفترات السابقة .

لكن اكتشاف النفط واستغلاله في منطقة الخليج العربي بعث النشاط من جديد في حركة الهجرة وانتقال القوى العاملة العربية نحو هذه الأقطار ابتداء من الخمسينات من القرن العشرين.

وأصبحت مناطق النفط هي مناطق الجذب لهذا الانتقال بين أقطار الوطن العربي. وبارتفاع أسعار النفط خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي وبخاصة بعد حرب 1973 أظهرت حركة انتقال اليد العاملة بين البلدان العربية تزايدا واضحا واتخذت أبعادا جديدة ليس فقط من حيث حجم هذه العمالة بل من حيث تركيبها وآثارها على كل من البلدان المرسلة والمستضيفة. ولا ننسى أن طابع هذه الهجرة كان انتقائيا غير خاضع لأي شكل من أشكال التنظيم وعفويا غير مرتبط بأية اتفاقيات جماعية أو ثنائية بين البلدان أو بسياسات تستهدف توجيه حركة هذه العمالة والتحكم في حجمها أو تركيبها .

وللهجرة أشكال وأسباب منها :

1- الهجرة القسرية
وتعني تهجير المجموعات البشرية من أوطانها رغم أنفها إرغاما وقسرا .
كمثال الشعب الفلسطيني الذي هجر من وطنه فلسطين وحل الإسرائيليون مكانه وبدعم الدول الكبرى بريطانيا وفرنسا وأميركا فقد تشرد الألوف وقتل عشرات الألوف منه ومازالت هذه المأساة مستمرة وتلاقي الآن استنكارا من مختلف شعوب العالم .
هجر الشعب الفلسطيني خلال سلسلة من النكبات تعود أولى حلقاتها إلى عام 1948 من القرن العشرين وتكرر التهجير في عامي 1967 و1973

2- الهجرة إلى خارج المنطقة العربية
شهدت بعض المناطق العربية منذ أمد بعيد بروز ظاهرة الهجرة الخارجية فمنذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ابتدأت هجرة العمالة العربية من سورية ولبنان وفلسطين إلى الأمريكيتين وبعض بلدان أوروبا واتسعت هذه الهجرة خلال النصف الأول من القرن العشرين بحيث أصبح المنحدرون من أصل عربي يشكلون نسبة معينة من سكان بعض البلدان الأجنبية فمن مجموع سكان البرازيل مثلا يشكل المنحدرون من أصل عربي أكثر من 6بالمائة من مجموع السكان .
كما أن الجالية العربية في العديد من بلدان الغرب أصبحت تحتل مكانة مرموقة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان وتشكل رصيدا يمكن الاعتماد عليه اقتصاديا وسياسيا لصالح القضايا العربية .
إن الخسارة التي تتحملها الأقطار العربية لقاء هذا النوع من الهجرة هي هجرة الأدمغة (الأطباء والمهندسين والخبراء والمؤرخين والاختصاصيين وأصحاب الفكر والاختراع والإبداع ) هذه هي الخسارة الحقيقية والكبيرة للبلاد ولا يمكن مقارنتها تحت أي مقياس بحركة العمالة داخل الأقطار العربية . إن مثل هذه الهجرة تسهم بدرجات متفاوتة في إبطاء معدلات التنمية العربية .
ومن دول المغرب العربي إلى أوروبا لاسيما إلى فرنسا هجرة بمكانة خاصة من حيث حجمها وخصائصها وقد قدرت نسبة المهاجرين من بلدان المغرب العربي تونس – والجزائر- والمغرب – إلى أوروبا الغربية بحوالي 1بالمائة من سكان هذه الدول في عام 1954 وفي عام 1980 تزايدت إلى 3%

إن الطابع المميز لهجرة العمالة المغربية في أوروبا الغربية أنها هجرة شباب ذكور بالدرجة الأولى تصل نسبتهم إلى 90بالمائة .
لقد كانت الهجرة في بدايتها فردية تلقائية غير منظمة ثم ما لبثت أن تطورت مع مرور الزمن لتصبح أقرب إلى الهجرة الجماعية .

أما أسباب الهجرة
فهي بحث العاملين عن فرص جديدة للعمل وسعيهم لتحسين مستوى معيشتهم وزيادة دخولهم.
والحقيقة أن هذا التفسير لا يبيّن كامل الصورة إذ أنّ الهجرة في أساسها إنما هي نتيجة حتمية لنظام اقتصادي عالمي فرضته ظروف تاريخية بهيمنة دول كبرى على دول صغرى ضعيفة اقتصاديا .

ولكنني أقول وأتساءل ؟
الوطن العربي والشرق الأوسط وما تزخر به هذه الأرض من ذهب ونفط وزراعة وقوى عاملة بشرية لو هيأ لها التكامل الاقتصادي فرصا وتعاونت فيما بينها وكسرت الحدود وانبعثت الصناعة فما الذي سيحدث؟
فالخليج العربي راعي النفط في العالم والسودان سلة غذائية تكفي العالم العربي كاملا ومصر عمالة تامة والعامل المصري يمتلك القناعة في الدخولات والأجر والسوريون واللبنانيون فكر واختراع وصناعة وابداع.

ومازلت أتساءل لم الانتظار؟ وإلى متى لا وحدة اقتصادية ولا تضامن ؟

وإلى متى هجرة العقول المبدعة والخلاقة؟
من وراء البحار يتأوهون ويتألمون ويحنون شوقا لبلادهم وأوطانهم التي تر كوها وهجروها، يذرفون الدموع ويبكون، وفي صدورهم الحنين للوطن والشوق للقاء الأحباب والأهل ويقولون هل من عودة؟
هل من أماسي الأمس واجتماع الأحباب من رجعة ؟
إنهم في حيرة !
إنهم في بلاد مختلفة في طبائعها وعاداتها وتقاليدها وقوانينها فهم في بلاد حكمت عليها الضرورات الاقتصادية تصغير الأسر ة والغرف الضيقة.
فالأسرة مؤلفة من الأبوين وولدين آخرين يترعرعان في رخاء ويتمتعان من عناية الأبوين والقسط الوافر مادة ومعنى .
وقد لاحظ أهل التتبع أن الميل إلى تصغير الأسرة في ديار الغرب سار كتفا إلى كتف مع تناقص الأراضي الزراعية، وضيق ميادين العمل أما الناس في عالمنا العربي فما زالت أراضيهم الزراعية متسعة.

والمجتمع الأوربي يختلف عن المجتمع العربي في عاداته وتقاليده اختلافا جذريا ففي المجتمع الأوربي ظاهرة التأخر في الزواج وانتشار الأمراض المعدية ففي كتاب الدكتور (مورو) عنوانه؛ الأمراض الاجتماعية والأسرة يقول: إن 75% من العمليات الجراحية التي تعمل للنساء، و80%من جميع الوفيات الناشئة عن التهابات الخاصة بهن هي مسببة عن العدوى التناسلية و50% من النساء المصابات بالأمراض التناسلية يصبحن عقيمات، وإن معظم الزواج العاقر ليس اختيارًا، بل اضطرارا بسبب الأمراض، وعلاوة على ذلك فالمشروبات الروحية عند كثير من علماء الطب متى استحكمت في الآباء أضعفت النسل وأنقصته يدلنا على ذلك ماقام به الدكتور( هدج) من التجارب التي أجراها على الكلاب، إذ وجد أن 23 جروا نزلت من صلب كلبين أبوين أسقيا الخمر لم يعش منها غير 17% في حين عاش 90%من 45 جرو من أبوين لم يذوقا طعم الراحة ثم إننا لا يهمنا عدد المواليد بقدر ما تهمنا الطاقة على تربيتهم والعناية بهم وقد ثبت أن اشتغال المرأة المتزوجة في المعامل يقلل من هذه العناية ويدعو إلى هلاك الكثير منهم أما البغاء فهو الخطر الآخر على الزواج والأسرة.

ومجتمعات أوروبا لا تحمي المهاجر أو اللاجئ ولا تمنحه فرصة الوقوف بعيدا وخاصة المراهق لقد عانت الجالية العربية واللاجئون في أمريكا وعددهم بالملايين ولاتزال تعاني من أمور عدة بسبب التفكير القالبي السلبي للشرقي، وهكذا يجبر الأمريكيون الشرقيين على الاستهزاء من أسلافهم وأوطانهم السابقة، ولهذا يتجنب البعض ذكر تراثه العربي مثلا وينسب نفسه إلى المنطقة الجغرافية التي نزح منها أو الطائفة الدينية التي ينتمي إليها كذلك وفي محاولته للانصهار الكلي في المجتمع الأمريكي غيّر البعض اسمه إلى اسم آخر له نبرة أوروبية في الأذن مثلا غيّر من حداد إلى سميث.

إن مثل هذا أضاف بالطبع إلى شرذمة الجالية الشرقية الأمريكية وتشتيتها جماعات على أساس الدين أو بلد المنشأ ويجري في وسائل الإعلام وخاصة التلفاز السخرية من العرب فيجدون الصعوبة في الاستمتاع بمشاهدة التلفاز أو الذهاب للنوادي الليلية أو دور السينما لخشيتهم من سماع ملاحظات معادية ونابية موجهة إلى شعوبهم عدا ذلك فهناك التمييز العنصري في فرص العمل نتيجة المواقف السياسية للأمريكان تجاه العرب.
وهكذا هو المجتمع الأوروبي والأمريكي يجبر المهاجر أو اللاجئ الانسلاخ من دينه وعرضه وتفكيره السابق وارتباطه في الارض التي ينتمي اليها.

المصادر
1- صورة العرب في عقول الأمريكيين –الدكتور ميخائيل سليمان
2- قضايا حول السكان والتنمية – مصطفى الكفري –وعصام خوري
3- معجم علم الاجتماع – مجموعة مؤلفين

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password