حرب المرأة الكردية ضد داعش – صراع بين الذهنيّة الذكوريّة الداعشيّة والذهنيّة الأنثويّة الكرديّة –

بشرى علي
عضو الهيئة الإدارية في منظمة ريباك

توطئة

سنوات قاسية مرت على شعبنا الكردي، وعلى شعوب المنطقة حصيلة هجمات التنظيم الإرهابي داعش، والمجازر التي نفّذها في كل مكان حَلّ فيه. وعلى الرغم من انكشاف أمر العديد من الدول الإقليمية والدولية في دعمها داعش، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلّا أنّ الكل بات على علم بالتحالف الاستراتيجي القائم بين حكومة رجب طيب أردوغان، وبين هذا التنظيم الإرهابي لدرجة أنّه يمكن اعتبارهما توأماً.

 

وفي السنوات الأخيرة خصوصاً، لم تعد تلك الهجمات والمجازر محصورة بمنطقة الشرق الأوسط، بل باتت ظاهرة تهدد العالم أجمع (مجازر باريس وبروكسل وغيرها نموذجاً). ولعلّ الجرح الغائر الذي خلّفه داعش خلفه، وبات ألَماً قومياً ووطنياً وعالمياً هو “فرمان شنكال” الذي نُفِّذ في الثالث من شهر آب 2014، حيث كانت المرأة والأطفال من أبناء شعبنا الإيزيدي يشكلون الضحية الأولى لذهنية داعش الإرهابي.

 

والأنكى من ذلك أنّ داعش استخدم اسم “الإسلام” –أو لنقل غطاء الإسلام”- لتمرير مآربه وتنفيذ مجازره وتكريس ذاته. لكن، ما من شك في أن الإسلام الحقيقي براء من ذلك. فكلنا نعلم أنّ الصراع بين “الإسلام الثقافي والديمقراطي” الحقيقي وبين “إسلام السلطة والسلطنة” قد بدأ فور وفاة النبي محمد، وقبل دفنه حتى. ومن يومها والصراع قائم بين النهجين، ليتخذ كِلاهما اسم “الإسلام” غطاء له.

 

وإن حاولنا تحليل الأمر بالرجوع إلى التاريخ واستخلاص الدروس منه، فسنجد أن أغلب الصراعات السياسية والسلطوية على مر التاريخ قد اتخذت أشكالاً وأغطية مختلفة لتمرير ذاتها وتكريس أنظمتها. فبينما كان الصراع يتخذ الغطاء “الديني” في العصور الوسطى على اختلاف الأديان، فإنّه التحفَ الطابع “القوموي” في حروب القرن التاسع عشر على سبيل المثال، ليتمخض عن تكريس نموذج “الدولة القومية”، وها هو اليوم يتخذ من “الدين” غطاء له مرة أخرى.

 

من جهة ثانية، فقد بات “انهيار” الدولة القومية حقيقةً ساطعة لمَن يَعتَبر، وشبه حقيقة لمَن لم يستنبط الدروس بعد. وعليه، فإن قوى الحداثة الرأسمالية، التي زرعت مرض “الدولة القومية” في جسد الشرق الأوسط قبل قرنين من الزمن، قامت في بادئ الأمر بتسليط داعش على شعوب المنطقة في محاولة منها لإعادة هيكلة الدول القومية التي انقضى زمانها، وتقسيم ما هو مقسّم للتمكّن من التحكم بشعوب المنطقة وحكّامها انطلاقاً من سياسة “فرّق-تسد” القديمة الجديدة. ولدى الحديث عن “الحداثة الرأسمالية” فإنّ أول ما يخطر بالبال، هو الذهنية الذكورية السلطوية، التي تعتمد على الربح والاحتكار والتسلط في تأسيس نظامها.

 

داعش والذهنية الذكورية العنفية السلطوية

من هنا، بالإمكان القول: إنّ داعش هو الوجه الأكثر شذوذاً وشناعة للنظام الرأسمالي بذهنيته الذكورية السلطوية، وهو أقصى قمة يصلها. ولكنه بنفس الوقت يمثل مرحلة توجُّه هذا النظام نحو الهاوية. ذلك أن بلوغ أي نظام استبدادي وفاشي واستعماري سلطوي إلى أقصى درجات الوحشية، يشكل في الوقت عينه بداية النهاية له. وكل هذه الوحشية الدموية التي لا تعرف رادعاً ولا ضابطاً عند داعش، إنّما هي خير برهان على التوجه السريع نحو الانحدار والزوال.

 

من أهم ظواهر ومظاهر النظام الذكوري السلطوي عموماً والرأسمالي خصوصاً، هو لجوءه إلى شتى أنواع العنف ضد المرأة. فأول عنف استعبادي في التاريخ كان ذاك الذي مارسه الرجل ضد المرأة، والذي أسفر عن ظهور ثنائية “الرجل الحاكم-المرأة العبد”، والتي تحوّلت مع الزمن إلى تناقض محوري تنطلق منه كل الأيديولوجيات الذكورية السلطوية وتعتمد عليه في بناء نظامها، ولتتسبَّب من خلالها بالتصدعات الغائرة في نسيج المجتمعات، فتؤدي في النهاية إلى تفشي “السرطنة الاجتماعية” وبدء انتشار “الغرغرينا” القاتلة في جسد المجتمعات.

 

وانطلاقاً من استعباد المرأة بدأت “ثقافة العنف” بتأسيس ذاتها وتعميمها على المجتمع برمته. بالتالي، فالعنف المسلط على المرأة هو ثقافة المدنية الذكورية السلطوية المعمرة منذ خمسة آلاف سنة. والمجتمع الذي يتفشى فيه استعباد المرأة، هو مجتمع مفتقد لطبيعته الأصيلة المتسمة بالمساواة والحرية في علاقاته الاجتماعية، ومنحرف عن مساره وشاذ عن حقائقه، بحيث يغدو شاهداً على ظواهر الحط من شأن المرأة وإقصائها من كافة مناحي الحياة، لتَكون هذه بداية النهاية لظاهرة “مجتمعية” المجتمع وتشتيته و”تذريره” (تحويله إلى ذرّات). ذلك أنه كلما أُقصِيَت المرأة من الحياة، كلما فقدت الحياة معانيها، وأضاعت حقائقها الأصيلة وتحولت إلى صحراء مجدبة.

بمعنى آخر، فإذا تحولت ظاهرة العنف إلى حالة شرعية في مجتمع ما، فإن هذا المجتمع يصبح مريضاً حتماً. بل إنه مجتمع ميت. وهكذا، فإن المدنية الذكورية السلطوية قد قتلت المجتمع من خلال قتلها للمرأة. فالعبودية هي أشنع أشكال الموت. ذلك أن عملية التنفس لوحدها ليست كافية للدلالة على الحياة بالنسبة لكائن حي معجزوي كالإنسان. بل ما يلزم للدلالة على الحياة هو الحرية.

 

لكن داعش بصفته الوجه المقزز على الإطلاق للسلطة والذهنية الذكورية، لا يقتل المرأة فقط، بل وينفذ حرب إبادة شاملة عليها، من خلال اغتصابها وسبيها وبيعها في أسواق النخاسة وقتلها وتجريدها من كينونتها كلياً وتسليعها وتشييئها. وبإصداره الفتاوى الأكثر رجعية بحق المرأة في كل مكان حلَّ فيه، قد غذّى ثقافة العنف الوحشية هذه، وحاول تحويلها إلى نظام قائم بذاته. ولعل أشنع مثال على ذلك هو ما يسمى “جهاد النكاح” أو “نكاح الجهاد”، والذي تحولت فيه المرأة إلى أداة جنسية بامتياز لإشباع نزوات الرجل، ولكن بأكثر الأشكال تخلفاً، وكأنه الوجه الثاني للحداثة الرأسمالية التي حوّلت المرأة أيضاً إلى أداة جنسية بامتياز تحت اسم الحرية الجنسية.

 

ونظرة خاطفة على أحداث السنوات الدموية التي نشهدها تكفي للتأكيد على أن الهدف الأول لداعش هو المرأة، كاستمرار لكل الأنظمة التي شهدتها البشرية على مر تاريخها، والتي تعلم علم اليقين أن الطريق إلى التحكم بأي مجتمع كان، يمر من التحكم بالمرأة. بالتالي، فإن العنف الوحشي المطبق بحق المرأة في عهد داعش وحليفه التوأم العثماني قد وصل ذروته. فمئات الآلاف قضوا في العراق وسوريا على مرأى من العالم أجمع، بالإضافة إلى ظواهر الاعتداء والاغتصاب والسبي التي طالت النساء بنحو غير مسبوق إطلاقاً، حيث افتُتحت العديد من أسواق النخاسة التي يبيع فيها داعش النساء بأبخس الأثمان، إيزيديات كنّ أم مسيحيات أم شيعيات أم علَويات أم غير ذلك. هذا عدا ظاهرة التهجير التي باتت عالمية بامتياز، والتي تعد المرأة الضحية الأولى لها، والتي تستهدف وضع الديناميت تحت ظاهرة المجتمع التاريخية والحيوية من خلال استهداف المرأة، كي يبقى ما يمكن تسميته “الحشد البشري الغفير” أو “الرعاع المنصاعين” من أشباه بشر تائهين أقرب ما يكون إلى أموات منتصبين على أقدامهم.

 

المرأة الكردية والذهنية الأنثوية

في الحين الذي ارتجفت فيه أوصال أعتى الجيوش النظامية المعروفة في المنطقة، وخصوصاً في سوريا والعراق، تجاه هجمات داعش، فانسحبت دون قتال، أو بعد اشتباكات قصيرة لم تتعدَّ الساعات؛ فإن المقاومة الكردية عموماً ومقاومة المرأة الكردية خصوصاً قد سطّرت أسمى آيات البطولة في حربها ضد داعش، حتى استطاع العالم اليوم الحديث عن بدء “نهاية داعش”. وهذا ما جعل المرأة الكردية تتحول إلى رمز إقليمي وعالمي في حربها الباسلة ضد داعش الظلامي، وخاصة بعد ملحمة “كوباني” التي تحولت إلى قِبلة لكل المتعطشين إلى الحياة الحرة.

 

ما الذي جعل المرأة الكردية دون غيرها تتمكن من التصدّي لداعش؟ للأمر خلفية تاريخية وثقافية ومجتمعية وسياسية متشعبة ومهمة للغاية. خاصة وأن المرأة الكردية في عموم كردستان، وبالأخص في روجآفا وباكور، قد تسلحت بالوعي البرّاق العامر بروح الحرية، وخاضت نضالاً دؤوباً لنيل حقوقها كأنثى وككردية. وتعود تجربتها هذه إلى عقود طويلة مليئة بالمشقات والمصاعب والمغامرات. حيث لم تقتصر على امتشاق السلاح لمحاربة الأعداء (الدولة التركية ومن ثمّة داعش). بل ونظّمت صفوفها في كافة مجالات الحياة على أساس الدفاع الذاتي، وقامت بالتالي بتنظيم شؤون المجتمع على كافة المستويات والأصعدة، لتتحول مؤخراً عبر نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية المتمحور حول حرية المرأة إلى حلقة من نار متوهجة تحرق كل مَن تسوّل له نفسه الهجوم على المجتمع متمثلاً في إرادتها وهويتها.

 

ولعله من الضروري الإشارة هنا إلى فلسفة قائد نظام الكونفدرالية الديمقراطية “عبد الله أوجالان” وما أدته من دور كبير ومحوري في توعية المرأة الكردية وتعبئتها وتحصينها بالإرادة الذاتية والهوية الذاتية الأنثوية الأصيلة. فالقائد عبد الله أوجالان اعتَبَر حرية المرأة بأنها أمّ القضايا جميعها، وأنّه من دون المقاربة الاستراتيجية والجذرية منها، لا يمكن صياغة أي حل جذري لأية قضية أخرى. وبناء على هذه الفلسفة الجذرية وهذا النهج الذي يُعتَبَر بديلاً مضاداً للذهنية الذكورية السلطوية، استطاعت المرأة الكردية خطو خطواتها السديدة على درب حريتها، لتخوض نضالاً عتيداً في صفوف حركة الحرية الكردستانية، ولتُسطّر تاريخها المعاصر ضمن صفوف حركة حرية المرأة الكردستانية، فتؤسس تنظيماتها الخاصة بها من جهة، وتُعلن عن حزبها النسائي الخاص بها، وتشكل قواتها العسكرية الخاصة بها، وتنخرط في الأنشطة المعنية بكافة مجالات الحياة بلونها هي وبهويتها هي، إلى أن وصلت إلى ما وصلته من مستوى راقٍ في النشاط، والذي يتمثل في نظام “الرئاسة المشتركة” الذي يُعَدّ أعلى مستويات المشاركة النسائية الفعالة وبنحو لا نظير له في أية دولة تدّعي تحليها بحرية المرأة. كما تتجسّد ذروة أطروحات القائد عبد الله أوجالان في نظرية “الأمة الديمقراطية” التي ترى النور على أرض الواقع في روجآفا وشمال سوريا، والتي تتحول إلى جسد ملموس عبر نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية كتعبير شفاف عن “التعايش المشترك” بين الشعوب والشرائح والأثنيات.

 

هكذا، وبعد أن كان داعش مصدر ذعر وكابوساً يقطع الأنفاس، فإن المرأة الكردية قد قلبت الآية رأساً على عقب، وباتت كابوساً يطارد داعش أينما حل، عبر الضربات القاضية التي ألحقتها به. لكن ذعر داعش من المرأة لَم ينقذه من مواجهة مصيره الذي ينتظره بتكبد الهزيمة تلو الأخرى. فالعداء السافر الذي يُبديه داعش ضد الكرد والمرأة والديمقراطية، هو نفسه السبب الذي جعله كمَن يحفر قبره بيديه. وهكذا، فقد أصبحت المرأة الكردية قوة رائدة وطليعة نموذجية في الحرب ضد داعش، تهتدي بها النساء من مختلف الشعوب والمكونات والأثنيات في سوريا والمنطقة والعالم أجمع، بل وتتخذها نموذجاً لها لدى تأسيس قواتها وتنظيم ذاتها كقوى ثورية ديمقراطية، وتعمل على دراسة تجربتها والتمعن في حالتها ونظامها لمعرفة كيفية ترسيخ المساواة والديمقراطية والعدالة والأمن والاستقرار.

 

مقارنة

لقد ذكرنا أنّ الصراع القائم الآن هو ما بين نهجين؛ أولهما هو نهج الحداثة الرأسمالية المتمحور حول النظرة الدولتية، متجسداً في وجهها الأشنع على الإطلاق “داعش” الذي يمثل ذروة الذهنية الذكورية السلطوية الرأسمالية. وثانيهما هو نهج الأمة الديمقراطية المتمحورة حول حرية المرأة، متجسداً في “فيدرالية شمال سوريا الديمقراطية” و”نظام الرئاسة المشتركة” كأقصى درجات الذهنية الأنثوية المجتمعية الأصيلة. لِنَقم بترتيب أوجه الخلاف الجذرية بين النهجين من جديد بناء على المقارنة بينهما. ولنتَّخذ من “داعش” كممثل للذهنية الذكورية ومن مقاومة “المرأة الكردية” كممثل للذهنية الأنثوية:

 

  • 1- يرتكز داعش إلى الفكر السلطوي من خلال إطلاقه شعار؛ “بناء دولة الخلافة” في مفارقة كبرى تتمثل في تكريس سلطوية الدين وتسييسه من جهة، وفي الرجوع بالبشرية مئات السنين إلى الوراء من جهة أخرى. بينما ترتكز المرأة الكردية إلى التشبث بالثقافة المجتمعية الديمقراطية العريقة، التي شهدتها البشرية في فجر التاريخ في ميزوبوتاميا، والتي منها انطلقت نحو أرجاء العالم لتنشر اكتشافاتها واختراعاتها “العلمية” المجتمعية الأولى.
  • 2- يهدف داعش إلى تشتيت المجتمع وتذريره من خلال تشييء المرأة وتسليعها والقضاء على كل ما يعبّر عن إرادتها وفكرها وهويتها. بينما ترتكز المرأة الكردية إلى تحرير جميع النساء وإلى تسليحهن بالرؤية الأنثوية التي تمَكّنهن من أداء دورهن الريادي لحل جميع قضايا المرأة والقضايا المجتمعية العامة العالقة على السواء.
  • 3- يهدف داعش إلى تحويل المرأة إلى أداة جنسية بامتياز مقابل تحويل الرجل إلى “إله” صغير يتحكم بمصير المرأة كلياً. مع العلم أن هذا “الإله” الذي يتعامل مع “الأداة الشيء” لا يمكن إلا أن يكون عبداً منحطاً وسافلاً بكل معنى الكلمة. بينما تهدف المرأة الكردية إلى السمو بشأن المرأة وتوعيتها وإبراز هويتها وإرادتها الذاتية انطلاقاً من مبدأ “الدفاع الذاتي” المحوري.
  • 4- يهدف داعش إلى نسف كل مكتسبات المرأة وإلى تكريس النظام الذكوري وتعميمه على كافة مجالات الحياة، وإلى إقصاء المرأة من الحياة كلياً. بينما تهدف المرأة الكردية إلى إنعاش النظام الأمومي الذي شهدته ميزوبوتاميا، وإلى تحديثه من خلال دمجه مع مكتسبات المرأة عبر التاريخ، ومن خلال إعادة تعريف كل المصطلحات المعنية بالحياة من وجهة نظر أنثوية عريقة متجسدةً في “الجينولوجيا-علم المرأة”.
  • 5- يهدف داعش إلى تكريس اللون الواحد “الرمادي القاتم أو لِنَقُل الأسود الحالك” على المجتمع من خلال قتل المرأة ونسف جميع الهويات الثقافية والمجتمعية والدينية التعددية والمتنوعة. بينما تهدف المرأة الكردية إلى حماية التعددية والتنوع والاختلاف في المجتمع، لأنها تَعتبرها مصدر غنى المجتمع والمجرى الذي بإمكان البشرية أن تتنفس الصعداء من خلاله كلوحة فسيفسائية جذابة.
  • 6- انطلاقاً مما عُرف عن داعش من عمليات نهب وسلب وسطو، بالإمكان الجزم بأن الربح و”المال السيد” يُعَدّ إلهاً يَعبده دون سواه، وبموجب ذلك يحدد أهدافه ويصوغ استراتيجيته وتكتيكاته. بينما ترتكز المرأة الكردية على ثقافة “الإلهة الأم” المرتبطة بالأرض وبالزراعة، والتي بفضلها توجّهت البشرية نحو الاستقرار فشهدت ثورة الكتابة والثورة الزراعية النيوليتية كأعظم ثورتَين نسائيتَين في محورهما، وما تزال البشرية تقتات عليهما حتى الآن في تطورها.
  • 7- يهدف داعش إلى تكريس الاستبداد والديكتاتورية والاستغلال من خلال نشر وتكريس ثقافة العبودية في المجتمع. بينما تهدف المرأة الكردية إلى تكريس المساواة ضمن الاختلاف، وإلى نشر العدالة الاجتماعية وتمكين التعايش المشترك بين الشعوب والتسلح بثقافة التسامح والتصالح كمعايير هامة في توطيد ثقافة الحرية المجتمعية والديمقراطية الحقيقية.

 

خلاصة

بهذه الذهنية العصرية والراقية تغلبت المرأة المناضلة على داعش ومَن دعمه أو عوَّل عليه، عبر مقاومات باسلة تحولت إلى ملاحم بكلّ معنى الكلمة، لتؤسس لحياة تشاركية حرّة ضمن إطار نظام مجتمعي ديمقراطي تعدّدي. ولأجل ذلك تحولت مقاومة المرأة الكردية وقتالها ضد داعش إلى شمعة تنير الطريق لكل نساء وشعوب المنطقة خصوصاً والعالم عموماً، وتُنعش لديهن عشق النضال الدؤوب في سبيل الحرية والكرامة والإباء. ولعلّ خير مثال على ذلك هو المشاركة الفعالة للنساء من الشعوب العربية والتركية ومن مختلف شعوب أوروبا في الحرب ضد داعش تحت سقف وحدات حماية المرأة YPJ، بحيث تودّ كل واحدة منهن أن تحتل مكانها في الصفوف الأمامية من القتال للأخذ بثأر شقيقاتها المسبيات أو المقتولات، ولإدراكها تماماً أن حريتها تكمن في القضاء على هذه الذهنية المقززة. أي، لإدراكها تماماً أن النضال ضد الذهنية الذكورية الشنيعة متجسّدة في داعش الظلامي إنّما يمثّل “حرب الوجود أو اللاوجود”.

 

ولأجل ذلك نجد أن الكثير من المنظمات النسائية ترغب في عقد العلاقة بل والتحالف مع حركة حرية المرأة الكردستانية، في إشارة واضحة إلى مدى تأثير نضال المرأة الكردية المنظمة بانضباط وطيد على النساء من مختلف الشعوب. وهكذا بدأت المرأة الآشورية والسريانية في روجآفا تؤسس وحداتها القتالية الخاصة بها وبهويتها الذاتية. كما أنّه ولأول مرة تنظم المرأة الإيزيدية في شنكال صفوفها، وتؤسس وحداتها الدفاعية الخاصة بها، انتقاماً لذاتها ولإرثها العريق. كما أنّه هناك قوات نسائية من مختلف الشعوب الأوروبية تقوم بدراسة هذه التجربة والمشاركة فيها في نفس الوقت من أجل توعية ذاتها، والتجهيز لأداء دور محوري في تمكين التحول الديمقراطي في مجتمعاتها وبين صفوف شعوبها.

 

فقد أثبتت المرأة الكردية أنّ المرأة المنظمة تشكل قوة عاتية لا يمكن لأحد التغلب عليها، وأنّ أفضل سبيل للكفاح ضد العنف المنظم ضد المرأة، هو اعتماد المرأة على قوتها الذاتية وإرادتها الذاتية وهويتها الذاتية، وتنظيم وإدارة شؤونها بنفسها في كافة مجالات الحياة، الاجتماعية منها والسياسية، الاقتصادية منها والثقافية والفنية والتعليمية والتربوية والصحية، بل وحتى مجال الدفاع المشروع والأمن. وأن تقوم بكل ذلك انطلاقاً من مبدأ الدفاع الذاتي الشامل، والذي يعدّ من أهم الحقوق العالمية الأصيلة للإنسان، بل ولكل كائن حي.

 

وعليه، فإن المرأة الكردية هي ضمان الديمقراطية والحرية، ليس في روجآفا وسوريا فقط، بل وعلى صعيد المنطقة جمعاء. فهي القوة النافذة والأكثر دينامية وتعبئة ووعياً وتنظيماً، والمخولة لتطوير وتكريس نهضة الشرق الأوسط. وعليه، فهي مؤهلة لريادة المنطقة على هذا الصعيد ومن ناحية تمكين التحول الديمقراطي، ووضع الحد النهائي لكافة أشكال العنف المسلط على المرأة أيضاً، كشرط حتمي لبناء وتأسيس النظام الديمقراطي والمجتمع الحر. وهذه هي المهمة الأصعب على الإطلاق في خضمّ الحرب العالمية الثالثة، وما يتمخّض عنها من فوضى عمياء. لكنها في نفس الوقت المهمة التي بإمكانها فقط دوناً عن غيرها أن تصل بالبلاد وبالبشرية إلى بر الأمان حيث يستتب السلام والاستقرار والرفاه بين الشعوب وضمن المجتمعات.

 

أخيراً وليس آخراً، ثمة نهضة نسائية عظيمة نشهدها حالياً. إذ يتطور التعاضد والتضامن والتكافل النسائي في المنطقة بدرجة غير مسبوقة. وإن دلّت كل هذه الأمور على شيء، فإنها تدل على أن هذا القرن سيكون قرن حرية المرأة، وأن الأراضي التي شهدت في فجر تاريخ البشرية ثورتها النسائية الأولى (الثورة النيوليتية الزراعية)، إنما تغدو شاهد عيان للمرة الثانية على تكوّن البدايات التاريخية لتأسيس الثورة النسائية الثانية. فكم نحن محظوظات!

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password