عن نصرة فلسطين.. نسمع جعجعة ولا نرى طحناً

لزكين إبراهيم

لا يخفى أنّ شعوب الشرق الأوسط “العربية والإسلامية ” شديدة الحساسية تجاه قضاياها القومية وعاطفية تجاه انتماءاتها الدينية والمذهبية، وهاتان الخصلتان تعتبران نقاط الضعف لدى هذه الشعوب والتي يتم استغلالها بدهاء من قبل الأنظمة السلطوية والحكومات الديكتاتورية المتسلطة على رقاب هذه الشعوب وتستخدمها لضمان بقائها على الحكم بخداع الشعوب عن طريق اللعب على وترَي القومية والدين بعد أن أشبعت شعوبها من الشعارات العنصرية والفتاوى الراديكالية.

وكي تستطيع هذه الأنظمة السلطوية تمرير خدعتها لابد من إيجاد عدوٍّ مفترض يهدّد بها كيانات شعوبها، وهنا تخرج الحكومة الاستبدادية لتظهر نفسها المدافع عن وجود الشعب ضد التهديد الخارجي لذلك العدو.

ووجدت تلك الأنظمة العربية والإسلامية  في منطقة الشرق الأوسط ضالتها في وجود إسرائيل  لاتخاذها شبحاً يرهبون بها شعوبهم، مستفيدين من اختلاف إسرائيل  عن شعوب المنطقة من الناحية القومية والدينية، ليحشدوا بذلك الشعور الجمعي لدى الشعوب العربية والإسلامية  للنظر إلى إسرائيل  على أنها التهديد المباشر لقضاياهم القومية وانتماءاتهم الدينية، متخذين من القضية الفلسطينية تجارة رابحة لاستعطاف الشعوب وضمان تمسكها بأنظمتها على أساس أنها صمام الأمان لحمايتها من الغول الإسرائيلي.

وبالمقابل فإن إسرائيل  نفسها وجدت ضالتها في تلك الأنظمة المستميتة على السلطة، فتسرب الموساد الإسرائيل ي في عروق كافة هذه الأنظمة، واتفقت معهم بشكل غير معلن أنها ستضمن لهم البقاء على عروش ديكتاتورياتهم مقابل ضمان كبح جماح شعوبهم وحماية حدود ومصالح إسرائيل  في المنطقة، ولا مشكلة لدى إسرائيل  في ترديد زعماء وأنظمة تلك الدول الشعارات والتهديدات المعادية لإسرائيل  مادامت لا تقترن بالفعل.

ولو استحضرنا من الذاكرة بعض أمثلة الأنظمة العربية والإسلامية  التي أدعت معاداتها لإسرائيل، ولم تفعل شيئاً سوى الجعجعة الفارغة، والتي لا نرى لها طحناً في نصرة الشعب الفلسطيني، سندرك أنه لا يمكن لهذه الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط فعل شيء من أجل فلسطين وكل خطاباتها العاطفية هي لتحقيق مكاسب لنفسها وإيهام الشعوب أنها الحصن المنيع في وجه تهديدات العدو الإسرائيلي.

فمثلاً كانت العراق في عهد صدام حسين تعتبر نفسها القيادية للعالم العربي والمدافع الأول عن القضية الفلسطينية وكان صدام يهدد في كل مناسبة بأنه سيقصف إسرائيل  ويزيلها من الخريطة، ولكن حتى عندما حانت ساعة الصفر وأدرك قرب أجله أثناء الهجوم الأمريكي على العراق لم يطلق رصاصة باتجاه إسرائيل ، فيما لم يترك دولة جارة للعراق من شر معاركه بدءاً من غزو الكويت والخليج ومعاركه مع إيران والكرد في شمال العراق وارتكاب الكثير من المجازر بحق شعوب المنطقة سواء العربية والإسلامية ، فيما لم يُجرح اصبع جندي إسرائيل ي في عهده. ما يدل أنه كان يستخدم الملف الفلسطيني كباقي الأنظمة الديكتاتورية لكسب التعاطف العربي والاسلامي وضمان البقاء في السلطة وإظهار نفسه “بطل” العرب بشعارات خلبيه.

وعلى نفس المنوال سار النظام البعثي في سوريا منذ استلامه الحكم الذي اتبع نفس السياسة، واتخاذ شعار “المقاومة والممانعة ومعاداة إسرائيل ” قناعاً لإظهار نفسه “قلب العروبة النابض” المدافع عن القضايا العربية وعلى رأسها الفلسطينية، وطيلة 6 عقود من حكمها نهبت كافة مقدرات سوريا وحرمت الشعب من خيرات بلادها مدعية أنها خصصت الغالبية من ميزانية الدولة لدعم الجيش والقوات المسلحة لحماية الشعب السوري وحدوده من العدو الإسرائيلي “الغاشم” ودعم “المقاومة الفلسطينية”، لكنّ كلّ الأسلحة والذخائر التي اشتراها النظام طيلة عقود بأموال الشعب انهالت بها كلها على رؤوس الشعب السوري بمجرد أن خرجوا مطالبين بالحرية، فيما لم تستخدم طلقة لنصرة القضية الفلسطينية أو الدفاع عن الشعب كما كان يدعي.

أما حكام دول الخليج العربي والسعودية فحدث ولا حرج، فهؤلاء يمكن اعتبارهم من أكبر المستفيدين من وجود إسرائيل، لأنهم مشغولون بمواجهة الخطر الشيعي الإيراني وامتداد نفوذه في المنطقة، والتي يعتبرونها خطراً على عروشهم، وبما أن إسرائيل ترى في التمدد الإيراني خطراً عليها أيضاً لذا تلاقت مصلحة الطرفين على عدو مشترك، لذا لا ترى دول الخليج والسعودية فائدة من معاداة إسرائيل، بل العكس صحيح. وعليه تضمن إسرائيل حماية عروشهم وبالمقابل تمتص نفطهم وتستخدم دولهم سوقاً تجارية لبضائعها، وبالأموال العربية تزيد إسرائيل قوتها العسكرية والتكنولوجية في مواجه أي خطر قد يهددهم، بينما تدفع تلك الأنظمة العربية كل شيء مقابل البقاء في السلطة! فهي أهم عندهم من ألف فلسطين.

أما إيران التي تحمل شعار “الموت لإسرائيل  والموت لأمريكا” فهي تتبع أخبث سياسة على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط وأكثر من تستغل القضية الفلسطينية لتمرير نفوذها في المنطقة بهدف تحقيق حلمها المتمثل “بالهلال الشيعي” الممتد من إيران إلى لبنان، فسياساتها هذه كانت السبب في تفكك لبنان وعدم استقرارها حتى الآن، والسبب في بث الفتن الطائفية في سوريا والعراق، وتتخذ من ادعاء محاربتها لإسرائيل  وسيلة لتقوية الميليشيات والأجندات المرتبطة بها في منطقة الشرق الأوسط ومدها بكافة أنواع الدعم وعلى رأسها الأسلحة، ليس لمحاربة إسرائيل  بها، بل التمهيد لتحقيق حلم الهلال الشيعي ومواجهة أي دولة عربية أو إسلامية  سنية تقف بوجه مشروعها هذا.

ولم يعد خافيا أن إيران، التي طالما استطاعت أن تستخدم فكرة العداء لإسرائيل، من أجل اختراق الدول العربية، ومحاولاتها الحثيثة لعسكرة المجتمعات على حساب مشروعها، باتت اليوم إزاء حالة العداء التي تواجهها في العالم العربي وفي محيطها الإسلامي، لذا نراها تسعى لتثبيت لغة التهدئة مع إسرائيل، بل هي تندفع إلى محاولة إغراء إسرائيل بتأمين المزيد من شروط الاستقرار على حدودها اللبنانية والسورية، في مقابل مثابرة إسرائيل على منع سقوط نظام بشار الأسد.

ومن أكثر ما يثير السخرية من بين من يدعون معاداة إسرائيل ونصرة القضية الفلسطينية كذباً وبهتاناً هي الدولة التركية، فالخطب والشعارات التركية الخاوية ضد إسرائيل مكرّسة أيضا ضمن محاولات تركية المستمرة بقصد استعطاف العرب، ومما يجعل من الأسلوب التركي في استغلال القضية الفلسطينية رخيصا للغاية، أن بكائيات أردوغان ووسائل إعلامه تتصنّع التعاطف مع الشعب الفلسطيني، بينما تشير الأرقام إلى أن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل تجاوز 4 مليارات دولار العام الماضي.

فتركيا تستعد لخوض انتخابات مبكّرة أواخر الشهر القادم، وسوف يكون أردوغان بحاجة لاستعادة أصوات المعارضين له، وكلما انسدت الآفاق الداخلية في وجه أردوغان، فإنه يلجأ لاستنهاض الروح القومية التركية تارة والإسلامية  تارة أخرى، باختراع تهديدات داخلية أو على الحدود، كما فعل في عفرين، فيما وجد أردوغان في حدث نقل السفارة مبرّرا ملائما لإعادة توظيف واستغلال الموضوع الفلسطيني مرة أخرى. رغم أن مستوى العلاقة بين تركيا وإسرائيل لم يتأثر بشكل يهدّد درجات التعاون التي لم تنقطع يومًا بين الطرفين، مما يعني أن المواقف المعلنة من قبل نظام أردوغان مخصّصة لذر الرماد على العيون.

 وتأكيدًا على انتهازية وازدواجية خطاب أردوغان ومتاجرته المتكررة بالقضية الفلسطينية، نلاحظ أن خطوته المسرحية الأخيرة المتمثّلة بطرد السفير الإسرائيل ي، لم تبلغ مرحلة التصويت في البرلمان على إلغاء الاتفاقيات التركية مع إسرائيل. ورغم النبرة العدائية العالية التي اتبعها أردوغان مؤخراً إلا أن حكومته لم تمس أي بند من مجالات التعاون مع إسرائيل، وفي مقدمتها المجال العسكري. وتاريخياً تأسست العلاقات بين تركيا وإسرائيل منذ شهر مارس 1949، أي بعد مرور عام واحد فقط على نكبة فلسطين والإعلان عن قيام دولة الاحتلال. ومنذ أن اعترفت بها تركيا في ذلك الوقت، أصبحت إسرائيل هي المورد الرئيسي للسلاح إلى تركيا.

خلاصة القول إننا نرى كل من ذكرناهم وغيرهم ما لا يحصون من دول الشرق الأوسط العربي والاسلامي يشتركون في الادعاء بمعاداة إسرائيل والتمسك بالقضية الفلسطينية والدفاع عنها، ولا يوفرون مناسبة ليخرجوا إلى الناس بترديد شعارات التهديد والوعيد لإسرائيل والتباكي على فلسطين، وعملياً لم نرى منهم قولاً مقروناً بفعل، فكل هذه الأنظمة تمتاز بأنها تمارس الديكتاتوري بحق شعوبها، فكيف لأنظمة لا تقبل بحرية شعبها ضمن جغرافية دولتها أن تناضل من أجل حرية شعب تعرض لاحتلال من قبل دولة كإسرائيل؟

فالعلة الاساسية لاستمرار معاناة فلسطين أن كافة الأنظمة العربية والإسلامية المدعية أنها تتعاطف مع قضيتها، لا يهمها من الأمر سوى بقائها في السلطة حتى رؤساء الأحزاب السياسية الفلسطينية لم يسلموا من داء حب السلطة، لذا لا نتوقع من كل أولئك البكائين سوى جعجعات كطواحين بلا طحن، ولن نشهد دعماً عملياً لفلسطين مالم تتغير كل تلك الأنظمة الديكتاتورية السلطوية في الشرق الأوسط ونيل شعوبها الحرية وتطبيق أنظمة حكم ديمقراطية.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password