لمحة بسيطة عن التركمان

جاسم الهويدي العبيد

التركمان من أكبر الشعوب الطورانية, وهم بدو الأتراك يختلفون عن الأتراك بعاداتهم وتقاليدهم وأشكالهم لأنهم في الأصل هم أهل ضرع وخيام يرحلون وينزلون ويحلون في أماكن مختلفة .أوطانهم الأصلية آسيا الوسطى حول نهر جيحون وبحر خوارزم . دخلوا في الدين الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري ,وصاروا يدعون تركمان .في حين كانوا يسمون بالغز والأوغوز وهاجروا منذ ذلك الوقت نحو البلاد المجاورة لهم , فاستوطنوا بلاد الشام والعراق وغربي إيران وفي أذربيجان وطبرستان .ويتصفون بصدقهم وبأسهم وهم أهل حرب ومراس وشجاعة .

هرعوا للتجنيد في جيوش الخلفاء , وبرزوا في طاعتهم وجلادتهم وأبلوا بلاءاً حسناً في جميع الحروب التي خاضوها .

وانتظموا تحت قيادات السلاطين السلجوقيين والأتابكة والأيوبيين وسلاطين المماليك .

والتركمان في بلادهم الآسيوية مثل الأكراد والأعراب ينقسمون إلى عشائر مختلفة وأشهرها وأكبرها (تكة وآليلي ويوميد وآساري وآفشار )وقد تحضر قسم منهم بعد هجرتهم واستقرارهم وتوزعهم في كثير من بلاد الدنيا .

استوطن التركمان في سورية في الجولان في عين عائشة ورزانية  وضابية وأحمدية وحسينية وحفر وعين السمسم وكفرنفاخ في القطاع الأوسط وقادرية وعليقة وسنديانة ومغير وفي حوران في قرى براق وفي الأردن في جرش قرية الرمان وعيون الحمر في عمان وفي حماة في ناحية الحميري وعقرب وطلف . وفي اللاذقية  في قضاء مصياف في قرى (حرمل وحوير وبيت ناطر) والباير والبسيط وبرج إسلام والصليب وكبلية وسراري وكبرى وجقورجاق وقولجوق وكبير وشمر وران وقبقلية ويامادية وكشيش وبدروسية وفاقي حسن وعيسى بكلي وبوزاوغلان. وفي ديرالزور وفي دمشق وغوطتها في قرية قلدون .

وفي الرقة وتل أبيض ولايزال من ذراري هؤلاء زرافات بادية .

ويرحلون وينزلون في براري ومراعي حلب في مناطق جرابلس ومنبج والباب وأعزاز كاق طاش وبكمشلي وتليلة وحاجي كوسا وخليصة وطاشي هيوك وهواهيوك وقنطرة وكربيجلي وميرخان وميرزا شهيد وجوبان بك  والبعض منهم تحضر وسكن المدن , وفي العراق في بغداد والموصل وكركوك مازالوا محتفظين بتركمانيتهم حتى أن ملامحهم ولغاتهم تختلف عما لدى الأناضول عامة واسطنبول خاصة وقبل 500 عام مرت, جرت معركة بين قبيلة زبيد والمرا من قبيلة طي في منطقة الروضة بين الحسكة وديرالزور انكسر فيها المرا وفروا إلى مناطق كركوك واختلطوا مع التركمان هناك وشكلوا عشيرة حديثة العهد هي البيات  . وفي لبنان في قضاء عكار في قرى دوسة وكواشرة وعيدمون وجديدة. وفي حمص في قرى برج قعيا وقزحل وأم القصب ومرج القطا والزيبق وخربة التين محمود وخرخر والدار الكبيرة غرب حمص .

فرؤوسهم مدورة ووجوههم عريضة ووجناتهم بارزة وعيونهم ضيقة وأنوفهم فطس وشفاههم غليظة وسحنهم صفراء سمراء وشعورهم سود ولحاهم فرقة .

والتركمان ذوو سجايا وأوصاف خاصة أبرزها طول القامة وصحة البدن وسذاجة الفكر وشدة البأس والجلد والصبر على الشدائد .   كانوا فيما مضى يسكنون الخيم التي تدعى (خركاه )وهي تختلف عن بيت الشعر العربي فخيمتهم مدورة أو مربعة مسقوفة باللباد أو الحصير ورجالهم يحترمون النساء ويوقرونهن وكثيرات منهن صاحبات حكمة ويمنحونهن الحرية التامة ولا يتحاشين مكالمة الرجال الغرباء أو السلام عليهم وهن نشيطات عاملات سابقاً بالغزل والصوف ونسج السجاد والبسط وإنهن ربات بيوت من الطراز الأول .

ومن صفات التركمان أنهم متأخرون جداً في مضمار الدراية والثقافة والنباهة.

جاء التركمان إلى بلاد الشام قبل حروب العثمانيين بعدة قرون في عهد الدولة الأتابكية والنورية والصلاحية فقد سير عماد الدين زنكي طائفة منهم إلى الشام وأسكنهم في ولاية حلب كذلك نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي أسكن قسم منهم في ساحل الشام وكذلك عمل الظاهر بيبرس ومازالوا في الاسكندرونة والباب وجرابلس .أما تركمان حماة وحمص والجولان واللاذقية فقد جاؤوا في القرن العاشر والحادي عشر . ويتميز تركمان حلب أنهم انسجموا مع السكان الآخرين أيما انسجام في العادات والتقاليد والأفراح والأتراح واللباس فقد لبسوا القمباز والعكال والكوفية بحيث أصبحوا لا يميزون عن الآخرين .

وهم أناس على الفطرة بسطاء ذوو شأن وصابرون على الشدة والبأس وهم في صلات حسنة وممتازة مع جيرانهم أينما حلوا وحيثما رحلوا وتجدهم في الزراعة والحرث والضرع ونساؤهم عاملات نشيطات وجميلات في التكوين والخلقة وهن نظيفات في المسكن والملبس .

ويعملون في صناعة حياكة السجاد والبسط وغيرها وتدر عليهم أرباحاً وافرةً يعيشون منها ,وكان السجاد التركماني لا يفقد شيئاً من رونقه ومتانته ولونه بل يضاهي المخمل .أما تركمان أقضية حلب فبقوا على ما هم عليه فهم مزارعون في قراهم التي قسم كبير منها من أملاك الدولة وقسم لملاكين من حلب مثل آل المدرس والجابري والرفاعي والنبكي وتمتد قراهم من نهر الساجور حتى جبل الأكراد في عرض عميق ويرأسهم نعسان اّغا محمد مصطفى المقيم في قرية بلوة .

أما تركمان الجولان فهم يعتنون بالحيوان والماشية ، كما يهتمون بالزراعة فيقضون الربيع في خيامهم جوار بيوتهم وفي الشتاء يلجؤون إلى بيوتهم الحجرية ويتمتعون بسمعةٍ رائعةٍ وألفةٍ حسنةٍ مع جيرانهم من الشركس والعرب , وكان كبيرهم في الجولان فائز محمود أغا وهو من أثريائهم .

وتركمان شرق حمص لايزالون حتى فترة الثمانيات من القرن الماضي على بداوتهم وترحالهم ويدعون تركمان السوادية ويتجولون حول قرى القنية وحولايا وحمام أبي رباح في البادية وحسيا والقصير ويقيضون في بعلبكو ربما وصلوا زحلة وهم يتقنون اللبن الرائب والجبن التركماني المشهورين في أسواق حمص .

أما تركمان الرقة فقد انسجموا واختلطوا مع أهالي الرقة فلم تعد تميزهم عن باقي السكان في اللباس واللغة , ومثلهم في مرج ابن عامر في حيفا بفلسطين .

أما تركمان اللاذقية فقد كانوا محرومي الثقافة وبسطاء جداً وقد استغلهم الإقطاع سابقا وزادهم معاناة في الفقر والحرمان, وصفهم الجنرال جاكو في كتابه أنطاكية :

(التركماني قوي البنية صبور وقنوع وله مشية خاصة به تنم عن غرور وخيلاء )

والتركمان في دير الزور ذابوا في مجتمعها وانصهروا فأصبحوا يتكلمون لغة البلدة ويمارسون طقوسها وعاداتها وتقاليدها ولم يعد تفرقتهم عن الآخرين في الشكل واللغة ممكناً  .

والتركمان أينما حلوا عاشوا مع بقية الشعوب بكل تآخ وسماح وروح اجتماعية عالية  ومحبة وسلام .

…………………………………………………..

       المصادر :

1- عشائر الشام —– وصفي زكريا

                        2- أنطاكية — الجنرال جاكو

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password