تاريخ مدينة سيروس ( قورش ) النبي هوري

 

 

ياسر أحمد الشوحان

تُعد قلعة ومقام النبي هوري من أهم المعالم السياحية الواقعة في شمالي عفرين ، أما الآن فهي عبارة عن حجارة تحكي صدى تاريخها الجميل .

في شمال عفرين بنحو / 45 / كم ، وعلى بعد مسافة / 10 / كم من بلدة بلبل تقع قلعة النبي هوري، ويمر من شرقها نهر صابون بمسافة 1.5 كم ، وفي أسفل المرتفع نبع غرمكه الذي يمتاز بغزارة مياهه والذي لا يجري كثيراً حتى يصب في نهر صابون .

هذه المنطقة الطبيعية المشهورة بغناها بأشجار الزيتون التي تغطي مرتفعاتها جعلها قبلة للسياح والمصطافين الذين يرتادون المنطقة رغم أنه لم يتبقى من آثار القلعة إلا القليل .

أطلق اليونانيون على المدينة اسم سيروس ، وبعد ذلك دانت المدينة للديانة المسيحية بفضل القديس سمعان الذي بنى في تلك المنطقة كنيسته ، كما أطلق على مدينة سيروس اسم آجيا بولس أي ( مدينة القِدِيْسِيْن ) وذلك نسبة إلى قديسين نزلا في المدينة ؛وقاما ببناء كنيسة ودفنا فيها . كما اعتبرت المصادر التاريخية اليونانية اسم سيروس هو اللفظ اليوناني لاسم الملك الفارسي كورش أو قورش ، وقد أطلق عليها المؤرخون العرب التسمية نفسها ، ولكن مهما اختلفت تسميات المدينة فتاريخها واحد يحكي أمجادها .

 

وكما اختلفت تسمياتها وتغيرت عبر تاريخها الطويل ، فقد اختلف أصحاب التاريخ أيضاً في أصل التسمية ( هوري ) ومن أين جاءت ؟ . تقول إحدى الروايات أن الاسم عائد لأحد قادة النبي داود وهو القائد أوريا ابن حنّان الذي قتل في إحدى المعارك في تلك المنطقة بعد أن أرسله النبي داوود ليتخلص منه ومن أجل أن يتزوج زوجة القائد أوريا بعد مقتله ، إلا أن هذه الرواية بعيدة كل البعد عن مصداقية الحدث التاريخي وفيها الكثير من المغالطات ، لذلك اعتُبرت رواية مغرضة تهدف إلى الإساءة ، وهذا ما ذكره ابن الشحنة في كتابه الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ، أما الرواية الأخرى ( وهي الأصح ) أنها تسمية جاءت من اسم شعب الجبل الذين استوطنوا جبال طوروس وزاغروس وهم أهل المنطقة إذ يطلق عليهم الحوريون ومفردها حوري أو هوري ، ولهؤلاء تاريخ قديم في المنطقة يغطي فترة طويلة تمتد من الألف الثالث قبل الميلاد حتى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد ، وهم أبناء المنطقة الذين سيطروا على مساحات واسعة من شمال بلاد الرافدين ومنطقة الهلال الخصيب وأسسوا فيها الإمبراطورية الحورية الميتانية في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد .

تاريخ المدينة :

إن لمحيط المدينة تاريخ طويل موغلٌ بالقدم ، إذ أنها تعود إلى الفترة الحورية أي حوالي القرن السادس عشر قبل الميلاد ،فيما يرجعها البعض الآخر إلى الفترة الهلنستية أو أقدم من هذا التاريخ بقليل ، وأياً يكن فإن تأريخ المدينة هو نتيجة الدلائل الأثرية الموجودة في الموقع ، وما تبقى من آثار المدينة عائدة للفترة السلوقية في سورية ، إذ بناها سلوقس الأول / 312 ـ 280 / قبل الميلاد وهو الذي أطلق عليها هذه التسمية ( سيروس ) نسبة إلى إحدى البلدات في اليونان ، وهو نفسه الذي بنى مدينة دورا أوروبوس على ضفة الفرات اليمنى جنوب مدينة دير الزور بحوالي 90 كم وأطلق عليها هذه التسمية نسبة إلى مدينته الأم ومسقط رأسه في اليونان .

 

تاريخ التنقيب الأثري في الموقع :

تأتي أهمية هذه المنطقة أيضاً من خلال الاكتشافات الأثرية المبكرة التي بدأت فيها ، إذ تعود أعمال التنقيب والبحث إلى منتصف القرن التاسع عشر ، حيث ذكرها الكونت م . فوكيه M.de Vogué في كتابه  سورية المركزية ، عمارة مدنية ودينية من القرن الأول إلى القرن السابع الميلادي ” ، ثم توالت أعمال الكشف والتحريات الأثرية في تلك المنطقة منذ نهاية القرن التاسع عشر إذ قامت جامعة برنستون الأمريكية ببعض الحفائر فيها بإدارة باتلر H.C.Butler وأصدر سلسلة من الوثائق التاريخية حول التنقيبات فيها ” الكنائس الأولى في سورية ” إلى أن جاءت دراسات الجامعة اليسوعية في لبنان بإدارة جوزيف ماتيرن J.Matern والذي أصدر أيضاً كتاباً شاملاً عن تلك المنطقة دعاه بـ ” المدن الميتة في شمالي سورية ” .

بُدىء بالتنقيب بالموقع من خلال بعثة أثرية فرنسية في عام 1952 م برئاسة إدمون فريزولس ، وتتالت أعمال التنقيب فيها حتى عام 1980 م التي سمحت بالكشف عن المسرح الروماني مع إجراء دراسة للتحصينات ومختلف أبواب المدينة والمقابر والتترابيل مع دراسات متفرقة حول التنقل بالمدينة وربط مسارات الحركة مع الجسور الشهيرة في المنطقة ، وبقيت أعمال التنقيب الأثرية مستمرة حتى عام 1996 م التي انتهت بوفاة رئيس البعثة الأثرية فيها . ثم عادت أعمال التنقيب الأثري في الموقع برئاسة جانين عبد المسيح التي كان الهدف منها هو دراسة وتنقيب وترميم الموقع الأثري وبيان الأخطار المحيقة به التي شكت عنصراً أساسياً في سبيل إنقاذ الموقع ودراسته . ولا بد من القول أن سيروس هي إحدى المدن النادرة المحفوظة بكاملها على كامل مساحتها دون أية إعادة استيطان أو بناء لاحقة بعد هجرها . ولهذا فهي نموذج على الحفظ الاستثنائي وعلى وجود آثار ضخمة ظاهرة تغطي كافة المراحل والحضارات التي ساهمت في إعمارها . ويتطلب حفظ هذا التراث بالدرجة الأولى استئناف الأبحاث التاريخية والاستكشاف الآثاري لكافة المراحل الاستيطانية للمدينة . ولا شك أن هذا الاستيطان المستمر منذ التأسيس الهيلنستي للمدينة حتى العصور الإسلامية يشكل مادة استثنائية للدراسة العمرانية ولدراسة مدينة على مراحل زمنية مستمرة وواسعة . ودراسة نمو المدينة في محيطها يجعل من سيروس موضوع بحث أولي وأساسي لفهم التاريخ العام للمنطقة .

كما أن مدينة سيروس هي إحدى المدن الميتة أو المنسية في تلك المنطقة ( شمال غربي سورية ) ، وقد دأبت المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى تسميتها بـ ( المدن الحية ) وإظهار أهميتها التاريخية الأمر الذي دعا إلى تسجيلها في قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي في العام 2011 .

سيروس خلال الفترة الهيلنستية :

قامت مدينة سيروس كموقعٍ عسكري لتمركز القوات ، ورغم موقعها الهام إلا أنه لم يُحدد بعد فيما إذا كانت مدينة مستقلة عن باقي المدن الهلنستية بالشمال السوري أم أنها كانت مدينة تابعة لمركز إداري أكبر منها ، ورغم هذا أو ذاك فإن الدلائل الأثرية بينت أن المدينة كانت مزدهرة بشكل ملفت للنظر ، كما صكّت فيها النقود الهلنستية وعُبد فيها الإله زيوس ( أبو الآلهة والبشر ) ، كما عُبدت أيضاً الآلهة أثينا العظيمة .

 

وفي عام 188 قبل الميلاد انفصلت آسيا الصغرى عن الدولة السلوقية وذلك وفقاً لمعاهدة أفاميا ، وبذلك تراجعت أهمية المدينة وخبا ازدهارها ، إذ لم تصبح أكثر من مدينة حدودية تقوم على تأمين قوات عسكرية وتنظيمها لإنطاكية ، حيث استمرت على هذا الحال قرابة المئة عام إلى أن استولى عليها تيكران الكبير ملك أرمينيا في عام 83 قبل الميلاد ليزداد بذلك وضع المدينة سوءاً ويعم المنطقة بأسرها الفوضى والركود حتى استعادها الرومان من يد الأرمن في عام 69 قبل الميلاد لتطوي المدينة بذلك صفحة من صفحاتها ويبدأ تاريخ جديد لها خلال الفترة اللاحقة .

سيروس خلال الفترة الرومانية :

بعد دخول قوات القائد الروماني بومباي في عام 64 قبل الميلاد أصبحت سورية ولاية رومانية يًشهد لها في منطقة الشرق ، وأصبحت سيرورس نتيجة لهذا منطقة متنازع عليها بين أعظم إمبراطوريتين في تلك الفترة الرومان من الغرب والفرس البارثيين من الشرق ، إذ وقعت هذه المنطقة ( شمال سورية ) وكامل منطقة وادي الفرات في عام 40 قبل الميلاد في يد البارثيين إلا أنها بقيت بأيديهم لفترة مؤقتة ، ومع بداية القرن الأول الميلادي أصبحت سيروس ذات شأن كبير وذلك إبان توسع الإمبراطورية الرومانية ، إذ أصبحت مركزاً للمنطقة الإدارية الشمالية في سورية ، ودُعيت في ذلك الوقت باسم سيروستيك أو قورستيك . وظلت هذه المنطقة وعاصمتها سيروس مزدهرة تجارياً خلال هذه الفترة وأصبحت مدينة الوصل التجارية بين سورية ومنطقة بلاد الرافدين كما أصبحت مدينة بروا ( حلب ) تابعة لها ، وظل الحال هكذا كازدهار اقتصادي وتطور تجاري كما و ظل مركزاً لقوة عسكرية هي الفرقة الرومانية العاشرة حتى إحداث الطريق الروماني الواصل بين بيروا ( حلب ) ومنبج ، وبذلك أصبحت سيروس مدينة تابعة لمنبج وذلك في القرنين الثاني والثالث الميلاديين ، ورغم أنها أصبحت مدينة ثانوية في هذه المنطقة الإدارية إلا أنها حافظت على طرق التجارة التي تميزت بها والتي تتفرع منها إلى الأقاليم المحيطة بها .

وفي عام 257 ميلادية احتل الفرس الساسانيون سيروس وإنطاكية لكنها أيضاً لم تصمد في أيديهم طويلاً حتى استعادها الرومان بعد ذلك بفترة قصيرة ، ويدل هذا ( المد والجزر الحضاري ) على الأهمية الكبرى لمدينة سيروس فقد ظلت المدينة مركزاً سياسياً وعسكرياً وتجارياً ودينياً مسيحياً حتى نهاية الفترة الرومانية ، ويذكر ابن الشحنة في مؤلفه الدر المنتخب أن كنيسة سيروس والتي دُعيت بإسم ( ديونيسيوس ) كانت في عهد القيصر أناستاس ملجأً للهاربين دون أن يصابوا بأي أذى .

سيروس خلال الفترة البيزنطية :

يُعد كتاب ( التاريخ الديني ) لمؤلفه تيودور ( رزق الله ) أسقف كنيسة سيروس في عام 423 ميلادية من أهم المراجع التي تتحدث عن تاريخ هذه المدينة خلال هذه الفترة فقد ذكر أن منطقة سيروس كانت عبارة عن أبرشية تضم حوالي / 800 / كنيسة ومحاطة بأربعة أبرشيات هي حلب وإنطاكية ومنبج وعينتاب ، وتبين المعطيات الأثرية على أن المدينة كانت هدفاً للفرس لمرات عديدة ، إذ استطاعوا السيطرة عليها في مطلع القرن السادس الميلادي نتيجة هجمات شنوها عليها مما دفع بالإمبراطور جوستنيان إلى عقد معاهدة السلام المعروفة مع الفرس في عام 532 ميلادية ، ورغم نقضهم لهذه المعاهدة فقد ظلت المدينة تحمل طابعها الروماني الأصيل حتى قيام الإمبراطور هرقل بطرد الفرس منها عام 630 ميلادية ، لكن تبعيات الحرب هذه لم تمر على المدينة إلا بعد أن ألحقت بها الخراب والدمار ، إذ أنه خلال خمسة وثلاثين عاماً كانت قد تعرضت للتخريب مرتين مما حدّ من نفوذها وقلل من مكانتها الشيء الذي أدى إلى إضعاف أهميتها التجارية ولتبقى مدينة دينية هامة فقط خلال القرن السادس الميلادي .

سيروس خلال الفترة الإسلامية :

أصبحت سيروس مدينة ذات أهمية عسكرية كبيرة ، إذ أنّ وقوعها على الحدود البيزنطية زاد من أهميتها وذلك بعد أن سيطر عليها المسلمون بقيادة عياض بن غنم في عام 637 ميلادية ودخلها سلماً ، ثم أصبحت المدينة في عهد هارون الرشيد واحدة من أجمل سبعة مدن إسلامية ، وأصبح فيها حامية عسكرية مستقلة ، إلا أنه بتاريخ 905 ميلادية استولى عليها الصليبيين وجعلوا تبعيتها الإدارية لمدينة الرها بعد أن كانت تابعة لمنبج . ثم ما لبث أن استعادها المسلمون بقيادة نور الدين زنكي بعد صراع طويل مع الصليبيين وذلك في عام 1150 ميلادية .

ومما يبدو أن هذه المنطقة الهامة عامة وسيروس خاصة قد جلبت الويلات على هذه المدينة إذ أن الدمار الذي حصل لها خلال الفترة الساسانية ثم دمارها مرتين أيضاً عام 540 ميلادية و 574 ميلادية وكذلك تدمير نور الدين زنكي لها خوفاً من عودة الصليبيين للسيطرة عليها  في عام 1157 ميلادية ، لم يكن الدمار إلا شيئاً بسيطاً أمام ما واجهته هذه المدينة من زلزال عام 1140 ميلادية الذي لم يُبقي إلا الشيء القليل من مبانيها . ولحسن الحظ فإن هذا الزلزال ترك بقايا من الآثار منها الحمامات والمدافن ومسرح روماني يؤرخ للقرن الثاني الميلادي وعدد من الآثار الإسلامية الحديثة كجامع صغير يعود للعام 1157 ميلادي ومقام لأحد الأولياء يعود تاريخه للعام 703 للهجرة .

 سيروس تحت النار:

وفي منتصف شهر شباط من عام 2018 قامت القوات التركية بالسيطرة على مساحات واسعة من منطقة عفرين ، كانت مدينة سيروس التاريخية إحداها بالإضافة إلى العديد من المدن والبلدات منها جنديررس وشران وراجو ودير صوان . إلا أن هذا الوجود الغريب في هذه المنطقة حتى وإن طال فإنه لا بد من أن يؤول إلى الزوال ، فهذه الجنة لا يطأها إلا المخلصين من أبنائها ، وويلات الحروب ستنتهي حتى ولو بعد حين وتعود الأرض لأهلها لتكمل ما بدأته في سفر الحضارة .

_____________________________________

المراجع

1 ـ ابن الشحنة ، القاضي أبي الفضل محمد : الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ـ تقديم : عبد الله محمد الدرويش ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 1984 .

2 ـ صقر ، جورج : الكنائس الشرقية ـ مطبعة شمالي آند شمالي ـ لبنان ـ الطبعة الأولى ـ 2001 .

3 ـ عبد المسيح ، جانين : تقييم الحالة العامة لموقع سيروس ( قورش ) النبي هوري ـ مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية ـ المجلد 49 ـ 50 ـ عام 2006 ـ 2007 .

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password