الجسر المعلق بدير الزور

ياسر أحمد الشوحان

يتميز الجسر المعلق بتصميمه الفريد ، وقد أنشأه الفرنسيون في عام 1925وتم تدشينه في 23 / 4 / 1931 ، إذ وُضعت مخططات هذا الجسر في بداية العشرينيات من القرن العشرين وفق نماذج غربي الطراز ، وأسلوب حديث ، وقد قامت الشركة الفرنسية للبناء والتعهدات ببناء الجسر وكان قد أشرف على أعمال البناء المهندس الفرنسي ” مسيو فيفو ” واستمر البناء في الجسر المعلق حوالي ست سنوات ويشابهه في البناء بعض الجسور المُعلقة في العالم ويشبه هذا الجسر المعلق جسراً في جنوب فرنسا .

يقوم الجسر على أربع ركائز إسمنتية يُطلق على الواحدة منها في دير الزور ( دنكة ) وجمعها دنكات ، وترتبط هذه الركائز مع بعض بقضبان فولاذيو قوية تشد ممشى الجسر إليها ، ويُشكل هذا الربط الفولاذي منظراً جميلاً من خلال شبكة صاعدة ونازلة ترتبط مع جسم الجسر لتضفي على المكان القوة والإحكام الهندسي والترابط بين ضفتي النهر ، ويبلغ طول الجسر 450 م بعرض 3.60 م ، وعرض كل رصيف معدني على جانبيه 40 سم ، ويبلغ ارتفاع كل ركيزة اسمنتية 36 م ، وتفصل الركائز فيما بينها ثلاث فتحات على النهر تشكلها الركائز الأربع .

ومما يذكر أصحاب الاختصاص المعماري أن المهندس الفرنسي قد استفاد من طراز الأقواس الديرية في المنازل أو الخانات في عملية بناء الأقواس الثلاثة في كل ركيزة في الجسر ( لاحظ التشابه بين شكل قوس الأسواق التجارية القديمة بالمدينة مع أقواس ركائز الجسر ) . وقد أُطلق عليه اسم الجسر الجديد تمييزاً له عن الجسر العتيق المُقام على الفرع الصغير للنهر .

بلغت تكلفة البناء مليون وثلاثمائة ألف ليرة سورية في ذلك الوقت ، وقد تم إنارته في عام 1947 بالكهرباء ، وفي عام 1955 تم دهان الجسر باللون الأخضر وتمت إنارته بألوان زاهية أبدت جماله خصوصاً في الليل ، وفي عام 1980 تم طلائه باللون الأبيض والكحلي ، وقد منعت السلطات المختصة مرور عربات الخيول ( الحناتير ) والسيارات أو الدراجات وذلك في نهاية السبعينات من القرن العشرين علماً أن بعض أصحاب الاختصاص لديهم رأي آخر إذ يطالبون بالحركة المستمرة على الجسر الذي من شأنه أن يحافظ على مرونة القضبان المعدنية الفولاذية التي تشده ، وقبل أعمال الصيانة الأخيرة كان يشعر الماشي على الجسر أن هناك حركة اهتزازية بسيطة مما تضفي على المكان صفة جميلة أخرى يختص بها الجسر .

وأثناء عملي كمدير للآثار والمتاحف بدير الزور سعيتُ لتسجيل الجسر المُعلق في عداد الأبنية التاريخية والسياحية في المدينة وراسلت بعض المعاهد المختصة في فرنسا التي قدمت العون والدعم المعنوي للمحافظة عليه .

ومن الحكايات الطريفة التي توثق وعي الأهالي وعدم إدراكهم للجديد أن الأهالي رفضوا عبور الجسر لأنهم خافوا من وقوع الجسر نتيجة هذه الاهتزازات فما كان من المهندس المُنفِّذ إلا أن قام بالعبور فوق الجسر ، كما جلس أيضاً مع أسرته في زورق تحت الجسر وأمر بمرور الآليات فوق الجسر ولما أدرك الأهالي متانة هذا الجسر واقتنعوا بعدم سقوطه نتيجة المرور عليه قاموا بالمرور عليه . لكنني لا أعتقد أن أبناء المدينة هم من أوجسوا خيفة من هذا الجسر وربما البعض من أبناء الريف من سكان القرى البعيدة عن دير الزور الذين لم يستطيعوا رؤية التطور العمراني للجسر بمراحله المتعددة فما أن رأوه صرحاً عملاقاً تشده قضبان معدنية إلا وانتابهم خوف السقوط في النهر وانهيار الجسر ، ومما يؤكد هذا الكلام أن الكثير من أبناء الدير قد عملوا في أعمال البناء ( عمال ) في إنشاء الجسر ومن الطبيعي أن يعملوا بشكل يومي مدركين التطور الذي وصلت إليه الشركة الفرنسية في أعمال البناء كما ألفوا هذا المنظر والبناء .

ومما تجدر الإشارة إليه أنه في القرن الماضي أن البلدية قد خصصت موظفين اثنين مهمتهما إجراء الاتصال الهاتفي فيما بينهما لتنظيم السير على الجسر وذلك منعاً من حدوث الازدحام عليه لا سيما وأن الجسر لا يحتمل مرور أكثر من آلية واحدة ذهاباً أو إياباً وذلك قبل إنشاء الجسر الذي يقع إلى الشرق منه والذي بنته الشركة اليوغسلافية .

كما كانت هناك غرفة عند مدخل الجسر على الضفة اليسرى للنهر وتسمى ( الكريتينة ) وهي غرفة خاصة لتعقيم الداخلين إلى المدينة . إذ أن الفرنسيين خلال فترة انتدابهم كانوا يخشون انتقال الأمراض المعدية لاسيما قبل إنشاء الجسر في عام 1915 انتشر مرض الملاريا ونتيجة لاختلاط أبناء الريف بالمدينة انتشر المرض إلى الأرياف ، فقام الفرنسيون بإنشاء هذه الغرفة للحفاظ على أنفسهم أولاً لئلا تنتقل الأمراض إليهم إن وجدت .

عندما حان للفرنسيين أن يخرجوا من سوريا… عمدوا إلى تلغيم الجسر بغية تفجيره وذلك بحجة عدم عبور القوات البريطانية عليه ، إلا أن أحد أبناء المدينة الأبطال واسمه محمد علي البيطار ( أبو عمر أو أبو عمور ) الذي كان موظفاً بسيطاً في مصلحة الأشغال العامة قرب الجسر المعلق فتسلل هذا البطل تحت وابل من الرصاص وقام بقطع فتيل اللغم ، فنجا الجسر من الدمار .

وفي عام 2009 أنهت مديرية الطرق بدير الزور تنفيذ أعمال الترميم التي خصصت لها ميزانية تقارب عشرين مليون ليرة وقد تضمن هذا الترميم والصيانة والتجديد إظهار الجسر المعلق بشكل جديد وقد تضمنت الأعمال إنارة الجسر وتنظيفه من النباتات ( في أسفل الركائز وحولها ) وتنفيذ الأعمال الإسمنتية ( بلاطات ) وغيرها ، ويشير أهل الخبرة في هذا المجال إلى أن أعمال الترميم ستحفظ الجسر حتى عام 2080 . إذ أن هذه الأعمال تحدث لأول مرة فيما يخص البنية الرئيسية له .

ومما تجدر الإشارة إليه أن الجسر المعلق قد قام على أنقاض جسر سابق له (جسر الدوّايات ) في العهد إذ قام المتصرف جلال بك الجبّان بإقامة جسر قائم على سلسلة من السفن الخشبية تربط طرفيه كتل كلسية كبيرة على الضفتين حيث أُنشئ هذا الجسر في عام 1914 ، وقد أحضر لبنائه النجارين من الموصل وتركيا ، لكن سرعة جريان النهر في وسطه حالت دون الاستفادة من هذا الجسر إذ خلخل الجريان السريع للمياه تماسك السفن الخشبية ورغم هذا فقد ظل الأهالي أربع سنوات يعبرون على هذا الجسر حتى عام 1918 تقريباً ، وبعد ذلك التاريخ عاد الأهالي لاستخدام السفن لعبور نهر الفرات ، وربما كان هذا الجسر هو نواة إقامة الجسر المعلق .

وبتاريخ 2 / 5 / 2013 أبى الجسر المعلق إلى أن يعانق المياه التي تمر أسفله وذلك نتيجة لسقوط عدة قذائف استهدفت دعاماته وخصوصاً الدعامة الثالثة منه، الذي أدى إلى تقطع الكابلات وسقوطه.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password