خليل كلكو….من قلاع الصمود في عفرين ؟؟

“الجبال للأكراد ، مثلما الصحاري للعرب ” . هكذا قالت الكاتبة ماركريت كان في كتابها أبناء الجن عن الأكراد ،

فالجبالُ كانت الصّديق الأوحد للكرديّ في كلّ مراحله التاريخية، فكلما ارتفع الجبل، تسامت أسطورة المقاومة والشموخ.

الموقع والمناخ:

خليل كلكو: هي إحدى المرتفعات الشاهقة في منطقة عفرين(جايي كورمنج) تناطح الغيوم في علوّها, ترتفع عن سطح البحر 1250م ، وتبعد عن مركز مدينة عفرين ب27 كم نحو الشمال الغربي . عدد البيوت فيها نحو 150 منزلاً

       سي روز 

، أما عدد سكّانها فيبلغ أكثر من ألف وخمسمئة نسمة.

يحيط بها مجموعة من المرتفعات : ” بوزي بالاكو(قمة الإذاعة) ،خليل دادا ، إبراهيم دادا ، سفير دادا.. إلخ. ” وتسمية كل منها تعود إلى احتواء كل منها لمزار أحد الشهداء الدينيين فيها كنوع من الطقوس الدّارجة في العصور الوسطى.

ذات مناخٍ باردٍ مقارنةً مع درجات الحرارة في المنطقة، تهطل عليها الثلوج والأمطار بغزارة ،ونظراً لانخفاض درجة الحرارة فيها، ينمو فيها التفاح  والكرز، بالإضافة الى الزيتون والجوز واللوز والفستق والتين والسًماق وكروم العنب، كما أنها محاطه بمساحات واسعة من أشجار السّرو والصنوبر والسنديان .

أما من الناحية الأثرية  فقد وجد الأهالي أثناء الحراثة بعض الأدوات البدائية تشير الى امتداد حضارات سابقة فيها، ونظراً لعدم اهتمام الأبحاث الأثرية بالمناطق الكردية ،لم يتم توثيق المكتشفات فيها بعد، ولكن منطقة عفرين مليئة بالآثار التي تدل على إقامة حضارات قديمة فيها، كمغارة دو داري في (جبل ليلون) جنوب عفرين، حيث أكتشف فيها هياكل عظمية تعود لأكثر من مئتي ألف سنة قبل الميلاد.

تاريخ نشوء القرية:

إن تاريخ القرية المعاصر يعود الى خليل كلكو وعلجار ، يقول العجوز شكري قرو عن تاريخ نشوء القرية  :

كان خليل كلكو مقيماً في منطقة سامسور (إيدي يمان) الحالية في تركيا، وكان لديه عشرة إخوة شنق سبعة منهم إبان التمرد الكردي ضد الاحتلال العثماني للمناطق الكردية, وفرّ الأربعة الباقون منهم من بطش الدولة العثمانية واستقروا في مناطق مختلفة ،  حيث استقر أحدهم في القامشلي واّخر في حماه واّخر في دمشق، أما خليل كلكو أستقر في قرية خليل الحالية مع علجار، وتزوج من زوجتين الأولى من معملو(القرية المجاورة ) والأخرى من عارابو.

خليل كلكو إبان ثورة روج أفا:

نظراً لتنوع مناخها، فقد كان سكان القرية أيضاً على تنوعٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ وسياسيٍّ كبيرٍ ، ورغم هذا الاختلاف كان الاحترام سائدا ًبين أبنائها كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً، ووسط هذا التنوع الفسيفسائي استطاعت أن تواكب ثورة روج اّفا في كافة مجالاتها وتلعب الدور الريادي في الترويج للمفاهيم الانسانية و الوطنية والثورية والتحررية .

فمع بداية الأزمة السورية، سارع أبناء القرية ومثقفوها الى تنظيم أنفسهم في كافة المجالات، لمواجهة الفوضى الناجمة عن غياب مظاهر الأمن في المنطقة، فكان أول عمل قام به أبناؤها : فتح المدرسة التي أغلقت أبوابها للتو بسبب إهمال القطاع التعليمي الناتج عن غياب الموظفين عنها، فكان أبناؤها حريصون كل الحرص على استمرار العملية التعليمية بأبسط الإمكانيات؛ تلافياً لانهيار العملية التربوية والتعليمية.

أما العمل الثاني الجدير بالذكر فكان تشكيل تنظيم الكومين، كمبادرة لتنظيم كافة شرائح القرية في لجان تخصصية كل منها تقوم بخدمة أهالي القرية،  فكان ترتيب كومينها هو الثالث من بين قرى عفرين الثلاثمئة والستة وستين رغم بعدها عن مركز المدينة وارتفاعها الشاهق ، الأمر الذي يثبت جدية أهاليها في إدارة أنفسهم دون الحاجة لسلطة أو تبعية ما .

وعندما اقتضت الحاجة للدفاع عن مكتسباتهم؛ لم يتوانى أبناؤها بالزّود بالنفيس والغالي في سبيلها فقد قدموا العشرات من الشهداء من أبنائها تلبية للنداء لمواجهة كافة التحديات التي تهدد المنطقة برمتها حيال ترسيخ فلسفة الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب، ومن هؤلاء الشهداء(أفستا_ زهر الدين كاجين “عضو منسقية حركة الشبيبة الثورية”-ألجين كيفارا” تاجة رأس الشهباء”_مظلوم _شورش- رفعت- جانفدا-محمد-لاوند عفريني-شورش- والأخان دليل “أحمد رشيد” و دليل”رشيد رشيد” )

فبعد شهادة كاجين (زهرالدين)  أثناء تصديه للمجموعات المرتزقة في حي الشيخ مقصود ، بادر مثقفوها بتقديم طلب إلى الإدارة الذاتية لتشكيل نقطة طبية فيها لبعد القرية من مركز المدينة ولصعوبة المواصلات فيها نظراً لارتفاعها ، فوافقت الإدارة الذاتية على طلب أهالي القرية وأطلق عليها اسم الهلال الأحمر الكردي _ نقطة خليل كلكو، وتم افتتاحها بتاريخ 16/5/2013 م ، وقد بلغ عدد المتطوعين فيها ثلاثة وعشرين متطوعاً وتم فرزهم في لجان متخصصة، قسم منهم تخصصوا في اللجنة الطبية والآخر في القسم الإغاثي.

أما بالنسبة للقسم الطبي فقد كان الدكتور رشاد رشيد يناوب في العيادة كل يوم أربعاء، ويقدمون الأدوية للمرضى بالمجان, وكان الأهالي يرتادونه من كافة القرى المحيطة, وأما القسم الإغاثي، فقد كان أعضاؤه يقومون بتأمين احتياجات العامة من لباس وفرش بالإضافة الى تأمين المعدات الطبية لذوي الاحتياجات الخاصة, ككراسي العجزة والعكازات وغيرها..

خليل كلكو بعد العدوان التركي:

و بتاريخ 18/1/2018م ،تعرضت المرتفعات المحيطة بالقرية وخاصة جبل (بوزي بالاكو) للقصف المدفعي العشوائي بعشرات القذائف، واستمر هذا القصف مدة يومين.

وفي الساعة الرابعة من مساء يوم الخميس بتاريخ 20/1/2018 م ، أعلن الاحتلال التركي حملته السوداء المسماة بغصن الزيتون، حيث حلقت اثنان وسبعون طائرة حربية فوق سماء عفرين وقامت بقصف المنطقة ،وقصفت سبع منها بوزي بالاكو في قرية خليل كلكو بضربات صاروخية عنيفة ؛ حيث كانت ألسنة النيران تكاد تبتلع السماء، فهرع أهالي القرية العزل، وبدؤوا يختبئون في الملاجىء ليحموا أنفسهم من القصف العشوائي.

أما تاريخ 22/3/2018م فكان الأعنف على القرية، حيث استيقظ أهالي القرية على دوي أصوات القذائف العشوائية الصادرة من قذائف الدبابة المتمركزة على طريق قمةالإذاعة(بوز بالاكو)، ونتيجة القصف العشوائي على أهالي القرية العزل نزح معظم أهالي القرية باستثناء القليل منهم واستمر القصف أسابيع حتى فقد االأخان محمد بكر البالغ من العمر خمساً وستين عاماً وعلي بكر البالغ من العمر ثمانية وأربعين عاماً حياتهما جراء القصف، متمسكين بأرضهم التي لم يتركوها حتى الشهادة وذلك بتاريخ 28/1/2018م.

وأمام هذا المشهد العنيف  والوحشية الفائقة والمخالفة حتى لقوانين الحرب، اضطرّ الأهالي لمغادرة منازلهم؛ ليحموا أطفالهم ونساءهم، وبعدها تحولت القرية الى منطقة اشتباكاتٍ عنيفة سطّر أبناؤها فيها أعظم ملامح البطولة والفداء. وفي تاريخ 30/1/2018 م، اقتحم الغزاة القرية مكللين بالمدافع والدبابات والمصفحات والمدرعات وبآلاف المرتزقة و بغطاء جوي بأحدث الطائرات الحربية التركية، لكن المقاومة لم تنتهِ رغم اقتحامها فبدأت عمليات الكر والفر ضد العدوان وألحق بالعدو خسائر فادحة .

وعندما دخلها العدو حرق ماحرق ودمر ما دمر وسرق كل شيء فيها حتى الدجاجات لم تسلم من النهب ،فعمد إلى ضرب البنى التحتية كعملية تابعة للعملية العسكرية لتحقق هدفها بسياسة الأرض المحروقة، وتقدر المسروقات في هذه القرية الصغيرة فقط، أكثر من مليار ليرة سورية، ناهيك عن الأضرار التي ألحقت بالمنازل جراء هذا القصف، فقد شمل النهب تلك المعاصر الفنية الحديثة التي مالبث الأهالي قد دفعوا ثمنها، والأنكى من ذلك استقر في القرية عشرات العائلات المهجّرة قسراً من مناطق متفرقة من سوريا لتتم عملية التغيير الديموغرافي الممنهج  بحق أهالي القرية، و المنطقة كلها.

وبعد انخفاض وتيرة الحرب وسقوط المدينة، عاد إليها أغلب النازحين متحدين كل الأساليب الإجرامية من قتل واختطاف وسرقة وفدية ، وأثناء العودة فقد المواطن علي خلو البالغ من العمر سبعة وأربعين عامأ، وأخته سميرة خلو ذات الخمسين عاماً وذلك بتاريخ 14/3/2018 م ، جراء أنفجار لغم وبذلك أصبح عدد المدنيين العزّل الذين فقدو حياتهم أربعة أشخاص .

وهكذا سمَت خليل كلكو كسائر قرى عفرين وشمخت كسائر جبال عفرين؛ لتكتب التاريخ مجدداً تاريخ النضال والمقاومة البطولية،

وهذه المقاومة الباسلة تذكرنا بأبيات الشاعر الكبير عمر أبو ريشة :

شرفُ الوثبةِ أن ترضيَ العلا       غُلبَ الواثـــــبُ أم لم يغلبِ

لا يمــوتُ الحقُّ مهما لطــمتْ       عارضَيه قـبضةُ المغتصبِ

بقلم : سي روز

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password