الأديرة في وادي الفرات

      جاسم العبيد

نهر الفرات ودجلة توأمان يؤلفان بلاد ما بين النهرين الشهيرة بالخصب والحضارات والآثار الدالة على سكن الإنسان القديم البابلي والآشوري والكردي والعربي والفارسي واليهودي واليوناني .

من سكن في مدن وبلاد ما بين النهرين قديماً وحديثاً شعوب وأرومات بشرية خليطة عاشت متآلفة متحابة مسالمة مع بعضها البعض تمتلك روح أخوة الشعوب وتعلم البشرية المحبة والوئام والسلام .

قسم من هذه الشعوب وثني وآخر يعبد الشمس ومنهم المسلم .

وانتشرت النصرانية في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي فأنشأت الكنائس والمعابد، وفي القرن الرابع كثر النصارى في المملكة الفارسية وكان قسم كبير من بلاد ما بين النهرين جزءاً من هذه المملكة وصار للنصارى عدة أسقفيات ومدارس وعلماء فيها وأما طريقة الانفراد في البراري والقفار وعلى ضفاف الأنهار وأعالي الجبال للتعبد من قبل النصارى أي السيرة الرهبانية فقد نشأت في مصر أولاً في أوائل القرن الرابع الميلادي ثم امتدت إلى سورية ولبنان ولم تكن الرهبانية منظمة في قوانين مكتوبة تسير بموجبها الرهبان بل كان الأفراد يعتزلون في مكان يعيشون من كد أيديهم أو من صدقات المؤمنين حتى ظهر القديس انطونيوس فنظم الرهبان في جماعات يسكنون الأديرة وكان مولده سنة 252م وفاته سنة 337م وهو مصري الأصل تتلمذ على يده الكثيرون وصاروا يسكنون الديارات ويلبسون لباساً موحداً ويخضعون لنظام واحد وشاعت الرهبانية وظلت تنمو وظهر رؤساء من الرهبان بنوا الديارات وسنوا لها أنظمة إضافية .

يقوم نظام الرهبان الداخلي على تقسيم ساعات النهار للصلاة والعمل اليدوي داخل الدير كالخياطة والحياكة والطبخ والتجارة وخارجه للفلاحة كما تقوم الرهبنة على ترتيل الصلوات في أوقات معينة والرهبان ينذرون لله تعالى الطاعة والعفة والفقر وهذا ركن الرهبانية ولهم كتب قوانين وفرائض يتمشون عليها . وغاية الرهبانية الانقطاع عن العالم وقهر الذات بالتقشف والصيام والسهر والعمل .

ولكل دير رئيس ونائب وأمين صندوق وطباخ وموظفون آخرون ويعيش الرهبان عيشة مشتركة واحدة في الطعام والشراب واللباس .

انتشرت الرهبانية في مدن بلاد ما بين النهرين في القبائل العربية التي وجدت في هذه البلاد منذ تاريخ انتشار النصرانية فيها . وتسابق رهبان اليعاقبة إلى عرب البادية لنشر تعاليم دينهم في القرن السادس الميلادي فتنصر الكثير منهم .

ونسبت الرهبانية إلى العرب فيما بين النهرين فبنوا الأديرة في الحيرة وعلى ضفاف الفرات وفي أطراف بادية الفرات وبادية الشام وكان من أشهر القبائل العربية وأعلاها كعباً وأشدها شكيمة في الجزيرة الفراتية قبيلة تغلب من ربيعة العدنانية وقد تنصرت في القرن الرابع بتبشير أساقفة ما بين النهرين .

وكان من تغلب أساقفة وتنصرت قبائل أخرى كالنمر وبني شيبان وطي وإياد وكان ليعقوب البرادعي أتباع من العرب في الجزيرة الفراتية في القرن السادس واشتهر منهم جرحس أسقف العرب وكان من علماء عصره وكان كرسيه في عاقولة بمنطقة الكوفة توفي سنة 724هجري .

والدير مكان وجود الرهبان وتعبدهم وسكنهم وعملهم منها الصغير والمتوسط والكبير . ومن المدن التي اشتهرت بمدارسها النصرانية وكنائسها قبل الإسلام وبعده الرقة والرها ونصيبين ورأس العين وحران وقرقيسيا بسبب خصوبة الأرض ويسرة المعاش ووفرة المياه .

تأسس في الرصافة وحدها خمس كنائس عدا الأديرة وغالباً ما تكون الأديرة في أجمل المواقع بين الرياض والحدائق وعلى قمم الجبال والروابي .كانت الأديرة تشتمل على الكنيسة والهيكل والقلالي وبيوت المائدة والمخادع للمستودعات ودور الضيافة وصهاريج الماء والحدائق والبساتين والحانات لبيع خمور الدير للزوار.

وكثيراً ما كانت الديارات تبنى بالأحجار والمواد تنقر في الصخر الأصم وتحصن بالأسوار العالية وأبواب الحديد خوفا من اللصوص وكان في بعض الأديرة عجائب من بدائع التصوير .

وكان يقوم إلى جانب بعض الأديرة مرقب أو شبه صومعة يدعى القائم لسكن أحد النساك المعتزلين وهناك أيضا أديرة النساء المتبتلات وتدعى راهبة .

وتحتوي معظم الأديرة على أماكن لإيواء الزوار والمجتازين واللاجئين إليها ولذا سمي ابن سيدة الدير خان النصارى .

وكان لأديرة النساء حاناتها كذلك لبيع الخمور قصد الاستعانة بثمنها لتسديد حاجات الدير فيرى قاصد الحانة راهبة تديرها ولا يعدم أن يرى جواري حسان الوجوه والقدود والألفاظ .

ومن الأديرة التي كان ينزلها الخلفاء والملوك والأمراء –دير الرصافة ودير زكى ودير القائم الأقصى .

ووصف الشعراء العرب القدامى حانات الأديرة وخمورها ورهبانها ووصف بعضهم لذاته فيها وأشهرهم الشاعر أبو نواس .

وكانت النذور والهبات تقدم للأديرة من الكثيرين من النصارى والمسلمين من عدة أماكن وكان لباس الرهبان والراهبات المسوح الأسود وهو شعارهم يشدون فوقه زنار ولباس الرأس هي القلانس .

أما لغاتهم في القرون الأولى فهي :

1- الآرامية وبها كتب انجيل متى وإليها نقلت التوراة العبرانية أواخر المائة الأولى .

2-اليونانية

3- اللغة اللاتينية  وكانت لغة الامبراطورية .

4- اللغة العبرانية – لغة التوراة

5- اللغة العربية لغة القبائل .

6- اللغة الفارسية وكانت شائعة في بعض مدن ما بين النهرين بحكم خضوعها في فترات للحكم الفارسي ولوجود جاليات فارسية فيها وبحكم التجارة .

كان في الرها وحولها زيادة على ثلاثمائة دير .

وتعرضت كثير من الأديرة للخراب والزلازل والدمار بسبب الحروب

ومن الأديرة على الفرات :

1- دير حنظلة بن أبي عفراء الطائي من اهل الحيرة نسك في عهد ملكها المنذر بن ماء السماء . فارق بلاده ونزل الجزيرة الفراتية مع النصارى حتى فقه في دينهم وبنى ديرا بالقرب من شاطىء الفرات بين الدالية (القورية-اليوم ) والبهسنة وربما قرية محكان أسفل رحبة مالك بن طوق التغلبي (الميادين اليوم ).

ترهب فيه وفيه مات سنة 590 م وقد عمر هذا الدير إلى ما بعد القرن الثالث الهجري .

قال الأصفهاني عنه :وموضعه حسن لما فيه من جنينات رهبانية وأشجار وما يلبسه الربيع من رياض .

نزل به عبدالله بن محمد الامين فاستطابه وقال فيه أبياتاً روتها كتب الأدب منها :

ألا يا دير حنظلة المفدى     لقد أورثتني سقما وكدا

أزف من الفرات إليك دنا    وأجعل حوله الورد المبدى

وأبدأ بالصبوح أمام صحبي    ومن ينشط لها فهو المفدى

وروى الخالدي فيه لغيره شعرا منه:

يا دير حنظلة المهيج لي الهوى    هل تستطيع صلاح قلب العاشق

2- دير الرصافة –ويسمى دير حنينا وهو بناء روماني قديم  من عجائب الدنيا حسناً وعمارة بات فيه ابو نواس وانشد قائلا:

ليس كالدير بالرصافة دير.          فيه ما تشتهي النفوس وتهوى

بته ليلة فقضيت اوطا.                راً ويومياً ملأت طرته لهوا

ونر به الخليفة العباسي جعفر المتوكل فوجد فيها رقعة تضمنت وصفا لهشام  فاستاء المتوكل ومطلعها :

أيا منزل بالدير اصبح خاويا          تلاعب فيه شمأل ودبور

كأنك لم تقطنك بيض نواعم.           ولم تتبختر في فنائك حور

ليال هشام بالرصافة قاطن.           وفيك ابنه يا دير وهو أمير

اذا الملك غض والخلاف لدنة.        وانت خصيب والزمان طرير

3- دير زكى : بظاهر مدينة الرقة في ملتقى البليخ بالفرات وكان يضم مدرسة لاهوتية وللشاعر الصنوبري عدة مقطوعات شعرية فيه منها :

كم غدا نحو دير زكى من.           قلب صحيح فعاد وهو حزين

لو على الدير عجبت يوما.         لألهتك فنون وأطربتك فنون

لائمي في صبابتي قدك مهلاً.       لا تلمني إن الملام جنون

4- دير القائم الاقصى :جوار مدينة حصيبة على شاطئ الفرات على طريق بغداد الرقة وعنده مرقب عال للمراقبة وهو شبه صومعة لسكن النساك والى مدة قريبة كانت ترى أثاره نزله الرشيد في أسفاره وذكره هاشم الخزاعي قائلا :

بدير القائم الاقصى.      غزال شادن أحوى

برى حبي له جسمي.    ولا يدري بما القى

واكتم حبه جهدي.        وا والله ما يخفي

5- دير الباعوث :على شاطئ الفرات بين الرقة ومنبج وله خفراء من الأعراب ومزارع وجنينات اجتازه الشاعر الكندي المنبجي  واستطابه قال عنه :

لولا الوطن لاستوطنته بات فيه ليلة وعمل فيه قصيدة مطلعها :

يا طيب ليلى دير مر باعوث.    فسقاه رب العرش صوب غيوث

وسقى حمامات صوادحا.        ابدا على سدر هناك وتوث

6-دير قنسرين : غرب حلب  مقابل مدينة جرابلس انشئ عام 530

وكان مدرسة لاهوتية أحرقها الخوارج  ورمم سنة 822وكان به 370راهباً ودرس به علماء كبار.

7- دير الصالحين : بين الميادين والبو كمال في صالحية الفرات  دورا أوروبوس منسوب الى مار دانيال المولود هناك ذاع صيته في النصف الأول من القرن السادس لكن مار دانيال رسم أسقفا على تل موزل وهي بلدة (ويرانشهر)غرب راس العين ومات سنة 542م.

8- دير مار برصوم :مقام على جبل عال يطل على مدينة ملطيا وكان معهد علمي وكان فيه كنيستان جليلتان وظهر فيه بطاركة وأساقفة وعلماء ورهبان فضلاء وصار كرسيا بطرياركياً  ومحاطاً بالبساتين وفي 1148 أغار جوسلين الصليبي صاحب الرها على بلاد الترك وعرج على الدير ونهب كل شيء مما في الدير وجوسلين هذا وقع اسيرا بيد نور الدين الزنكي فسجنه مدة 9سنوات بحلب ومات فيها 1158م

9- دير العامود : في مدينة الرقة عمرتهرالقيصرة  تادور سنة 548

10-دير مارا بحاي او دير السلالم : بقرب كركر على ضفة الفرات

11- دير الجب :في برية الفرات بين حلب ومنبج

12- دير فسقين : ويقال له دير الحفاة على نهر الفرات

13- دير الرمان :وهو أصل مدينة ديرالزور

14- دير العذارى : قرب الرقةعلى الفرات وكان لتغلب

15- دير مار سرجيس :على الفرات ويتبع الرصافة

16- دير الحتليف :على الفرات قرب دير الرمان

17- دير مار سرجيس في عانة .

وكانت ضفاف الخابور ولاية واسعة من أرض الجزيرة الفراتية دعيت خابوراء كانت أبرشية وكان الى جانب مدن الخابور وقراه أديرة منها

دير قرقفتا: ومعناه الجمجمة أو قمة الجبل في بلدة مجدل بين رأس العين والحسكة وكان مركزاً لعلم الكتاب المقدس واللغة السريانية وخرج علماءاً.

1- دير أسفلولس :في رأس العين خرب عام 1203

2- دير المبيض :في راس العين

3- دير تير أوتيز:بالقرب من رأس العين اضطهد رهبانه سنة 519

4- دير قدار في راس العين .

5- دير مار زعورة :قرب طابان على الخابور

6- دير منصور

7-  بصير : في البصيرة ملتقى الخابور مع الفرات وكانت ضفاف البليخ قديما عامرة بالسكان وكان عليه عدة أديرة منها  : دير زكي ودير بيت ريشير وريشير كان رئيسا لدير البيض سنة 635

فالأديرة أماكن للعبادة والنسك ومعاهد للعلم والتهذيب وربما رهبانها يعملون في الزراعة والبستنة ورعي الماشية وفي الصناعات وغرس الأزهار والرياحين لبيعها وكان النصارى والمسلمون من المدن والقرى والبادية يخرجون الى الأديرة  في المواسم وكل فريق يجد فيها ما ينشد وكانت أعياد الاديرة تغذي مشاعر زوارها بالأفراح وتبهج نفوسهم وكانت زخارف هياكلها وصورها الفنية تساعد على تذوق الفن الجميل وللأديرة أثر كبير في العمران وفنونه .

 

المصادر :

1- حضارة وادي الفرات -القسم السوري  عبدالقادر عياش

2-رحبة الميادين تاريخ قلعة ومدينة -جاسم الهويدي

3-الممالك الارامية- علي ابو عساف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password