عشيرة الكوجر من الأكراد

        جاسم العبيد

      كتب الباحث الاجتماعي اليساري التركي اسماعيل بيشكجي قبل 36 عاما ًمن الآن,

حينما اختار عشيرة (ألكان )والتي تنتمي إلى فيدراسيون (اتحاد ) عشائر جوخ سور الكوجرية موضوعاً لبحثه في نيل شهادته الجامعية كباحث في علم الاجتماع ، حيث قال :(عندما وصلت إلى جنوب  شرق تركيا رأيت بعيني وشاهدت بنفسي شعباً له لغة وتاريخ وتقاليد تختلف عما لدينا نحن الأتراك .

وهذا الشعب لا يحمل الاسم الذي يطلقه عليه الأتراك ،فهو لا يسمي نفسه أتراك الجبال وإنما يسمي نفسه – نحن أكراد ).فلا شك بأننا عندما نود البحث في حقيقة المجموعات

السكانية التي مازالت تعيش  بتأثيرات التنظيم العشائري القديم ، فعلينا ألّا نقف عند حدود هذه القراءات السطحية البسيطة والرخيصة ،لأن القضية أبعد وأعمق من هذه النظرة التهميشية غير العلمية .  ويجب ألّا ننسى

بأن التنظيم الاجتماعي الأول (القبيلة –والعشيرة ) والتي هي اللبنات الأولى

والأساسية في تكوين ظاهرة الشعب .  

إن تاريخ عشيرة كوجر الميران هو جزء متواضع من تاريخ مجتمع الكوجر القديم .

إن عشيرة ميران الكوجرية تعتبر مجموعة سكانية اجتماعية لها مميزات وخصوصيات مكتسبة منذ مئات السنين ولها دور وموقع وتأثير في منطقة بوطان ومنطقة ديريك و القرى المحيطة بها والتقاليد والعشائرية كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي مازال مستمرا في كثير من مناطق العالم .

وحقيقة الكوجر الميرانية غير منفصلة عن حقيقة الأجداد من الأكراد الميتانيين والكاشيين والكوتيين لأن البعد الزمني والمكاني غير منفصل بل هو في اتصال حي وعضوي عليناعدم تجاهله، وعشيرة ميران الكوجرية قريبة إلى المجتمع الكاشي من الناحية العرقية والحياتية والثقافية فالكاشيون نزلوا سهول الجزيرة من زاغروس كمجتمع نصف كوجري في نمط  حياته قبل الميلاد ب2500سنة ، ويمكن القول بأن الميران الكوجرية هي من سلالة أو أقرباء الكاشيين من الناحية العرقية لأن المنطقة واحدة والثقافة واحدة واللغة واحدة . ويقول الكاتب الروسي م0 ديكوف حول نمط حياة الكاشيين الاقتصادية والاجتماعية مايلي : يستحق الذكر بأنه في تلك الفترة قبل الميلاد بحوالي 2500 سنة كان رأسمالهم الأساسي هو الماشية خصوصاً  الحيوانات الصغيرة مثل الماعز والغنم وهي جزء أساسي من حياتهم .

 


أما تسمية الكوجر فتعني :الرّحل أو المتنقلين وهي محرفة من كلمة كوجير الكردية ،ومازالت هذه العشيرة محافظة على عاداتها وتقاليدها التي تشبه عادات وتقاليد عشائر بدو العرب الرّحل من طي وشمر وعكيدات

وخاصة في الحياة الاجتماعية النقية من المدنية وحتى الحضارية رغم أن العشيرة  ذابت الكثير من عاداتها وتقاليدها في مضمار الحضارة والمدنية وتقنيات العصر .

الكوجر عشيرة متنقلة في شمال شرق سورية في نواحي ( طبكي – كرزيرو- سيكرا – صور – بانية – شكفتية – بستة سوس – علي كاميش – قلدمان – السويدية )، وهي عشائر جاحي بيرا وغرب العراق و بين مراعي الجبال في مناطق ديريك –المالكية – وفيش خابور وزوزان وزاخو مع قطعان الأغنام والخيل مصطحبة خيمها وماشيتها ومؤونتها لمدة ثلاثة أشهر باحثة عن الماء والكلأ . فهم يذهبون إلى زوزان في أشهر الصيف وينزلون إلى القرى في السهول  أيا م الشتاء .

وتنقسم عشيرة الكوجر إلى فرعين أساسيين هما :

شلد وتضم ( باتيا – كجا – ميسا- رشا – خيركا –  -جوخ سورا – طيا ) وزعيم هذه العشيرة من باتيا ويدعى عمر تمر وتعرف عشائر شلد بشكل عام باسم بوتا نسبة إلى جزيرة بوتان .

جوخ سورا فهي أكثر من عشرة بطون منها (ألكا- دديرا ميرا) وكبيرهم كان حسون رش آغا في زمن العثمانيين ثم انتهى واستبدل بمصطفى باشا أغا الذي أصبح قائدا لكوجر جوخ سور ومن بعده ابنه نايف باشا وتعرف هذه العشائر مجتمعة باسم جاحي بيرا . وتنتمي عائلة مصطفى باشا إلى الطائفة الكردية الأزدية وهي عشيرة دنا المعروفة في شنكال (سنجار ) وأورفة، كما أن أكثر العشائر الكردية الكوجرية الميرانية تنتمي في الأصل إلى الأزدية وهم أقرباء لقبائل دنا الأزدية .   

وكلمة جوخ سور مؤلفة من كلمتين جوخ وتعني بالكردية السترة التي يلبسها الرجال والنساء فوق السروال الكوجري البوطاني وهي مؤلفة من مادة الصوف الكوجري المستعملة من أجل الزينة ويسمونها جوخيك،

أما كلمة سور فهي تعني اللون الأحمر في اللغة الكردية ومن معروف أن اللون الأحمر أو سور هو أجمل الألوان الزاهية عند الكوجر بشكل خاص والأكراد بشكل عام .وقد توفي نايف باشا ودفن على جبل يطل على قره جوك ورميلان وقبره معروف لوحده تحت شجرة على الطريق المؤدية إلى فيش خابور على نهر دجلة .               

وفي شمال كردستان توجد عشيرة ألكا ودديرا في شرنخ .

وفي جنوبي كردستان يقطن الكوجر في قرية علي أغا – ماسكا – شيبانا – سحيلا – وكلهي .

تختص المرأة الكوجرية بأعمال المنزل وبيت الشعر الذي تصنعه من وبر الماعز وتنصبه وتفرشه بتام النظافة والرونق وتقوم برعي الأغنام وحلبها وصناعة الطعام والمؤونة من الحليب ومشتقاته مثل السيرك ولورك وسبلك وشاشي ومهير والزبدة الطبيعية والأجبان بأنواعها  .

وتتميز المرأة الكوجرية بلباسها وزيها الخاص المؤلف من الخفتان الكوجري والكفنك والبشتن وخاصة العجائز منهن .

ظهر منهم مغنين مثل جمال السعدون وروني الجزراوي ونهاد يوسف  وآرام ميرزا وراكان علانة وآزاد فقة وأمين نادر .

 والأغنيات الشعبية الغزلية عند الكوجر تفضل اللون الأحمر في التعبير عن جمال ألبسة الفتيات ولون بشرتهن فهناك مثل شعبي كردي يقول :

(بلا سور بي بلا بينج  قورو شين وي زيدبي  ) , وتعني  : لتكن حمراء ولتكن خمس قروشها زائدة .

 وظهر من المغنين الشعبيين ملا خليل الرائع في أداء الفلوكلور الكردي القديم في المجالس والمناسبات الاجتماعية ، واشتهر بنمط المواويل المعروفة سيرلوك وحيرانوك وبيزوك .

ومن المغنين علي كوهيتا وهو بمثابة الحكواتي والعازف الموسيقي والمثقف عالي الثقافة في الأسطورة والتاريخ والملاحم مثل ملحمة فيروشاه  ورستم زال وبوذة زري .

كما أن نمط الأغنيات والمواويل الشعبية الأصيلة مثل جلبي وسيريلوك وبرويته وسركي زافا، تتردد على أفواه الشباب والفتيات والمعمرين في الأعراس والمناسبات الخاصة .

هناك أغنية ميرانية كوجرية فلوكلورية حزينة ومأساوية على أحداث معركة بستا بلكا تقول :

ربيع ربيع هذه البرية

ترى زهرة نبتة تريا تهلية مخضرة

رب البيت يصيح ربة البيت

لنجهز ضريبة الأميرية

الميران رحلوا من البرية

وضعوا خيامهم في نهر الزهيرية

واجتازوا النهر على السفن الريحانية

الميران تمركزوا على مؤخرة الجبل

الجو مشحون بالعداوة والبغضاء

فليخرب الله  دولة الأمير سيفدين

وضعوا الكمين أمام عشيرة الميران

أخرجوهم من بين البيوت

شباب الميران مزينيين بالشال والشاباك البوطاني

وقد قاموا بالهجوم على جنود الأمير

أولئك من ذلك التاريخ

حتى هذا التاريخ ——- أخذوا عنوان البطولة —–

قمنا بمعركة في أسفل البيوت على التلال

الحيف – وثلاثمئة مرة نقول ياخسارة ونتاسف

قتلوا عمره سليمانا في موقع داره غزلانا

نهر بستا بلكا مملوء بالماء

الراكبين والمشاة  دخلوا فيها

صاحب الكلاف وضع كل ثقله في المعركة

اكتمل جسر باكوس بشكل جميل

ووقف عليها بادرة غزالة حاملا سيف ولو

واستهزأ بشاهين أغا البرواري منادياً

هل تستطيع أن تقابلني يا آكل البريء

أما العلاقة بين عشائر الكوجر وعشائر بدو العرب فقد كانت ودية وطبيعية وحميمة ،وقد لجأت بعض العشائر البدوية العربية إلى عشائر الكوجر طلباً للمساعدة في أوقات المحن والصراعات الدموية.

 فمثلا لجأت عشيرة شمر العربية إلى كوجر الميران لمساعدتهم وحمايتهم أثناء الصراع الدائر بينهم وبين فيدراسيون عشائر الملان في السنين الأخيرة من عمر العثمانيين ، وقد كان إبراهيم اْغا بن مصطفى باشا على رأس قوة الميران التي ساعدت قبيلة شمر ضد تحالف عشائر الملية . 

كما أنهم ساعدوا عشيرة الجوالة من طي في تلك المرحلة وذهبوا معهم إلى جبال زوزان مع مواشيهم .كما أن شيخ شمر صفوك الجربا التجأ إلى أمير الجزيرة لخلاف بينه وبين نجيب باشا والي بغداد .

ومع تطور الحضارة المعاصرة فعشائر الكوجر مازالت محتفظة بكثير من عاداتها وتقاليدها وأعرافها من كرم وجود وشهامة ومروءة نادرة .

____________________________________________________

المصادر :

1- سطور منسية من حياة المجتمع الكوجري – حسين شاويش

2- دراسات كردية – مجلة .

 3- زيارات لبيوت الكوجر والسكن معهم لفترة سنين (الباحث )

      

 

 

 

 

      

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password