قصر أوركيش الملكي وابنة نارام سن

قصر أوركيش الملكي وابنة نارام سن

جورجيو بوتشيلاتي ومارلين كيلي بوتشيلاتي

UCLA جامعة كاليفورنيا ـ لوس أنجلوس

 

      ياسر شوحان

يمكن التعرف بسهولة على مدى أهمية نتائج موسم التنقيب الثاني عشر في تل موزان بمقارنة المعلومات التي أصبحت بين أيدينا اليوم عن أوركيش بما كان معروفاً قبل بدء تنقيباتنا. لقد كان الرأي السائد في السابق أن أوركيش ليست سوى مملكة صغيرة ثانوية نشأت بعد سقوط الأكاديين، لكن هذا الرأي يجب أن يتغير بشكل جذري. فأوركيش كانت مركزاً سياسياً هاماً، على الأقل في زمن نارام سن، طالما أن ابنته كانت موجودة في أوركيش بصفتها ملكتها على الأغلب. ويبدو أنها عاشت في المبنى الملكي الذي كان للملك توبكيش والملكة أوكنيتوم، وهو المعروف اليوم على أنه كان قصراً مجهزاً بشكل كامل، وأنه أحد أكبر القصور في منطقة سورية الرافدية القديمة وأجودها من حيث الحالة الفنية. ويبدو أن أوركيش كانت طرفاً أساسياً على مسرح الأحداث السياسية في سورية في الألف الثالثة، وربما تكون قد ارتبطت بتحالف عن طريق الزواج مع الملك الذي تبجح بأنه هو الذي دمّر إبلا.

كما يبدو أنه كان للحاكم المحلي_حتى قبل هذه الفترة _نفوذ سياسي واقتصادي لبناء قصر بهذا الحجم الكبير.

إن ختم ترعام أكَادي ابنة نارام سن كان مطبوعاً على عدد من أختام الأبواب التي كانت ملقاة، وعثر عليها مع أختام أبواب أخرى معاً ما مجموعه 200 ختم. إن المشهد المركب هنا (الشكل 1) هو عبارة عن مشهد مصارعة حيوانية مثالي مع الرجل الثور الذي يصارع أسداً، وبطل يقاتل ثوراً. وهناك أختام أخرى تتعلق بأفراد بيت أكاد الملكي، فيدل مثل مشهد المصارعة هذا على الأفراد الذين يتبوأون منصباً سياسياً أو إدارياً، بينما الأختام العائدة للأميرات اللاتي يعملن ككاهنات فلديهن مشاهد أخرى. هذا العنصر القوي المؤيد للاستنتاج يدل على أن تارام أغادي لم تكن في أوركيش ككاهنة، ولكنها كانت فيها كشخصية سياسية وعلى الأغلب كملكة متزوجة من الحاكم المحلي. كما أن النقش الذي يحمله ختمها لا يشير إلى هذا أيضاً، لكنه يشير إليها فقط كإبنة نارام سن. ومثل هذا الإغفال عن اسمها قد يوضح بأن هذا الختم يعود إلى سنواتها الأولى و/أو أنها احتفظت بالحكم الذاتي في أوركيش والذي يعرّفنا ببساطة عن وجودها.

الشكل 1: طبعة ختم تارام أغادي ابنة نارام سن (رسم بيترو بوتزي).

 

الختم الثاني في المخبأ يعود لأوريم أتال (الشكل 2)، ويمكن تفسير اسمه على أنه اسم حوري جيد، وهذا أمر رائع عند النظر إلى كلٍ من مشهد الختم والسياق الذي تم العثور عليه فيه.

أولاً: يحمل الختم صورة صراع آخر لزوج من الأبطال تُظهر قتالهما للثور. هذا الترتيب ـ وإن كان بأشكال مختلفة ـ يظهر ختمين أكاديين هامين مرتبطين بأبناء نارام سن أوكين أولمش وبن كالي شري. ثانياً: حقيقة أن طبعات الختم عن أوريم أتال تم تجاهلها مع تلك الخاصة بتارام أغادي، وتعني ضمناَ أنها استُخدمت ضمن وظيفة إدارية متشابهة، بل وربما متماثلة. مثل هذه العلاقة الوثيقة لفردٍ مقيم في أوركيش وواحد آخر يحمل اسم حوري مع بيت أكاد ليس من قبيل الصدفة. وتشير إلى علاقة ارتباط بين الهويات العرقية وليست مجرد أسماء أعلام متطابقة، والتي تدعم أيضاً فكرة أن تارام أغادي كانت موجودة في أوركيش كملكتها وأن نارام سن اختار سياسة التحالف مع هذه المملكة.

الشكل 2: طبعة ختم إيوريم أتال، وجدت في نفس المخبأ مع طبعات ختم تارام أغادي (رسم بيترو بوتزي).

الختم الهام الثالث هو ختم إشار بيلي وهو إسم أكادي (الشكل 3). (تجدر الإشارة إلى أن موظفاً مهماً في قصر أكاد الملكي يحمل الاسم نفسه ومعروف من خلال وثائق مختلفة تظهر مكانته في أكاد، لذلك لا يمكن الجزم أنه الشخص نفسه هنا أيضاً) ولكن في حين أن الإسم أكادي فإن أيقونة الأختام تضعه بشكل مباشر شمال شرق سورية. إذ أنها تُظهر موازاة متساوية نحو إلهِ جالس ويبدو وكأنه يقدم لحيوان شيئاً له ثلاث شوكات. الإله الواقف يقود الآخر نحو الإله الرئيسي الجالس. الإله الاخير على اليسار يحمل في ذراعيه مُهراً صغيراً، وتحت النقش يرتفع رأس جاموس نحو المُهر. المشهد رائع بتفاصيله الحرفية والسيطرة على التصميم. الحيوانات الثلاثة كلها في حركة، مع خطوط قُطرية متعامدة بشكل حاد مع الخطوط الأفقية الثابتة للآلهة. كما أن المساحة الفارغة الواسعة حول الحيوانات الكبيرة تُسلط الضوء على مكانتها المركزية في المشهد العام، وكذلك العلاقة المتوترة بين الجاموس والمُهر الذي يرتبط بعلاقة فنية متساوية مع الإله الجالس، وكل منهما يحدق مباشرة في الجانب الآخر.

 

الشكل 3: طبعة ختم إيشار بيلي، وجدت في نفس المخبأ مع طبعات ختم تارام أغادي (رسم بيترو بوتزي).

إن أختام الأبواب الموصوفة قبلاً تعود إلى مخبأ موجود في الغرفة H2 بالقصر الملكي. ومن خلال هذا المخبأ نُشير إلى مجموعة متجانسة من المواضيع الفردية والأولية التي عُثر عليها بشكل عَرضي. بمعنى آخر مجموعة من بقايا الأختام التي تم جمعها معاً ثم رميها دفعة واحدة في نفس المكان الذي عثرنا عليها فيه. وبالحقيقة فإن كونها هشة للغاية ومحفوظة جيداً بشكل نسبي هو السبب الرئيسي وراء استنتاجاتنا أنها لم تنتقل من مكان إلى آخر بعد إلقاءها. وهذا أمر مهم من حيث أن المخبأ كان مفهوماً من قبلنا، ويخدم حتى الآن ما تم العثور عليه. إنها أرضية مهشمة من الجناح السكني للقصر، أي بمعنى آخر أنها المنطقة التي تم التخلي عنها كسكن مؤخراً. ونستنتج أن ختم الباب كان يُستخدم لإغلاق باب القصر في منطقة لم تتعرض للتلف أو التخلي عنها، ثم أُلقي بعيداً عن مكان وجوده الأصلي بالقرب من مكان وجود الباب منذ أن أصبح التراكم في مخبأ تارام أغادي على سطح الأرض التالفة، في حين أن طبقات ختم توبكيش / أوكنيتوم كانت جزءاً من تراكم منتظم فوق أرضيات القصر نفسه (وإن كان في جناح مختلف)، ولا شك من أن تراكمات توبكيش / أوكنيتوم تسبق مخبأ تارام أغادي.

من المهم أيضاً ملاحظة ما يلي عن الطبقات. في حين تم التخلي عن الجناح الرسمي AF للقصر، وذلك طبقاً لدلائل الأحداث التي لدينا التي نجمت عنها أضرار بالأرضيات، فقد استمر استخدام الجناح الخدمي AK على الرغم من عدم وجود أي من الوظائف التي وصفته بأنه جزء من القصر. ومن هذا نستنتج حقيقة أياً من المنشآت الموجودة في الطبقات السفلى لا تزال في الطبقات العليا. ومن ناحية أخرى فمن المؤكد أن AK كانت مأهولة بشكل منتظم، وبعبارة أخرى أن التوضعات داخلها ناتجة عن تراكم منتظم داخل مبنى مسقوف وليس تراكم بقايا عشوائي. وبما أن ارتفاع هذه التوضعات يصل إلى 2 متر، فيمكننا أن نستنتج أن فترة استخدام المبنى بدون القصر كانت طويلة إلى حد ما. ويتم تلخيص هذا الموقف في الرسم البياني في (الشكل 4).

 

الشكل 4: تسلسل ستراتيغرافي A للمنطقة AA: مراحل.

لقد كان للتسلسل الزمني (الكرونولوجيا) الناتج والمتزامن مع فترة نارام سن تأثير كبير على تقييمنا للكم الهائل للمكتشفات من القصر. وهاماً بشكل خاص فيما يتعلق ببيانات الفخار، حيث لدينا في الوقت الحاضر ما مجموعه حوالي / 125000 / كسرة تم تحليلها وما زال هناك حوالي / 25000 / كسرة قيد المعالجة. ويُظهر تسلسل تأريخ هذه الكسر درجة كبيرة من الاستمرارية في الألف الثالث قبل الميلاد كما هو موضح في المثال في الرسم البياني في (لشكل 5). هنا شريط الرسم البياني في الشكل المسمى بـ ” منحنيات السفينة الحربية ” يسلط الضوء على الزيادة النسبية التدريجية للتركيبات المختلطة، على العكس من الانخفاض التدريجي للأشياء المشتركة والتي قد تكون مؤشراً على التغيير في وظيفة المبنى خلال تقدم الزمن (يقوم أحد الكتّاب (MKB) بإعداد دراسة كاملة عن هذه البيانات).

الشكل 5: توزع الفخار للأسر والمراحل: CT = طين خفيف ممزوج، FB = ناعم مصقول، IMP = مستورد، PT = حصى خفيف.

نشعر الآن أنه يمكننا النظر بأمان في المبنى الملكي الكبير في المنطقة AA من القصر الملكي. لقد أظهر وجود طبعات عديدة من الأختام الملكية منذ البداية أن هذا كان مبنىً ملكياً وأن اكتشاف طبعة ختم تارام أغادي يعزز هذا التفسير. كان من الواضح أننا كنا نحفر في مبنى كبير الحجم جداً ومصمم بشكل فريد للغاية. لكننا امتنعنا عن اعتباره قصراً حتى تظهر أدلة أكثر تحديداً. حيث سيُنشر تحليل موجز لمخطط بناء المبنى (الشكل 6). المبنى الذي قمنا بالتنقيب فيه بالكامل تقريباً حتى الآن والأكثر تعقيداً هو جناح الخدمة الخاص (AK). المكونات الأخرى للمبنى والتي بدأت بالظهور في التنقيبات هي: (1) ـ الفناء الكبير إلى الشمال في القطاع F. (2) ـ الجناح الرسمي إلى الشرق في القطاع H. (3) ـ بعض الهياكل المعمارية الهامة فقط خارج القصر، ولكن من المحتمل أن القطاعان X و W مرتبطة به، وسنتحدث باختصار عن كل من هذه المناطق الثلاث وسوف نقدم أيضاً النتائج الرئيسة لعمليات التنقيب داخل جناح الخدمة AK في القطاع C.

الشكل 6: المخطط العام للقصر الملكي والمنطقة AA.

1 ـ لم يُعرف الفناء إلى الشمال من جناح الخدمة AK المسمى بالقطاع F إلا على جانبيه الجنوبي والشرقي. ولم نعثر بعد على حدوده الشمالية، على الرغم من أن الترتيب المتماثل كما هو متوقع في المخطط الأرضي يوحي بأن الجدار الشمالي يجب أن يكون حوالي 16 متر من جهة الجدار الجنوبي للفناء. لقد اكتشفنا أرضية جيدة مفروشة بالحصى يبدو أنها بمثابة ممشى على طول الجدران المكشوفة. تشير الدلائل إلى أن هذا الحصى هو بالفعل بداية المرحلة غير التابعة للقصر 3. في أسفل أرضية الحصى يوجد رصيف من اللبن المشوي لم تتعرض حدوده للكشف إلا بشكل محدود، ويبدو أنه يتناسب مع أرضية الحصى المتراكبة. هذا الرصيف المرصوف باللبن المشوي هو بالتأكيد الأرضية الأولى من المبنى. وبالتالي فهو يمر بالمرحلة 2. كان المدخل الكبير بين القطاع F والغرفة G1 يؤدي الوظيفة نفسها مثل المداخل الكبيرة المؤدية إلى الغرف D2، A2، B2 و C2 في جناح الخدمة. ولم يكن لديهم لوحات الأبواب وكانت بمثابة مداخل لغرفة مغطاة مثل الشرفة في نمط الإيوان. كان المدخل الكبير بين F و G1 يحتوي على منصة جميلة من اللبن المشوي الذي يحيط الجدار الجنوبي كما لو كان يدعم جسماً معيناً. ومن المفاجئ للغاية هو عدم العثور على جدار على الجانب الغربي من الفناء بين القطاعين F  و E بحيث يتطابق مع الجدار بين القطاعين F و G. ومن خلال أعمال التنقيب التي أجريناها حتى الآن فإنه لا يوجد أي أثر لمثل هذا الجدار مثل ما كان من المفترض أن يظل إذ قد تمت إزالة الجدار قديماً.

2 ـ الجناح الجديد إلى الشرق، نحن نعرف حتى الآن القطاع الوحيد H. نفترض أنه جزء من جزء من الجناح الرسمي للقصر بسبب الجودة العالية لطبقاته ولأنه يرتفع بمقدار 2 متر فوق مستوى جناح الخدمة AK. ونستخدم مصطلح ” رسمي ” للإشارة إلى الوظائف الاحتفالية والسكنية والإدارية التي كانت موجودة في القصر، يحتوي المصطلح على تكافؤ عام يقابله جناح ” الخدمة ” ويهدف إلى ترك المجال مفتوحاً لتحديد أي من الفئات الثلاث المحددة قد يكون مؤهلاً في هذا الجزء الخاص من القصر. وقد تم بناء القطاع H معاً في نفس الوقت الذي كان فيه جناح الخدمة AK. ويستنتج منه: (1) ـ حقيقة أن الجدار بين القطاعين C و H هو جدار جزئي مشترك بين جانبي المبنى. (2) ـ التشابه في تكوين البنية تحت الأرضيات في القطاع H وجناح الخدمة AK بشكل كامل. (3) ـ حقيقة أن الجدار الجنوبي للقطاع C والجدار الغربي للغرفة H1 يتقاسمان نفس الرصيف عند قاعدتهما خارج المبنى. الأرضيات في المنطقة التي تم التنقيب عنها حتى الآن هي ذات جودة أفضل بكثير من تلك الموجودة في الجناح الخدمي AK. ويتكون الرصيف في الغرفة H3 من البلاط الجميل، أما الغرفة البيضاء H1 فهي ذات بلاط يشبه الطبقة الجيرية حوالي 15 سم، وقد تضررت مع الرصيف قديماً. ويبدو كما لو أن الجدار الجنوبي للغرف H1 و H2 أصبح أوسع تجاه الشرق، حيث أننا هنا بالقرب من السطح، ولا نعرف عن الجدران إلا القليل جداً، وبالتالي فليس من الواضح في هذا الوقت ما إذا كان هذا مجرد اتساع لاستيعاب البنية المعمارية قبل وجود الغرفة W أو ما إذا كان المقصود من الجدران أن يخدم غرضاً مرئياً خاصاً، ولربما إكساء المدخل الضخم، ولحل هذه المسألة يجب إجراء المزيد من التنقيبات في الشرق.

3 ـ في الجنوب توجد منصة وهيكل من الأضلاع المعمارية خارج القصر مباشرة، ولكن يبدو أنهما مرتبطان به. أحد أسباب هذا الافتراض هو أن كلا البنيتين المعماريتين كانتا موجودتين سابقاً في القصر وشكلتا تخطيطاً له. تم وضع المنصة (القطاع X) في مكان هش من الناحية العمرانية الأمر الذي أدى إلى حدوث خلل في الجدار، ويتطابق كل من الإنشائين مع جدار متناظر له داخل المبنى (الجدران الشرقية للغرف C3 و C2). نحن نعلم أن المنصة بنيت قبل القصر، لأن الأرضية التي تتاخم قاعدتها أدنى من الصرف الذي يخرج من مبنى جناح الخدمة AK الغرفة C2. ومن هنا يبدو أن الجدار الجنوبي من جناح الخدمة AK قد تم بناؤه من حيث إظهار الاحترام للمنصة التي بلا شك أن لها وظيفة إيديولوجية خاصة. ويبدو أن مستوى هذه الأرضية المبكر يتطابق من حيث الارتفاع مع الأرضيات المبكرة للهيكل المضلع W (حيث لم يتم الوصول إلى الأرضية الأدنى حتى الآن، وبالتالي عدم اليقين). ومن الممكن بالتالي أن المنصة X2 وبنية الهيكل المضلع W قد تعاصرتا في وقت واحد وتقدمان وظيفة احتفالية على السواء. الهيكل المضلع ذو نوع فريد في عمارة الألف الثالث في بلاد الرافدين مثلما نعلم، ونحن لا نعرف في هذه المرحلة ما هي وظيفته (ممكن أن نعرف وظيفته عندما نصل إلى الأرضيات الأدنى، ولكن يبدو أيضاً أنه ليس من السهل معرفة ذلك من خلال تنظيم جدران القصر لتمديد الجدار الجنوبي الممتد بين AK و AF مع انحراف طفيف بالزاوية بحيث يتوافق مع اتجاه الهيكل المضلع واستمرار الجدار الجنوبي من H1 يتبع الخطوط المعمارية الخارجية للهيكل المضلع أيضاً. وإذا كان مدخل القصر بالفعل في الغرفة H4 كما هو مقترح مبدئياً في مخططنا فمن الممكن أن تكون المنصة والهيكل على طول طريق ممشى الاحتفالات إلى القصر وما بعده وحتى إلى المعبد BA على قمة التل. لكن هذا يبقى حتى الآن مجرد تكهنات.

4 ـ داخل جناح الخدمة AK لا يزال هناك بقايا تنقيب لجزء من القطاع C. بعد أن عُثر على الجدار المحيط المتجه إلى الشرق إلى حد أبعد مما كنا نتوقعه، واضطررنا إلى توسيع أعمال التنقيب من الوحدة A10 إلى القطاع H، وفي النهاية لم نتمكن من الوصول إلى الأرضية الأولى وجميع الغرف C1 و C2. وأحد الأسئلة التي لا تزال مطروحة لدينا هو حول إمكانية وجود ممر بين الغرف C4 و H5 ونحن نشير إلى المخطط الأرضي لأن هناك كسر في اللبن والأهم من ذلك كسر في البنية التحتية الحجرية كذلك. وإذا كان الأمر هكذا فيجب أن يكون هناك درج يربط فيما بين الارتفاعين بين الغرفتين ولكن هذا لا يبدو مرجحاً لأن المدخل سيكون في منتصف الغرفة C4. كما يبدو من المشكوك فيه أنه يجب أن يكون هناك مدخل آخر في القطاع C، وهو المدخل الذي يخضع لحراسة مشددة من قبل الغرفة C7، وسيتم تسوية المسألة بسهولة حيث نقوم بالتنقيب أكثر في الغرفة C4 والوصول إلى الطبقة الأولى. ومن المحتمل أن تكون هناك فرضية مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بوظيفة هذا الجزء. ففي الغرفة C2 وجدنا حوضاً كان مكسواً بطبقات من الصلصال الناعم. وقد وصلت هذه الطبقات على الجوانب الداخلية وتم صقلها على طول السطح الخارجي. ولم يكن هناك أثر للبذور، ولا يوجد أي أثر للمطاحن داخل الحوض أو في جواره المباشر، بحيث تبدو إمكانية استخدامه لأغراض الطهي مستبعدة. إلى الغرب من هذا الحوض منصة صغيرة (في أعلى قناة التصريف). وأظهر تحليل للصلصال الموجود في الحوض أنه مطابق لتلك الموجودة في الأختام والرُقُم الطينية الموجودة في مكان آخر في القصر. تم العثور أيضاً على نصف رُقيم طيني بجوار الحوض (على الرغم من أن تكوين الصلصال كان مختلفاً في هذه الحالة). وأيضاً أهمية الحوض في الإيوان C2. في المقام الأول بجوار غرفة حيث تم استخدام المياه (بسبب التصريف) في حين أن دعامة اللبن المشوي في C6 هو على الأرجح مرحاض، قد يشير وجود التصريف إلى أن المياه كانت تستخدم لأغراض أخرى كذلك. ثانياً: الحوض موجود في إيوان يتجه للشمال بشكل مثالي، بمعنى آخر أنه يتعرض للضوء بشكل متساوي. وأخيراً تم وضع الحوض بحيث يحد من الوصول إلى الغرفة C1، خاصة وأن الباب مفتوح تماماً في اتجاه الحوض. قد يُشير هذا إلى أن الحوض له أهمية مركزية لاستخدام الفراغ. من كل هذا نستنتج أن الحوض قد تم استخدامه كجزء من تحضير الرُقم الطينية. وإذا كان الأمر كذلك فإن الطين كان يُجهز في الحوض لاستخدامه في تحضير الرُقُم الطينية والأغلفة الخاصة بها، وكان الطين سيظل رطباً في أكياس من الخيش (قد يكون هناك في الواقع أثر في طبقات مختلفة من الحوض) وقد استُخدم من قبل الكتبة الذين يجلسون على منصة بجانب الحوض.

كما قلنا في البداية فإن النتائج التاريخية لأعمال التنقيب التي قمنا بها في عام 1999 في قصر أوركيش الملكي هي في الواقع من الأهمية بمكان لفهم جديد للتاريخ السوري القديم. وتظهر أوركيش كأول مملكة سورية متحالفة مع نارام سن، نعرف من مصادر وطرق مختلفة أن ماري وناغار (براك) وإيبلا قد خضعت لحكمه (أنظر الشكل 7). وأوركيش ليست كذلك إذا كان فهمنا لتارام أغادي كملكة متزوجة من حاكم محلي ـ إذا ثبتت صحتها ـ في إعادة تشكيلنا لوضع الحالة الجيوسياسية بشكل عام، واستراتيجية نارام سن بشكل خاص، كانت أوركيش مدينة في أقصى السهل الشمالي الذي سيطر على المناطق الجبلية إلى الشمال حيث لم تكن هناك مراكز حضرية كاملة قد تطورت بعد. كان على أساس الخلفية الحورية أن أوركيش كانت قادرة على السيطرة على المرتفعات، ويبدو أن نارام سن قد شعر أن غزو هذه المنطقة لم يكن ممكناً بقدر ما كان موجّهاً نحو المدن التي كانت قائمة على أرضية منخفضة. وكبديل عن الغزو اختار قبول التحالف  (كما نعرف أنه فعل ذلك مع عيلام في ظل ظروف مماثلة) عن طريق المصاهرة. هذا الفهم التاريخي للأحداث، التي ترغب بالتشديد عليها مرة أخرى، يستند إلى افتراض أن تارام أغادي هي كانت بالفعل كملكة لأوركيش. والتي قد لا تزال تدحضها اكتشافات أخرى. حتى في هذه الحالة فإن خلاصة نتائج حفريات عام 1999 في القصر هو أن أوركيش أصبحت الآن وبشكل واضح مركزاً سياسياً كبيراً في ذروة مجد العصر الأكادي وتوسع سلالة أكاد إلى الشمال والشمال الغربي.

الشكل 7: الحملات العسكرية والتحالفات، حملات نارام سن العسكرية وتحالفات أكاد.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password