صفعة مزدوجة لتركيا بعد اتفاقية منبج

 

لزكين إبراهيم

يتجه مسار التطورات في الشمال السوري نحو مزيدٍ من تشابك المصالح، وتقلّب التحالفات على نحوٍ يشرّع الأبواب على الكثير من الاحتمالات. نقطة تأزيم جديدة انفجرت في مدينة منبج، بعد فترة وجيزة من احتلال تركيا لعفرين، في دلالة واضحة على أن سياسة التفاهمات المؤقتة، ورسم خطوط تماس هشّة لا تكفي لسحب فتيل الصراع بين مختلف الأطراف، ولكن التقاربات الأخيرة بين روسيا وأمريكا حول ملف الجنوب، والتصريحات المتبادلة بين النظام السوري والإدارة الذاتية الداعيتان لمفاوضات بدون شروط نبهت تركيا أنها على وشك تلقي صفعة مزدوجة قد ينهي دورها في المنطقة.

وسط هذه الأجواء الساخنة، تبدو تركيا المأزومة  داخلياً وخارجياً؛ كأنّها تنزلق نحو خيارات جنونية، فالمغامرة في هدم التوازنات الدقيقة في منبج، واكَبَها تسخين داخليٌّ في ظلّ أجواء شديدة التوتر، مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية المبكرة.

ولا يخفى على المتابعين أن ما يتعلق بتهديدات أردوغان حول الهجوم على منبح وشمال سوريا، هي عنتريات تتعلق بالانتخابات، ويدرك أردوغان أنه لا يمكن أن يطبق تجربة عفرين على منبج لأن طموحات أنقرة في منبج تتعارض مع حسابات القوى الكبرى، ويقول خبراء عسكريون إن التصريح شيء والقدرة على الفعل شيء آخر، مشيرين إلى أن مسألة التقدم صوب منبج، لا يمكن أن يتحقق ما لم يسبقها اتفاق مع الجانبين الأميركي والروسي معاً.

وتعلم الإدارة الأميركية جيدا أن لتركيا طموحات كبيرة في سوريا، وربما تتعارض معها على الأمد البعيد، بيد أن الرهان على وحدات حماية الشعب، التي تقود قوات سوريا الديمقراطية، تعتبرها واشنطن على المدى البعيد مثمرا ًأكثر، ليس فقط على مستوى محاربة داعش، وأيضا لحسابات سياسية وترتيبات مستقبلية تتعلق بالنفوذ الأميركي في شرق سوريا، لذا فإن تركيا ليست لديها خيارات كثيرة وآمنة في الملف السوري، وهي ملزمة بإعادة تصويب العلاقة مع موسكو التي شهدت في الفترة الأخيرة فتوراً، انعكس في مؤتمر أستانة الأخير.

وفي المقابل تدرس واشنطن مسألة العلاقة مع تركيا برمّتها، قبل المضي في التوقيع على الاتفاق حول منبج؛ فقرار تركيا الأخير شراء نظام الدفاع الصاروخي أس-400 من روسيا، أنذر أميركا بضرورة عدم السماح لأنقرة أن تنزلق إلى الحضن الروسي، الأمر الذي كان سببُه بالأساس تصاعُدُ الخلافات التركية الأميركية، بعد دعم الأخيرة لوحدات حماية الشعب منذ 2015 لدحر تنظيم داعش في سوريا.

وتهدد واشنطن بتعطيل اتفاقية تسليم تركيا الدفعة الأولى من صفقة طائرات أف-35 ؛ بسبب التقارب التركي مع روسيا؛ لكن جاويش أوغلو ألمح إلى أن المنسحب من الاتفاقية سيواجه عقوبات قانونية، تركيا يمكنها أن تحصل على طائرات من روسيا وحلف الناتو.

في المقابل، فإن هذا الاتفاق الحاصل بين واشنطن وأنقرة حول منبج، يشكّل صفعة مزدوجة للجيش التركي ومن ورائه سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان، لأنه من جهة خلق خطاً عازلاً بين قواته وبين قوات «قسد» باعتبار الاتفاق ينص على نشر نقاط مراقبة أمريكية على طول الحدود الفاصلة بين قوات مجلس منبج العسكري ومجموعات ماتسمى “درع الفرات” المدعومة من تركيا، ما يعني أن أي تقدم باتجاه منبج سيعني الاصطدام مع أمريكا، والصفعة الأخرى هي الاتفاقية التي جرت بين تركيا وروسيا، وبضوء أخضر أمريكي عقب معركة الباب التي احتلتها تركيا بعد معارك شكلية ومسرحية مع داعش التي انسحبت منها فيما بعد، والتي بموجبها قطع جيش النظام السوري حينها الطريق الممتد جنوب الباب وصولاً إلى ريف منبج. ومآل ذلك أنه لم يبق أمام تركيا أي طريق تسلكه نحو منبج لأنها لا تستطيع الاصطدام مع الجيش السوري لأن الاتفاق جرى بواسطتها حينها، وأنقلب الاتفاق عليها اليوم فبينما وافقت تركيا على دخول قوات النظام على الخط لمنع تقدم قسد صوب الباب، بات هذا الاتفاق اليوم عقبة أمام وجه تركيا وتكبل أي محاولة تقدم لها، وهذه الاتفاقيات كشفت أن كلاً من موسكو وواشنطن غير مستعدتين لمسايرة المصالح التركية إلا في حدود ضيقة جداً.

وليس هذا وحسب ما أثار الجنون التركي الأخير، بل أمر آخر يخيف تركيا اليوم إذ من شأنه أن يفرغ احتلالها لعفرين من أي مضمون استراتيجي. فأنقرة غير متيقنة من طبيعة الاتفاق الذي جرى مع واشنطن حول منبج، وتولدت لديها مخاوف كبيرة من إمكانية حصول «قسد» على ممر ضمن مناطق سيطرة الجيش السوري في جنوب الباب نحو عفرين وإدلب وهو ما يعني عملياً إخفاق هدف تركيا المعلن من وراء احتلال عفرين المتمثل بمنع وصل هاتين المنطقتين، وتزداد مخاوف تركيا من التصريحات الأخيرة المتبادلة بين النظام السوري والإدارة الذاتية الكردية الداعيتان لمفاوضات بدون شروط مسبقة، ما يعني أن كل الاحتمالات مفتوحة في حال جرى مفاوضات رسمية بين الطرفين بضوء أخضر أمريكي – روسي، اللتان تتقاربان أيضاً على خلفية اتفاقية الجنوب السوري ورغبتهما في تحجيم الدور الإيراني في سوريا عامة وعلى حدود اسرائيل خاصة.

من جهة أخرى، وفي دلالة واضحة على حجم المأزق الذي تمر به السياسة التركية واضطرارها إلى رمي أوراقها دفعة واحدة، كان من اللافت أن تتزامن تطورات منبج مع تطورات أخرى شهدها إقليم كردستان العراق؛ حيث دخلها الجيش التركي معلناً أن هدفها الهجوم على جبال قنديل ( المعقل الرئيسي لحزب العمال الكردستاني)، ما ينذر بحدوث معارك طاحنة وأزمة جديدة في المنطقة برمتها.

هذا التصعيد التركي، ينمّ عن حالة التخبط التي تعيشها الحكومة التركية في ظلها، والتي يمكن أن تدفعها لتبني خيارات انتحارية، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة، والذي يبدو حسب استطلاعات الرأي الأولية أنه لا يحظى بالتأييد الشعبي الذي يتمناه أردوغان.

فيما يرى مراقبون أن  «الأجواء في تركيا توحي بمناخ الحرب سواء داخلياً أوخارجياً في حال فاز أردوغان أو لم يفز في الانتخابات». ونفهم من ذلك أن المستقبل الذي تنتظره تركيا سيكون دموياً وأن الرياح تجري بما لا تتمناها تركيا.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password