معبد عين دارة … حيث التاريخ لا يُمحى بإصبع..

الآثاري: ياسر الشوحان

        في بقعة من بقاع سورية الجميلة ثمة آثار كانت تحكي فصولاً طويلةً من تاريخ الإنسان ، حيث هي منطقة الصراع القديم ومنطقة السلام الأقدم … إنها عين دارة .

        في منطقة شمال غربي حلب وعلى مسافة ليست أكثر من ( 5 ) كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة عفرين ، تقع عين دارة التي جاء اسمها من اسم النبع الذي يقسم المدينة إلى قسمين، ليصب أخيراً في نهر عفرين إلى الغرب من التل الأثري ودارا هو الملك الفارسي داريوس .

        يتألف هذا الموقع الأثري الهام من جزأين : الأول يعود بتاريخه إلى العصر الحجري الحديث ( النيوليت ) أي ما بين نهاية الألف التاسع وحتى بداية الألف الثامن قبل الميلاد ، حيث أظهرت التنقيبات الأثرية فيه  وجود مستوطنة زراعية عثر فيها على العديد من الأدوات الحجرية الصوانية التي كان يستخدمها الإنسان القديم ، في حين أن الجزء الثاني هو المعروف بتل عين دارة، والذي تزيد مساحته عن ( 7.5 ) كم2 ، يتربع عليه معبده المعروف في أقصى شمال التل ، والذي كُرِّس لعبادة الربة عشتار ورب الجبل أو إله الطقس في آن واحد .

تاريخ المعبد :

        لم يتفق الآثاريون كثيراً حول تحديد دقيق لتاريخ المعبد ، إذ تُشير بعض المصادر إلى تأريخه للفترة الآرامية أي بحدود ( 1200 ـ 800 ) قبل الميلاد ، بينما يسود رأي آخر يُرجعه إلى نمط الأبنية الحوري ـ ميتانية وهو المرجح ، إذ أن تصميمه المعماري موازٍ لأبنية أخرى متعددة في الشمال السوري، وتعود إلى فترة ( 1200 ـ 700 ) قبل الميلاد ، ورغم هذا الاختلاف الطفيف في التأريخ، إلا أن هناك ما يجزم وجوده في الألف الأول قبل الميلاد وهي عبارة عن أجزاء من الرُقُم المكتوبة بالهيروغليفية الحثية ، وإن كان قد بُني قبل هذا التاريخ فإنه على الأرجح لا يزيد عن مئتي عام عنها مستدلين بذلك على نمط البناء والممرات المزينة بتماثيل الأسود والحيوانات الأسطورية المجنحة .

        ومما شاع خلال تلك الفترة في تزيين المباني لم يقتصر فقط على معبد عين دارة فقط وإنما هذا التزيين قد عرفته أبواب قصر كركميش ( جرابلس ) ومعبد ألالاخ ( تل العطشانة ) ، حيث زُينت المداخل بتماثيل الأسود البازلتية وحيوانات أخرى ذات هدف تدعو الزائر لاحترام المكان وتضفي على المبنى طابع الهيبة والقوة . كما عرفته حضارة تل حلف قبلها .

        ومما تجدر الإشارة إليه أن الموقع ككل ذو تاريخ طويل من السكن إذ لم ينقطع الاستيطان فيه منذ الفترة الآرامية المتأخرة وحتى العصر المملوكي مروراً بالفترة الإخمينية البارثية والفترة السلوقية والرومانية البيزنطية ثم العصر الأموي فالعباسي .

 

وصف المعبد :

        على الرغم من أن عمر المعبد لم يدُم أكثر من مئتي عام ( 950 ـ 740 ) قبل الميلاد نتيجة تدميره الأول في ذلك الوقت ، إلا أنه يُعد البناء الأكثر أهمية في التل الأثري ، فمساحته البالغة ( 1216 ) م2 بأبعاد ( 32 × 38 ) م بمصطبة ترتفع عن محيط البناء حوالي ( 40 ) سم وهو ذو باحة كبيرة مرصوفة بالحجارة الكلسية والبازلتية المجلوبة من المناطق القريبة ، ويتوسط هذه الباحة الحوض المائي المُعد للوضوء مع بئر المعبد ، ومن ثم يتم الدخول من الباحة الرئيسة إلى مدخل المعبد بدرج بازلتي مزين بنقوش الضفائر ، وهذا الدرج لا يزيد ارتفاعه عن ( 70 ) سم ، ويتوسط هذا المدخل عمودان من الحجر كانا يحملان ساكف سقف المعبد .

        على جانبي المدخل تمثالين لأسدين من الحجر البازلتي على يمين ويسار الداخل ، وبينهما عتبتين ، حُفرت على العتبة الأولى شكلاً لقدمين بشريتين ( طبعة قدم محفورة في الحجر ) وهي أكبر من المقياس الطبيعي للأقدام البشرية ، بينما العتبة الثانية نقش للقدم اليسرى فقط ( مما يثير تساؤلاً لماذا اليسرى فقط ؟ ، وأين يمكن أن يكون نقش القدم اليمنى ؟! ) ، ومن هذا المدخل الذي يُفضي إلى قاعة مستطيلة ذات مساحة تبلغ ( 96 ) م2 ذات تزيينات جدارية أخاذة بالضفائر وصور متعددة لإله الجبل ، هذه القاعة التي تقود إلى مصلى المعبد ، وقبل الدخول إليه هناك عتبة في أرضية المدخل عليها نقش القدم اليمنى .

        إن هذا التسلسل المعماري الذي يقود المصلي من خارج المعبد إلى داخله يقدم تساؤلات وأجوبة في الوقت نفسه ، ويقدم تميزاً فريداً في الطقس الديني الذي كان متداولاً فيه من خلال نقوش الأقدام الكبيرة ، ناهيك عن تماثيل الأسود البازلتية التي تزين واجهة المعبد ومداخله .

        ومما لا شك فيه أن هذا المعبد يضيف مفردات أثرية جديدة في هوية معابد بلاد الشام ، وحسب ما ذكر المرحوم الدكتور علي أبو عساف أن هذا المعبد هو الحلقة الأهم في سلسلة معابد بلاد الشام ومنطقة الجزيرة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد وحتى القرنين الأول والثاني الميلاديين .

        يتوسط المصلى البالغ مساحته ( 272 ) م2 منبر مزين بالأسود أيضاً ومحاط برواق مزين بالمنحوتات النباتية والحيوانية وكان فيما مضى يطوف المصلين فيه للتعبد .

سر نقش الأقدام الكبيرة :

        تُشير الدراسات الأثرية إلى أن هذه النقوش هي تمثيلٌ لأقدام الإله نفسه ، في محاولة من البنّاء أو النحّات وبإشارة منه لوجود القدمين هي استقبال المعبد ، ثم وجود القدم اليسرى فقط إشارة منه كحركة الدخول باليسرى ، ومن ثم الدخول إلى المصلى باليمنى ،وقد يكون تقديم اليسرى على اليمنى ذات مغزىً طقوسي في تلك الفترة . آخذين بعين الاعتبار إلى أن طول القدم الواحدة حوالي ( 90 ) سم تقريباً .

 

تدمير المعبد :

        على الرغم من أن معبد عين دارة بعيد نسبياً عن الاشتباكات العسكرية إلا أن الهدف هو محاولات لطمس التاريخ والمعالم والهوية ، إذ أن هذا العدوان لا يختلف كثيراً عن عدوان تنظيم داعش في تدميرها للآثار الإنسانية في سورية ، وحيث أنه لم يتم الانتهاء من أعمال التنقيب الأثري بشكل كامل في الموقع ، ولولا ما حصل من تدمير وغياب للسويات الأثرية الهامة فيه لاتضح لنا في المستقبل سويات أثرية قد تكون أكثر أهمية في تأريخ المعبد وكشف طبقاته .

        وعلى ما يبدو أن ثقافة التخريب أو الدمار مرتبطة بأعداء الحضارة الإنسانية ، إذ أن قصف وتدمير هذا المعبد ما هو إلا محاولات لطمس معالم الوجود الإنساني وإلغاء التاريخ في هذا المكان ، لكن ما حصل هو انتهاك واعتداء ليس فقط على موقع أثري وإنما هو اعتداء على كل المواثيق الدولية والإنسانية التي تحظر قصف المواقع الأثرية في حالات النزاع ، هذه الضربات التركية التي طالت الموقع الأثري قامت فعلياً بتدمير أكثر من ( 50 ) % منه ، ولم يتبقى منه قائماً إلا الشيء القليل ، كما لم تسلم قطعة واحدة من التزيينات الجدارية أثناء القصف ، علماً أن هذا الموقع مع العشرات من المواقع الأثرية القريبة منه قد اعتمدتها منظمة اليونسكو لحماية التراث ضمن المواقع الأثرية المهددة بالخطر ، ويذكرنا تدمير معبد عين دارة بتدمير تنظيم داعش لمعبد (بل) في تدمر في شهر آب من العام 2015 م، إذ أن معبد عين دارة لا يقل أهمية عن معبد (بل) ، ليس هذا فحسب بل أنه أقدم من معبد (بل) أيضاً .

        وقد ترتبط روح من يعشق الآثار بها ارتباطاً وثيقاً ، فالمرحوم الدكتور علي أبو عساف الذي عمل في موقع عين دارة لسنوات طويلة لم يصمد أيضاً أمام هذا العدوان أو الفاجعة التاريخية ، إذ توفي بعد دمار معبد عين دارة بأقل من شهر عن عمر يناهز السابعة والثمانين قضاها في خدمة الإرث الحضاري الإنساني في سورية عامة وفي موقع عين دارة خاصة . له الرحمة وعلى عين دارة كل الرحمات .

وحيث أن التاريخ لا يُمحى بإصبع كما لا يُمحى بمدفع أيضاً فشواهد آثارنا ستبقى رمزاً للوجود الإنساني ورمزاً للسلام على مر العصور .

 

 

المراجع :

ـ أبو عساف ، د. علي : دليل معبد عين دارة ـ مطبعة ألف باء الأديب ـ دمشق ـ 1997 .

ـ أبو عساف ، د. علي : اللقى الأثرية في عين دارة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2000 .

ـ أبو عساف ، د. علي : معبد عين دارة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2000 .

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password