السومريون ..من هم

قالوا التاريخ يبدأ من سومر :

جاسم العبيد

لا أحد يعرف من أين جاء السومريون، وأين أرضهم الأولى، ومن أجدادهم الحقيقيون، وما هو نسبهم، وكل ما قيل عنهم هنا وهناك ماهي إلا تكهنات غير موثقة وافتراضات علماء ولا صلة لها بالواقع حسب ما قرأت لمختصي التاريخ والتاريخ السومري .

ظهر اسم سومر في بداية الألفية السادسة ق.م ، وكانوا يعيشون في أنحاء العراق كلها،  لكن دولتهم قامت في السهل الجنوبي من العراق؛ لأن خصوبته وغناه بالمياه وتربته السوداء سمحت للسومريين بهذا الإنجاز الحضاري التاريخي المهم والمتقدم والنادر . وأرض سومر ممتدة من بابل جنوبي بغداد إلى الخليج العربي، ومساحتها تقدر بنحو 25 ألف ك.م 2 وتشكلت سهولها الخصبة من تراكم الطمي الذي حمله النهران دجلة والفرات عبر آلاف السنين، فنهر الفرات عندما يفيض ويعلو سطح مائه بفعل ذوبان الثلوج في نيسان من كل عام ولكثرة روافده؛ فإنه يأتي بتربة غضارية سوداءَ جديدة كل عام، مما يجعل الثمار والخضار والفواكه تنتعش وتنمو، ويجنى منها الطيب ذو النكهة العالية والصحية وإنك لتشم رائحتها من مسافة بعيدة هذا مالمسناه في مناطق الفرات وعلى ضفتيه قبل بناء سد الفرات وخاصة في الدالية والحوايج والطيانة في منطقة الميادين .

في هذا السّهل قامت المدن الأولى (أور- المقيّر الحديثة )  و(أوروك-المسماة إرك في التوراة والمعروفة باسم الوركاء ) وهي من أهم المدن السومرية ،كانت محاطة بسور محيطه 9ك.م، ويعتقد أنه أول سور مدينة في فترات ماقبل التاريخ بنحو 4000سنة بدأت الحضارة فيها من عهد جمدة نصر 3500-3000 ق.م الذي كان عهده زاهياً ازدهرت فيه صناعة الذهب والفضة والنحاس والأختام وكانت أوروك تضم منطقتين مقدستين أقدسهما تعرف باسم بيت راش حيث زيقورة آنو إله السماء السومري يعلوها المعبد الأبيض ومعابد أخرى كثيرة تزينها الفسيفساء والمنطقة الثانية تضم معبد (إنانا) و (عشتار ) آلهة الامومة الكبرى في النصف الثاني من عصر فجر التاريخ وكانت( إنانا )ذات صلة وثيقة (بتموز) الراعي (دوموزي) ملك اوروك الأسطوري وفي قدس (إنانا) نجد الترميم المتواصل من قبل كبار الملوك أمثال (لوجال زاغيري )2370ق0م   و(لارسا )المسماة في التوراة باسم (إلّاسار )والمعروفة الآن باسم (سنكرة ) و(لجش) المعروفة سبرلا وكولاب وكيش وايزين و(أريدو- أبو شهرين الحديثة ).

ومن ملوك السومريين (الوليم – لجار – اينمتلوانا – اينمنجالانا – دوموزي الراعي – اينسيبازي – اينيمدورانا – اوبارتوتو- جااور – جولانيدابااناياد – كيناتيم – نانجيشليتما –باحينا ) .

لقد عاش السومريون على أرض بلاد ما بين النهرين جميعها، وظهرت معالمهم في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد وتركزت حضارتهم في جنوب العراق (أرض شنعار ) أي جنة عدن كما تسميها التوراة .

واسم سومر مشتق من شنعر كما في التوراة اليهودية التي دعيت شنعار

يعتبر السومريون ذوي الرؤوس السوداء ،كما يسمون أنفسهم لشدة سمرة بشرتهم أول صناع للحضارة على الأرض؛ حيث نظموا المدن وبنوا المعابد وأنشؤوا المدارس والمكتبات واخترعوا الكتابة المسمارية واللغة السومرية التي ساعدت في انتشار حضارتهم في جميع مدن الشرق القديم  . يتصف السومريون بأنهم كانوا قصار القامة ممتلئي الجسم، لهم أنوف شم مصفحة ليست كأنوف الأجناس السامية، وجباه منحدرة قليلاً إلى الوراء

وعيون مائلة إلى الأسفل، وكان كثيرون منهم ملتحين وبعضهم حليقين وكثرتهم يحفون شاربهم، وكانوا  يتخذون ملابسهم من جلود الغنم ومن الصوف المغزول الرفيع وكانت النساء يدلين من أكتافهن اليسرى مآزر على أجسامهن ،أما الرجال فكانوا يشدونها على أوساطهم ،ويتركون الجزء الأعلى من أجسامهم عاريا ،ثم علت أثواب الرجال مع تقدم الحضارة شيئا فشيئا ؛حتى غطت أجسامهم كلها حتى الرقبة .

أماالخدم رجالا كانوا أو نساء، فقد ظلوا يمشون عراة من الرأس إلى وسط الجسم إذا كانوا في داخل البيوت ، وكانوا في  العادة يلبسون قلانس على رؤوسهم وأخفافا ًفي أقدامهم ولكن نساء الموسرين منهم كن ينتعلن أحذية من الجلد اللين الرقيق غير ذات كعاب عالية، وكانت الأساور والقلائد والخلاخيل والخواتم والأقراط زينة النساء السومريات التي يظهرن بها ثراء أزواجهن .  يقول العالم والمؤرخ الكبير صموئيل كريمر :

(اصطدم سكان وادي الرافدين للمرة الأولى بالسومريين هذا الشعب البدائي أو المحتمل أن يكون بدوياً، فقد يكون من وراء القفقاس أو بحر قزوين _ ويتمم صموئيل في مكان آخر – في المعارك الأولى لم يكن على جيوش وادي الرافدين المتفوقة عسكرياً أن تجهد نفسها كثيراً؛ لتتغلب على القبائل السومرية، ولكن لم يكن هناك بدٌّ لهذه القبائل البدائية السريعة التحرك من أن تتوصل أخيرا إلى التفوق على خصومها الحضريين، والأكثر تمدناً منها، فقد توصل المحاربون السومريون الذين كانوا يقيمون في مدن وادي الرافدين كرهائن، أو الذين كانوا يخدمون كمرتزقة في جيوشها إلى أنْ يقتبسوا عن غالبيهم مقومات الفن العسكري الذي كانوا يفتقرون إليه وعندما ضعفت امبراطورية وادي الرافدين وتزعزعت، اجتاز السومريون الدويلات – الفواصل في ايران الغربية واجتاحوا وادي الرافدين وصاروا أسياده )  . ويقول ول ديورانت في قصة الحضارة سهوا ًأو عمداً ( ليس في وسعنا رغم ما قام به العلماء من بحوث أن نعرف إلى أية سلالة من السلالات البشرية ينتمي هؤلاء السومريون ،أو أي طريق سلكوه حتى دخلوا بلاد سومر لاحظ المفارقة : إنهم سومريون ودخلوا بلاد سومر ! ) ومن يدري لعلهم جاؤوا من آسيا الوسطى أو بلاد القفقاس أو من أرمينية ،أو أنهم كرد واخترقوا أرض الجزيرة من الشمال متتبعين في سيرهم مجري نهر الفرات ودجلة .

وترك السومريون أدباً رائعاً وشعراً جميلاً امتاز بالعفوية والرقة والتعبير الصادق، وقد دوّنوا هذا الأدب الانساني على الرقم الطينيّة التي صنعوها بأيديهم من طين أرض السواد بلاد مابين النهرين النظيف والمتوفر على شواطيء دجلة والفرات. وتعد اللغة السومرية من أقدم لغات بلاد الرافدين، وربما بلدان المنطقة بأسرها وهي لغة مركبة ً مزجياً وفيها تلصق كلمة بأخرى لتكون معنى جديداً، وهي لغة لا يمكن تصنيفها ضمن أية أسرة لغوية معروفة ؛ فهي لاتشبه غيرها من لغات العالم القديم كالكنعانية والآرامية والعربية والسريانية والعبرية وقد تمكن كارل يتسولد من وضع معجم للغة السومرية محفوظا ًفي المتحف البريطاني بلندن . ولا ننسَ أن اللغة الأكادية كانت قد تأثرت باللغة السومرية أيما تأثّر .

وأما قدم الحضارة السومرية ، فقد تغالى الكهنة بعض الشيء في قدم حضارتهم ، ولكن بوسعنا تقدير عمر الثقافة السومرية تقديراً تقريبياً؛ إذا لاحظنا أن الآثار والخرائب في نبور تمتد إلى عمق ست وستون قدماً، وأن ما يمتد منها أسفل آثار سرجون ملك أكاد يعدل ما يمتد فوق هذه الآثار إلى أعلى الطبقات الأرضية، أي بداية القرن الأول من التاريخ الميلادي . وإذا حسبنا عمر نبور على هذا الأساس رجع بنا إلى عام 5262 ق.م وبعد 3000 ق.م   تروي السجلات المكونة من ألواح الطين التي كان الكهنة يحتفظون بها، والتي وجدت في خرائب (أور) قصة دقيقة دقّة لابأس بها عن قيام ملوك المدائن وتتويجهم وانتصارهم غير المنقطع وجنائزهم الفخمة في مدن أور (لكش ) وأورك وغيرها  .

ومما ورد في اللوحات الرقمية أن الملك (أوروكاجينا )ملك (لكش) كان ملكا مصلحاً ومستبداً منيراً، أصدر المراسيم التي تحرم استغلال الأغنياء للفقراء، واستغلال الكهنة لكافة الناس، وينص أحد هذه المراسيم على أن الكاهن الأكبر يجب ألا يدخل بعد هذا اليوم حديقة الأم الفقيرة، ويأخذ منها الخشب او يستولي على ضريبة الفاكهة، وخفضت رسوم دفن الموتى إلى خمس ما يقُّر به للناس قرباناً للآلهة من أموال أو ماشية، وكان مما يباهي به الملك أنه وهب شعبه الحرية،  وما من شكّ في أن الألواح التي سجلت فيها مراسيمه تكشف عن أقدم القوانين المعروفة في التاريخ وأقلها ألفاظا وأكثرها عدلاً .

وقد غزيت (لكش )ودمرت وهي في أوج عزّها ورخائها، وهدمت معابدها وذبح أهلها وساق من دمرها أمامه تماثيل الآلهة أسيرة ذليلة، ومن أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة كتبت على لوح من الطين لعلّ عمرها يبلغ 4800 سنة يرثي فيها الشاعر السومري دنجردامو انتهاب آلهة لكش ويقول فيها :

واأسفا ه إن نفسي لتذوب حسرة على المدينة وعلى الكنوز .

وا أسفاه إن نفسي لتذوب حسرة على مدينتي جرسو لكش وعلى الكنوز

إن الأطفال في جرسو المقدسة لفي بؤس شديد

لقد استقر الغازي في الضريح الأفخم

وجاء بالملكة المعظمة من معبدها

أي سيدة مدينتي المقفرة الموحشة متى تعودين ؟

لكن هل انحدر السومريون من شمال العراق إلى جنوبه؛ أي هل نعترف أن أصل  السومريين من جبال كردستان هذا ما ألمح له بعض الباحثين العراقيين والمستشرقين .

يقول الباحث العراقي أحمد سوسة (إن السومريين تركوا موطنا في أرض جبلية يمكن الوصول إليها بحرا ) .

حيث إن شمال العراق أرض جبلية ولكن لا يفصلها عن جنوب العراق أي بحر. ويرى آخرون أن السومريين من الأقوام التي هاجرت من جنوب شبه جزيرة العرب؛ لتؤسس موطنا جديدا بعد انحسار العصر الجليدي الذي بدأ فيه تصحر شبه جزيرة العرب؛

بينما كانت مستنقعات بلاد ما بين النهرين تجف؛ لتتحول إلى أرض صالحة للاستيطان والاستزراع . ويدافع عن هذا الرأي السيد عبد المنعم محجوب في كتابه ما قبل اللغة إلى أن الأقوام التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى بلاد الرافدين تزامن ترحالها مع الأقوام التي هاجرت من الصحراء الكبرى إلى وادي النيل، وأن هذه الأقوام تشكل الطرف الشرقي والغربي للحوض الأفروآسيوي الذي كان يتحدث لغةً واحدةً هي السومرية ولكن بلهجات متعددة .وهذا الرأي إن صح فهو يعني أن السومريين أقوام سامية تعتبر من جذور عربية، وانحدرت من جبال اليمن .

بلاد سومر هي بلاد بابل وسهل بلاد شنعار، وقد أطلق الإغريق على هذه الأرض اسم (ميزوبوتاميا ): وهي كلمة تعني بلاد ما بين النهرين دجلة والفرات .

تعتبر الحضارة السومرية التي نشأت في أرض العراق من أقدم الحضارات في تاريخ الانسانية .

لقد امتهن السومريون الزراعة كأول حرفة كانت على أرض بلاد ما بين النهرين ثم امتهنوا الصيد والبحث عن الثمار والنباتات البرية واستفادوا من الحيوانات من لحومها وحليبها وجلودها والسومريون أول بني الانسان ممن عرفوا دبغ الجلود واستخدموا الخياطة وغزل الصوف .

ثم تطورت أعمالهم فبرعوا في الهندسة حيث شيدوا المدن الشهيرة مثل أور ونيبور، وبنوا القصور الضخمة والأروقة وتفننوا في عمارة البيوت بحيث تنسجم مع الحرارة والبرودة واتجاه الشمس. وكانت بيوت المواطنين الخاصة في عصر لارسا وحمورابي مريحة ومبنية جيداً من طابقين؛ كما هي بيوت الطبقة العليا في بغداد والبصرة حاليا ًمن حيث الاتساع وعدد الغرف وموافقِتها للمناخ؛ وخلف كل بيت كان يوجد معبدٌ صغيٌر للصلاة لربِّ العائلة .

ثم عملوا بالتجارة وسنّوا القوانين والأنظمة ونشروها، وعمّموها على باقي البلاد، وعرفوا الفنون التشكيلية والموسيقى، واخترعوا الآلات الموسيقية البدائية وهم أول من نظم السلم الموسيقي، وكونوا الفرق الموسيقية للانشاد في المناسبات وفي دور العبادة .

وكانت لهم القدرة في صنع المجوهرات وسبائك الذهب والفضة، وبنوا السفن الضخمة ورسموا خرائط البحار وأتقنوا فن الملاحة وجابوا العالم القديم وبحاره .

ولهم يعود الفضل في وضع التقويم الشمسي والقمري، وبرعوا في علم الفلك، واكتشفوا مواعيد الفصول السنوية الأربعة، وصنعوا العدسات المقعرة والمحدبة والمرايا المنعكسة، وقد عثر على خاتم يعود إلى الحضارة السومرية رسم عليه خارطة تبين المجموعة الشمسية وتوضح عدد الكواكب العشرة؛ بالإضافة الى الشمس والقمر، وتبين موقع كل منها وبأرقام حسابية؛ حيث كانوا يعتبرون الشمس والقمر كوكبين، وبذلك يصبح عدد الكواكب اثني عشر كوكبا ً.

وتعتبر الألواح الطينية التي دونت بالكتابة المسمارية _حيث تعود للحضارة السومرية_ أول أبجدية عرفها التاريخ والتي تم اكتشافها مكتوبة على الألواح الطينية، وسميت بالخطِّ السومريِّ .

وقد عثر على صحيفة حجرية منحوتة تعود للحضارة السومرية تسمى صحيفة الملك؛ وتحتوي على أخبارٍ وتفاصيل الحضارة السومرية وهي منقوشة على الحجارة، وتوضح أن السومريين كانوا قد قسموا التاريخ إلى قسمين:  فالقسم الأول يعود إلى ما قبل طوفان نوح، والثاني:  إلى ما بعد الطوفان والحياة الجديدة للبشرية.

فكتب الشعراء قصصاً عن بداية الخليقة وعن جنة بدائية، وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة وخرّبها عقاباً لأهلها على ذنبٍ ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين؛ وتناقل البابليون والعبرانيون قصة هذا الطوفان، وأصبحت بعدئذٍ جزءاً من العقيدة المسيحية .

ما أشبه اليوم بالبارحة، وإنما أقصد عمارة البيوت في بلاد الجزيرة اليوم المبنية من الطين والقش، وهومايدعى (الكربيج ) فبيوت مدن سومر تبنى من لبنات الطين والقش؛ تعجن بالماء وتجفف في الشمس ولايزال من اليسير العثور على منازل من هذا الطراز في الأرض التي كانت من قبل بلاد سومر وكان لهذه الأكواخ أبواب من الخشب .

وبرعوا في الحياة الاقتصادية، فزرعوا أرض السواد بالقمح والشعير والسمسم والنخيل والخضروات وعرفوا نظام الري المحكم الذي يرجع عهده إلى 4000 سنة قبل الميلاد، وهو أعظم الأعمال الانشائية في بلاد سومر وقد فتحوا من النهرين قنوات كثيرة منها قناة من شطّ الغراف لجر المياه إلى (لغش) شرقي سومر  نحو 2400 ق.م .

وظهر عندهم المحراث القديم الذي يجره ثوران اثنان وقد ورثته بلادنا الفراتية والجزيرة، وعرفته حتى خمسينيات القرن العشرين وقد رأيت المحراث بأم عيني تجره الثيران والفلاح ممسكاً سكّة الفدّان، وهو يطلق من فمه أجمل الألحان والحدوات والأغنيات حالما ًبقدوم المطر لينبت العشب وتخضرّ الأرض.

والماء سرّ الحياة وسرّ الخصب، ولم تنشأ حياة بلا ماء، ومن أمثال الفرات درب المي أخضر اشارة إلى الخصب والنمو وتراث السومريين يزخر بطقوس المطر رجالاً ونساءً، ويشارك فيها الأطفال أيضاً وتظهر فيها المؤثرات الرمزية والإيحائية والأسطورية ولكن في مسحة دينية،

وقد تتفاعل هذه المؤثرات وتتداخل في بناء الطقوس فنرى أنشودة (أم الغيث) ،وهي من أشهر طقوس المطر، وهو طقس أنثوي تقوم به النساء ، ويجمع بين الغناء والرقص، وهو معروف في بلاد سومر منذ ذلك التاريخ وحتى أمس وكنا نفعله على شط الفرات بمدينة الميادين في نهاية الخمسينات من القرن العشرين، فهو تقليد قديم متوارث إذ تقوم الفتيات بتجهيز هيكل (أم الغيث) ،وهو عبارة عن مغرفة طعام من خشب تثبت عليها من جهة الأعلى قطعة خشبية بمثابة الكتف واليدين، ثم يكسى هذا الهيكل بثياب الفتيات ويزين بالحلي الذهبية والفضية ، ويغطى الوجه بقطعة من  القماش تسمى هبرية، فتبدو أم الغيث عندئذ في هيئة فتاة بكامل لباسها وزينتها .

ثم تبدأ المرحلة الثانية حيث تحمل الفتيات هيكل أم الغيث، ويطاف به من قبلهن من بيتٍ إلى بيتٍ في موكب ٍجميلٍ ومعهن الأطفال الصغار، وهم يرددون أناشيد وترانيم أم الغيث . وعند وقوف الموكب أمام كل بيت تخرج ربة المنزل ومعها الماء لترشه على المحتفلات، ثم تناولهن حفنة من القمح أو العدس . وفي المرحلة الثالثة يجتمع الموكب في ساحة وتظل (أم الغيث ) مرفوعة ًوتطبخ الحبوب في قدر ثم توزع، وتؤكل كصدقة أو قربان ويسود عندئٍذ جو من الاستبشار، ولا يغادر المحتفلون المكان إلى ساعة متأخرة انتظارا للمطر، فإن هطل انصرفوا إلى منازلهم، وإلا يعاد المشهد مراتٍ ومراتٍ حتى يستجيب الله لدعوات الصِّغار والمحتفلين وتوسلاتهم .وأنشودة أم الغيث تبدأ بالأدعية ثم بوصف القحط والجدب

ومن ثم الدعاء والرجاء بهطل المطر، ثم يختم الغناء بدعوة ربات البيوت إلى البذل والكرم والجود وهذه مقتطفاتٌ من الأنشودة السومرية، وما تلاها من أقوام بلاد آقور :

أم الغيث                  ياريّه

عبّي الحوايه             ميّه

أم الغيث                زعلانة

تجيب المطر           من عانة

يالله مطر              يالله طين

تاتشبع                الحواوين

وتكثرنّه              هالدهينه

والتعطي             بالطبشي

صبح    ولدها       يمشي

أم حجول            الردّاسة

والتعطي           بالغربال

صبح    ولدها     خيّال

والتعطي         بالحفنة

جوا    القاع       مندفنة

—————————-

وهي أنشودة طويلة، وأم الغيث تمثل (أنانا) السومرية أو (عشتار) البابلية: وهي طقوس الخصب القديمة المتوارثة .

وعرفوا النورج أي (الحيلان) وهو مصنوع من عدة أقراص حديدية مدببة  ثابتة على عود ثخين يجرّه بغلان أو حماران يدور فوق بيدر الحنطة ليدرسه ويفصل الحبة عن القشِّ  .

واستخدم السومريون النحاس والقصدير، وكانوا يخلطونها في بعض الأحيان ليصنعوا منها معدن البرونز، وعرفوا صك العملة والنقود من البرونز وصنعوا من الحديد آلات كثيرة منها النواعير والطواحين وعرفوا المنجل لحصاد القمح والشعير وبعض النباتات الأخرى .

وكانت صناعة النسيج واسعة َالانتشارِ في مناطق سومر، ومازالت حتى تاريخ نهاية القرن العشرين عبر( الجومة ) وهي آلة حياكة البسط والسجاد والشراشف في بلاد العراق وسومر ودير الزور. كما امتهن السومريون صناعة القوارب والخشب وأدوات الوزن والملابس الخياطة والتزيين والحلاقة والمعجنات واللحوم والسلال والتعليم والكتابة والعمارة، والبناء ومنهم المدير والكاهن ومدير المكتبة والضابط والسفير ومدير المعبد .

كانت الطرق المائية سبيل التجارة العالمية بين بلاد فارس ومصر وسومر

ونما النقل البري بين هاتيك البلاد وسومر بواسطة قوافل الابل والخيل و العربات التي اكتشفتها بعثة اكسفورد في (كش)، وهي من أقدم ما عرف من المركبات ذات العجلات في تاريخ العالم . وقد عثر على أختام يستدل منها على وجود صلات تجارية بين سومر والهند وبلاد الشرق ومصر .

وعرفوا العقود التجارية المكتوبة والموثقة وعليها أختام الشهود .

ونشأت بين الأغنياء والفقراء؛ طبقةٌ أفرادها من صغار رجال الأعمال وطلاب العلم والأطباء والكهنة ،وقد علا شأن الطبِّ عندهم فكان لكل داء دواء خاص، ولكنه ظلّ يختلط بالدين ويعترف بأن المرض لا يمكن شفاؤه إلا إذا طردت الشياطين من أجسام المرضى ؛ لأن الأمراض إنما تنشأ من تقمصها هذه الأجسام .

أما نظام الحكم فقد كانت كل مدينة مستقلة عن غيرها، ولها ملكها الخاص وكاهنها المرتبط بالدين وسياسة الحكم .

ويعتبر الملك صاحب السلطان المطلق يحيط به جوٌّ من العنف والخوف ،شبيه بما كان يحيط الملوك في عصر النهضة الاوروبية .وكان يعيش في قصرٍ منيعٍ له مدخلان ضيقان لايتسع الواحد منهما لدخول أكثر من شخص واحد في كلّ مرةٍ، وكان على يمين المدخل وشماله مخابيءٌ  يستطيع من فيها من الحراس السريين أن يفحصوا عن كل زائر، أو ينقضوا عليه بالخناجر بل إنَّ هيكل الملك كان هو نفسه مكانا سريَّاً مختفياً في قصره يستطيع أن يؤدي فيه واجباته الدينية دون أن تراه الأعين .

وكان الملك يخرج إلى الحرب في عربة على رأس جيشٍ مؤلّف من خليط من المقاتلين مسلحينَ بالقسيِّ والسِّهام والحراب .

أما موارد الحكومة؛ فكانت تعتمد على الضرائب التي تُجبى وتختزن في مخازن الملكية ؛وتؤدى منها رواتب موظفي الدولة وعمالها .

ومن الشرائع السامية التي تقضي بقتل الزّوجة إذا زنت ؛أما الشريعة السومرية فكل ما تجيزه أن تسمح للزوج بأن يتخذ له زوجة ثانية؛ وأن ينزل الزوجة الأولى منزلة أقل من منزلتها السابقة ،والقانون السومري يشمل العلاقات التجارية كما يشمل العلاقات الزوجية والجنسية بوجه عام ،وينظم شؤون القروض والعقود والبيع والشراء والتبني والوصيّة بكافة أنواعها ،وكانت المحاكم تعقد جلساتها في المعابد وكان معظم قضاتها من رجال الدين .

إن شريعة السومريين تتحدث عن الإله (شمش ) وأصبح لكل مدينةٍ ولكل ولايةٍ إلهٌ مدبرٌ وكانت عبادة الشمس قد تقادم عهدها حين نشأت بلاد سومر، وشيّدت مدينة نبور المعابد العظيمة للإله( إنليل ) ولصاحبته (نهيل)؛ أما (أوروك) فكانت تعبد آلهة (إنيني) العذراء إلهة الأرض، والمعروفة لدى أهل أكاد باسم (أستير) . وكان (آبو) أو( تموز) إله الزرع وكان (سن) إله القمر، وتميز السومريون بكثرة الآلهة التي يقدمون لها القرابين من مالٍ وطعامٍ وأزواجٍ ،ومن الأطعمة المفضلة الثيران والمعز والضان واليمام والدجاج والبط والسمك والبلح والتين والخيار والزبد والزيت والكعك . فمن هذا نستنتج أن البلاد التي حوت هذه الأطعمة قد ارتقت، وتمتعت بالهناء والعيش الرغيد والسعة من الرزق . وكانت العبودية نظاماً معترفاً به في المجتمع السومري، وأكثر العبيد كانوا أسرى حرب ويعتبر العبد أحد ممتلكات سيده، وله علامةٌ خاصةُ توضع على جسده ويتعرض لعقوباتٍ قاسيةٍ جداً إذا ما حاول الهرب ،وكان للعبيد بعض الحقوق القانونية، فهو يستطيع العمل في التجارة ويستدين المال ويشتري حريته وإذا تزوج من حرة فإن الأولاد يصبحوا أحراراً، وأثمان العبيد لاتزيد على عشرة شيكلات .

إن أروع ما خلفه السومريون : “هو فن الكتابة” ،ويرجع عهدها إلى 3600ق.م، لقد كتبوا على الألواح الطينية ،ونقشوا عليها ما يريدون، وكانوا في ذلك مهرة جداً، فبقيت ألواحهم محفوظة على مر العصور، وكانت نشأة الكتابة المسمارية وتطورها أعظم ما للسومريين من فضل على الحضارة العالمية ،

وتقرأ الكتابة السومرية من اليمين لليسار .  وتم اكتشاف العديد من الألواح السومرية ،وذلك في نهاية القرن العشرين ،والتي خطت بالمسمارية بأدوات شبيهة بأقلام القصب، وهي موجودة في متاحف العالم ،ولكنها لم تنشر بعد وهي تعكس المعتقدات الدينية، والأفكار الأخلاقية، والتطلعات الروحية السومرية .

يعتقد المؤرخ ديلا بورت : أن السومريين قد تلاشوا وانتهوا أما م جحافل جيوش العيلاميين الذين أحرقوا مدنهم بعد تدميرها، واختفت لغتهم ، ثم أصبحت مدنهم جزءاً من أكاد كما قال الباحثان دياكوف وكوفاليف في كتابهما الحضارة القديمة بما نصه: (العموريون والعيلاميون قضوا على السومريين نهائياً، والعموريون هم قبائل سامية نزحت من شبه جزيرة العرب ،وأسسوا الحضارة البابلية في عصرها القديم أيام حمورابي، بينما العيلاميون هم أقوام من غرب ايران ). وهل بقي للسومريين مجموعات؟ يقال أن بعض من سكان جنوب العراق هم من بقايا السومريين !

ولقد منيت سومر في النهايات بهزيمتين : الأولى على يد القائد سرجون الذي سيطر على معظم غربي آسية ومنها سومر ، وأسس عاصمته أكاد حسب التوراة، وهي مدينة ليست بعيدة عن (كيش)، وأصبحت سومر تعرف من حينها ب(سومر ، أكد ) ثم قام حفيد سرجون ( نارام ،سن )، ولسبب غير معروف بمهاجمة نيبور المدينة المقدسة وخربها ونهبها وهي الهزيمة الثانية لسومر . كما هوجمت أيضا من قبل الغوتيان وهم شعب قاس همجي من شرق ايران .

ولقد ترك السومريون كثيرا من الآثار المهمة ، فقد قامت بعثة علمية ألمانية بالتنقيب في موقع الوركاء بإدارة العالم لانسن الذي اكتشف معبد اينانا وتمثالاً رائعاً لرأس إحدى سيدات مدينة الوركاء والبرج المدرج وهيكل الزقورة مع نقوش لأختام مصنوعة من الأحجار الكريمة مستقات من طقوس عبادية . كما أظهرت الحفريات الأثرية في موقع الوركاء على كؤوس وأباريق ورسوم تميزت بأشكال هندسية ملونة بالأسود، وعرفوا أن النظام السياسي للمجتمع السومري كان يتكون من الملك؛ رأس السلطة المدنية الذي كان يدعى – ان – والكاهم – ان سي – ويعني الرجل الكبير لقد تظافرت جهود أكثر من 300 عالم أثري أجنبي للكشف عن آثارحضارة دولة سومر العظيمة خلال قرنين من الزمن .

المصادر :

تاريخ كردستان —- جكرخوين

قصة الحضارة – ول ديورانت ج1

تاريخ سوريا القديم —  احمد داوود

مجلة سومر العراقية .

مجلة التراث العربي .

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password